بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
من لايعرف خطوات وتداعيات الثورة .. فليشاهد فورة بركان .. أو ليجلس يوما أمام براد الشاي فوق (راكية النار) ويتأمل في هدوء وصبر خطوات تجمع فورة الشاي وهي تقلب محتوى البراد مرة ومرات ثم تجمع حبيبات الشاي على سطحه ثم يرتفع السطح ليسكب الحبيبات وبعض الشاي خارج البراد ، ثم يستمر ما تبقى من الشاي في الغليان داخل البراد دون فورة ثانية ما لم تضاف له كمية جديدة من الماء والشاي ليبدأ الخطوات من جديد ، وهي تماثل بالضبط صناعة فورة الثورة والتي اتبعتها بدقة المخابرات الأمريكية والغربية في صناعة الربيع العربي وثوراته في بلدان العراق وليبيا وسوريا واليمن وأخيراة كعكة الربيع العربي مصر والتي فشلت ثورتها في تحقيق المستهدف الأمريكي والغربي بل وقلبت الطاولة وأفشلت وأوقفت استكمال تحقيق النجاحات التي بدأت في معظم بلدان الربيع العربي .
ولا شك أن المتابع والدارس لطبيعة تداعيات أية ثورة يعرف جيدا أن الثورات تزلزل أركان النظام الرسمي للدولة وقد تهدم في أسوأ حالاتها أركان مؤسسات الدولة الرئيسية (الشرطة - الجيش - القضاء) ، وعندها تنهار أركان الدولة تماما تصبح نهبا للمتآمرين والعملاء والخونة والحمقى والمغيبين والطامعين والمتربصين على أمل أن تستطيع أية قوى منظمة إعادة السيطرة لتعيد بناء نظام رسمي جديد قادر على احتواء تداعيات هذه الثورة ، ولكن في جميع الأحوال وببداية الثورة يتصاعد الإنفلات العام وهو إنفلات لجميع القوى النفسية والمادية فتعاني الدولة وشعبها من التسيب الفكري والثقافي والإجتماعي والشعبي والسياسي .
ولا اختلاف أن الثورة المصرية جاءت من غليان شعب لعقود ثلاثة عبر جيل كامل شاهد وطنه يسرق وينهب ويباع وتبدد ثقافته ودينه وفكره وقيمه وصحته وقدراته واستغل أعداؤه هذه الفورة وأعدوا عملاؤهم من أذرع الماسونية الدينية ليطبقوا على هذا الوطن ويديروه لصالحهم ويقسموه كما فعلوا في جيرانه من قبل ، وكانوا يعتقدون أن هذا الشعب يماثل غيره في ردود أفعاله فهو لن يثور مرة أخرى قبل مرور جيل كامل أو (ثلاثة عقود) على الأقل ، وتناسى أغبياء التخطيط الماسوني أنهم ارتكبوا أكبر الأخطاء الحمقاء على الإطلاق والتي تمثلت في الاستهانة بمستويات العقل الجمعي المصري ، وهو عامل لم يتم حسابه مطلقا واعتبروا مصر تكرارا مضمون النجاح لما نفذوه في العراق وليبيا وسوريا واليمن .
والعقل الجمعي المصري الذي نعنيه هنا هو نتاج تراكم ميراث تاريخي عميق الجذور في التاريخ البشري لهذا الشعب ، وهذا الميراث زاخر بقوى المدنية المنظمة والمبنية على الترابط المجتمعي بين مختلف نوعيات وفئات هذا الوطن في نسيج شديد التعقيد والتداخل ، ليفاجئهم المصريون بثورة ثانية شديدة السلمية ومثالا تاريخيا لتوافق شعب سوف يخضع طويلا للدراسة والبحث قبل أن يدركوا كيف تجمعت قوى الشعب وتوافقت لتسقط مخططاتهم وتبدد أحلامهم لقرون طويلة بهدم وتفتيت آخر القوى التي تهدد الماسونية وتقف خصما عنيدا في طريق أطماعها لإحكام السيطرة على قلب العالم بالشرق الأوسط .
وعلى هامش الفكرة الأساسية لما حدث لابد وأن لا نتناسى أن التطرف الديني الذي تبناه السلفيون والإخوان وخدعوا به هذا الشعب عبر عقود طويلة قي رعاية وتوجيه أسيادهم في قيادات الماسونية قد مارس على المجتمع ضغوطا قاسية ترفضها النفس البشرية خاصة بعد وصولهم للسلطة وافتضاح حقيقتهم المتدنية والتي ظهرت بممارساتهم اللا أخلاقية في كل شئون الحكم والحياة وكأنهم انفجروا بعد كبت كحمر مستنفرة ليكتشف المصريون خداعهم وكذبهم وخيانتهم للدين والأخلاق والقيم في أقبح صوره ، ولا شك أن هذا قد أدى في خضم الإنفلات الثوري لكثير من التداعيات الخطيرة والتي تعتبر كصديد تفجر من ورم متقيح مثل ظهور الإلحاد بين من صدمهم فداحة ممارسات وضلال من كانوا يدعون أنهم ممثلوا الدين وحاملين صكوك الغفران والتوكيلات الربانية على الأرض ، بخلاف أفلام المخلفات البشرية من الوقاحة والبلطجة والعهر والإدمان وأخيرا بجاحة ووقاحة اقتناص الفرصة لنشر ثقافة العري والرقص وبرامجه ومسابقاته لعلها تسبغ أو تعيد مجدا وشرفا سقط بلا عودة عن بعض المخلفات البشرية ، هذا بالإضافة للمخلفات السياسية التي تحاول إعادة صباغة نفسها بأية ألوان ولو باهتة أو عميلة علها تحظى ولو بفرصة سطر في سجل التاريخ المتنكر لهم .
وبالتالي فما يجري حاليا في مصر هو غليان ما بعد الفورة وما نشاهده من عته إخواني ليس إلا محاولات أمريكية غربية لضخ أسباب وأحداث مفتعلة جديدة لصناعة فورة جديدة بأي ثمن أو حتى ولو شبه فورة كاذبة تعطيها سببا يمكنها من توجيه ضربة عسكرية لمصر علها تستطيع إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مخطط تقسيم مصر ولو حتى إضعاف قدراتها العسكرية والسياسية والاقتصادية وتستخدم أمريكا والغرب في معركتها الأخيرة مختلف أنواع القوى العميلة من الإخوان والسلفيين وإرهابيين ومخلفات القوى السياسية والجماعات والفرق التي تم تدريبها من قبل لإسقاط الدولة لتفتيت وتشتيت قوى الشعب والأمن وإرهاق الدولة وجيشها .
ورغم أننا والعالم كله يرى ويسمع ويعي تماما بشائر نجاح القيادة المصرية في وضع مصر وتثبيتها على الطريق السليم لبناء دولة قوية ومستقرة وهو ما تؤكده الانتصارات المتتالية لصالح هذا الشعب إلا أن قوى الظلام ما زال لديها أوهاما كبيرة بتحقيق أي تدمير أو هدم وتشويه ولو كذبا وزورا وبهتانا يبنون عليه ما يحلمون به من خراب لهذا الوطن ، حتى أصابهم العته والهطل النفسي فترى فاشلا مهترئا أكل على كل الموائد من قبل يهدد الدولة بثورة قادمة إن لم يلغى قانون التظاهر وينحاز لمجرمين وقتلة وخونة وعملاء متجاهلا شهداء وطن يسقطون كل يوم من الشعب والشرطة والجيش ، وآخرون مغيبون يهددون بالأمس بالدعوة لثورة إسلامية ثم ينسحبون بعدها تماما من دعم الإخوان في مشهد هزلي ، وآخرون باسم الفن والإبداع يستغلون الانفلات ليفسدوا قيم هذا الشعب بنشر ثقافة العري والخلاعة والعهر والبعض باسم التصدي للسلبيات يثري وينشر ثقافة الفساد والمخدارت والبلطجة والأعجب والأغرب أن خفافيش الظلام من بقايا مافيا الفساد ما زالوا ينهبون ويرتعون فسادا في الهيئات والمؤسسات ويظنون كذبا أنهم آمنون ولن يحاسبوا .
فما يحدث الآن هو صراع بكل معانيه ما بين قوى الدولة الواعية العاقلة والتي يرعاها ويؤيدها العقل الجمعي المصري الفريد وبين الاستعمار الأمريكي والغربي بكل وقاحته وبجاحته وبمعاونة قوى الظلام وخفافيشها وأذرعها النجسة من تجار الدين وبعض النفوس المريضة والمغيبة والعميلة داخل مصر ، فضلا عمن يسمون أنفسهم رجال الأعمال والذين يضمرون ويخططون في الظلام لإسقاط النظام أو احتوائه بكل غباء وحمق وسوء تقدير لما هم يتآمرون عليه ، وهي معارك متنوعة بكل صورها الاقتصادية والدينية والثقافية والسياسية والاجتماعية وهي في مجملها معارك متتالية سوف تحسم في النهاية دون شك أو جدال لصالح القوى الشعبية والمتمثلة في غالبية هذا الشعب الباحث عن فرص لحياة أفضل وأكثر أمنا وكرامة وتقدما ورفاهية .



