بقلم : د. شوكت المصري
"يارا اللي جدايلـــــــــــــــــــــــــــــها شُـــــقُــــــــــــــــــــــــــــــــــرْ
اللي فيهن بيتمــــــــــرجح عُمُـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرْ
و كل نجمة تبوح بأســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرارا
...
يارا اللي غفي ع زِندا خَيّا الصغير
و ضَلِتْ تغني و الدِني حدا تطــــــــــــير
و الـــــــــــــــــــــــــــــــــــرياح تِـــــــــــــدَوزِنْ أوتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــارا"
بهذه الكلمات الرقيقات وضعَ الشاعر الكبير الراحل "سعيد عقل" موقِفَهُ من الدماء والدمار، الذي خلّفته الحرب اللبنانية في مطلع الثمانينات، على شفاه السيدة فيروز؛ لتتغنى "جارة القمر" باسم "يارا" أنشودةً فينيقيةً للسلام والمحبّة والحرية. ولم يكن "سعيد عقل" ولا "فيروز" يعلمان أننا سنعاود ترتيل أنشودتهما التي لحنها الأخَوَان رحباني، ولكن هذه المرّة عام 2014 من أجل الحرية لفتيات وفتيان الثورة المصرية الذين أزهق قانون غادر (هو قانون التظاهر) حريةَ أرواحهم الغضة المُخلِصة.
إن "يارا سلام" الناشطة الحقوقية الحاصلة على ماجستير القانون، وابنة الشاعر المصري والمترجم الكبير "رفعت سلام" ما تزال تقبع خلف أسوار سجن النساء بالقناطر الخيرية منذ صبيحة يوم السبت 21/ 6 وحتى يومنا هذا، دون جرمٍ اقترفته سوى أنها تحلم كما علّمَها وعلَّمنا والدها الحلم والخيال والجمال، حيث تواجه هذه الفتاة البريئة التي لم تتجاوز الثامنة والعشرين من عمرها، ومعها 22 لا يقلّون عنها وطنيّة وثورية، قائمةَ اتهامات (مُعبأة سَلَفاً ومُجَهَّزة دائما) هي: التظاهر دون إذن، وتهديد النظام وتكدير الأمن العام، والإضرار بأمن مصر القومي، وإتلاف الممتلكات الخاصة والعامة، وإثارة الرعب في قلوب المارة، واستخدام العنف ضد قوات الشرطة !!!
قائمة اتهامات تليق بالفعل بهؤلاء الشرفاء من شباب الثورة والحلم، هؤلاء الذين خرجوا من أجل وطنٍ يليق بأمثالهم وأمثالهن ولا يليق غدُهُ بسواهم، لأنهم كانوا وبجدارة وقود الثورة ضد مبارك وفساد نظامه الذي استشرى سرطانًا في جسد مصر، وكانوا أيضًا وقود الثورة ضد خيانات مكتب الإرشاد وتحزبات الأهل والعشيرة ومخطط التمكين الذي أراد إسقاط مصر في يد الدواعش وأشباههم من شرار الخَلْق.
وبينما تمرُّ على "يارا" وعلى ما يقرب من (12 ألف) شاب وفتاة الليالي والشهورُ السوداء في حبسٍ احتياطي منتظرين محاكمتهم بقائمة تهم تصل عقوباتها من ثلاث إلى 7 سنوات، نجد مبارك في مستشفى المعادي العسكري يلوّحُ لمناصريه بعد "البراءة" المدهشة حدّ اليأس مبتسمًا في صلافةٍ وغطرسة. وفي مقابله نجد "مرسي ومرشده وشاطره" يلوحون باسمين أيضًا بإشارات "رابعة" في أبهة عجرفتهم خلف قضبان زائفة يقينًا في صفقات ومواءمات محتومة، بينما يمرع "أحمد المغير وعبد الرحمن عز" وغيرهما من شباب الجماعة الساقطة في مباءة الحرية، التي وسّعها لهم خلل قانونٍ معتل وتوازنات سياسةٍ ملعونة، مُخرجين ألسنتهم بسخرية على سلالم الطائرات وشاشات الفضائيات لشباب الثورة الحق، الذي ما يزال يدفع ثمن وطنٍ قابضين على جمرته مُكبّلين بدمائهم وعرقهم ووَهَن أجسادهم الغضّة.
لقد عرَفنا أخيرًا من الآثم الذي قَتَلَ المتظاهرين طوال سنوات الثورة الثلاثة، إنها "يارا" وزملائها دون شك، فالداخلية ليست لديها قنّاصة، ومبارك كان أبًا رؤوما ببني وطنه، وحبيب العادلي كان يرشُّ الورودَ والياسَمين على المتظاهرين وأصحاب الرأي، كل هؤلاء بريئون من دم المتظاهرين براءة أخوة يوسف من دم الشاة المغدورة البائسة .. ولا أدري (لو صدّقنا فرضية قتل حماس والإخوان للمتظاهرين) كيف لا يُحاكَمُ رجال نظام (محمد "مرسي" مبارك) فورًا بتهمة الخيانة العظمى؛ كيف لا يُحاكَمُ كليهما "المُقتحمين المُعتَدين" الذين خططوا لإسقاط وطن وركوب ثورة، و"المتواطئين المُقصّرين" الذين تركوا دولةً بحجم مصر تسقُطُ في ساعات معدودة على يد ميليشيات مسلّحة تفتح السجون وتقتحم الأقسام وتقتل شعبا قتلا عشوائياً في الشوارع والميادين؟!!
إن "يارا" التي يعني اسمها بالفينيقية (الحبية)، ويعني باليونانية والفارسية (ابنة الربيع والجريئة)، ويعني في السنسكريتية (الضوء الساطع)، وفي المصرية القديمة (مملكة السماء)، بينما يعني في العربية (الفراشة الصغيرة والطاهرة المحبّة الخجولة العنيدة القوية)، ليس غريباً أن يذكر بعض المؤرخين أنها اسم من أسماء مدينة القدس (وما أكثَرَ ما نُضيعُ ونَفقِد)، وليست صدفةً بالتأكيد أن يكون معناها في اللغة التركية (الجُـــرح). فـ "يارا" هي جُرُحنا الذي لن يلتئم وضوؤنا الذي يكابد جاهدًا كي يسطع من ثغرة تضيق وتضيق.
السيد رئيس الجمهورية .. إنه نداءٌ أخير .. ولما يزل بعد الخيارُ خياركم والقرار بأيديكم، فإما أن تدركَ الوقت، وإما أن يدرككم ويدركنا زحفٌ لا رجوع عنه، والله وحدهُ أعلم بتبعاته وكوارثه .. إنني أدعوكم فورًا إلى تصحيح هذا المسار البائس والعمل على تحقيق أهداف الثورة وإلغاء هذا القانون غير الدستوري، والإفراج عن المُحاكَمين كافة، فقد دحَرْنا مبارك والإخوان بالتظاهر، وقد دعوتم بأنفسكم هذا الشعب للتظاهر تفويضاً في 26 يوليو!! وعجبًا لفعلٍ يصبح جنةً وجحيمًا في آنٍ واحد. عجبًا لثورةٍ أضحتْ خيانةً، ولقتلةٍ أصبحوا أبرياء، ولخونةٍ يزعمون خلف القضبان أنهم مناضلون، بينما شباب مصر يعجِزُهم اليأس والأَسْر وتعلو وجوههم تجاعيد ثورتهم وانتكاساتها.
أفرجوا عن شباب مصر الذين صدحوا بأهداف ثورتهم، أفرجوا عن المستقبل والحُلم والأمل، فلا مستقبَلَ لوطنٍ يخافُ من الغناء ويطارد الحريّة، أفرجوا عن "يارا" الحرّةُ، ابنةُ الشاعر الحُر "رفعت سلام"، أفرجوا عمن قال فيها والدٌ مكلومٌ يقاسي ظُلمَ ابنته وأسْرِها:
"يارا
وُلِدَتْ في الهواء الطلق
تعلَّمَت- في المهدِ- لغةَ الطيرِ
وما تقولُهُ الأشجارُ للأشجار؛
عَرَفتْ لغةَ الينابيعِ الخفيّةِ،
وأغاريدَ العصافيرِ المرفرفةْ.
وحين بدأَتْ أغنِيَتَها
اعتقلوها !!"



