بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
نعم كل منا يريد أن يصبح غدا أفضل من اليوم .. ولكن ماذا فعلنا لتحقيق هذا .. ؟؟ في معظمنا والغالبية منا لم يفعل شيء أو فعل لا شيء .. ولا شيء على الإطلاق ، فقط أمنيات وآمال عريضة وكلمات وأقوال وانتقادات للآخرين ونظن أننا بانتقادنا لغيرنا قد يفعلون ما يحولون به حياتنا للأفضل وهو الخبال أو ضرب من المحال بل إنه الحمق وقمة الغباء الإنساني بعينه ، فكلنا يناقش ويتسائل ويحاسب ولم يفكر أحد منا مرة واحدة أن يحاسب نفسه أو يسألها مثلا .. كم استزادت من العلم منذ أمس أو أسبوع أو شهر أو حتى سنة ، وكم عملت بما تعلمت وكم علمته لغيرك كما تعلمته ولم تبخل وتحتفظ لنفسك بما يضمن لك التفرد والتميز أو الحفاظ على وظيفتك أو هيمنتك على غيرك ، فالغالبية منا تخرج من آخر مرحلة تعليم في حياته والتي ربما كانت إجبارية ولم يفكر ولو مرة واحدة في الارتفاء بمستوى تعليمه ولو درجة واحدة ، ولكننا جميعا كالبلهاء نسعى لاهثين وراء أكبر قدر من المال والسلطة والشهرة والمتعة.
وفي زخم البحث عن المال والسلطة فحدث ولا حرج فما تزال الرشوة والاختلاس هي الهدف الرئيسي لكبار رجال ومديري المصالح وموظفيهم قبل صغارهم حتى تقابل ضابط المباحث ورئيس مجلس الإدارة ومدير مكتب الوزير والقاضي والمحامي والطبيب وأستاذ الجامعة ومدير المستشفى ومدير المدرسة والمدرس والجميع قد احترف العمل بالسبوبة ولا فرار من سقوطك بين أنيابه مرة ومرتين وثلاثة يوميا في كل مصلحة ودون خوف أو خجل أو حتى حياء بل ويسعون للحفاظ على استمرار الامبراطورية بتمكين رجالهم وأشباههم في المواقع والمراكز الحساسة التي تخدمهم لتتفاقم المعضلة وتنتفخ وتتفشى مافيا الفساد دون تراجع حتى ترى مقاولا في أحد الفضائيات يؤكد أن تكلفة الشقة لا تزيد عن 40 ألف ويصر الموظف الحكومي أنها تتكلف 150 ألف في حساباته الرسمية دون خجل أو خوف من حساب ، أما عن الشهرة فكثير من الشباب وبعض الكبار باحث عن الشهرة حتى ولو كانت عن طريق فضيحة او أقلها العري وبجاحة ووقاحة النفس والطبع والتصرفات ولا مانع أن يكون الباحث عن الشهرة مرشحا سابقا مخضرما للرئاسة بإعلانات حمقاء ورعونة سياسية ونفسية وغيره قطبا سياسيا أو دينيا أو حتى قضائيا ولكنه فقد بوصلة المنطق والتعقل من أجل الشهرة .
وفي خضم المتع لا نتوقف أبدا فقد أصبحنا جميعا أسرى ومدمنون للحظات المتع اليومية المستنفذة لقدراتنا وعقولنا بل واستقرار وثبات نفوسنا وعقولنا بغض النظر عن الوسائل والتي تبدأ بالتمتع بمقاسات وأحجام وتفاصيل أجساد النساء مرتديات الفيزون وأشباه العاريات في الشوارع والمدارس والجمعات وحتى في المصالح والشركات والمصانع فهن قد فقدن الحياء وطعم الشرف ويستمتعن أيضا بالنظرات الشرهة ثم نجتمع أخيرا أمام القنوات الفضائية والبعض ينتقل لشبكات التواصل الاجتماعي وغرف الدردشة بحثا عن غرام جديد وقد تتطرف المتع لتصل لمستويات المواقع الإباحية والمخدرات والكحوليات عند البعض ، وفي النهاية لدى كل منا مستوى من تعاطي المتعة يتوقف عنده مرحليا يكون عندها قد أفرغ شحنته السالبة من الإحباط والغضب ودوافع القلق أو كما يتخيل لينهي يومه ويعيد تكرار الأيام شبيهة ببعضها أو تكاد ولا جديد ويستمر التقدم للخلف .
وتنساق وسائل الإعلام وطنية أو تجارية وراء المكاسب المادية بعرض ما يلقى الإقبال المنشود دون اعتبار لأية قيم أو استراتيجيات قومية أو وطنية فلا مانع أن الرقص والعري وعرض المفاتن والتفنن في الإغراء والرقص هو أسهل وأروع ما تتعلمه ابنتك وتجد فيه ضالتها وأملها من حياتها وعمرها المديد ، ويكون لاعب الكرة والبلطجي والمدمن والقاتل المتسلسل والنصاب وديلر القمار والمخدرات هو القدوة لولدك الصغير ، والفتاة الحالمة الناعمة الشقية بل وربما المدمنة والباحثة عن إغراء أكبر قدر من الشباب والعاشقة لنصف من تعرف من الشباب هو قدوة ابنتك الشابة ، ولا محاسب ولا رقيب بل ويفجعك القضاء النزيه العادل والملتزم أخلاقيا ونفسيا بالحكم بحق السبكي في أن يمنح ولدك في المرحلة الابتدائية الحق والكيفية لممارسة الجنس مع مدرسته كضرب من الإبداع ولا عزاء للقيم .
ولاشك أن هذا النمط قد أدمنه الغالبية العظمى من هذا الشعب بكامله عبر عقود ثلاثة مضت وهم يشحنون بطاريات الغضب والتمرد وساعده من يراقب ويدفعه بخطوات ثابتة ليثور بلا عقل فيستغله في التوقيت المناسب ليدمر له أركان دولته وينقض عليه ويفتته مثل غيره من الأمم ، ولكن شاء الله ألا تكتمل المؤامرة وجند لهذا الشعب من يرعاه ويحسن نجدته في التوقيت الحرج فماذا فعلوا وكيف أفاقوا من غفواتهم التي أدمنوها .. ؟؟؟ ، لا شيء سوى الولولة والعويل والصراخ والنحيب على اللبن المسكوب وانتقاء السلبيات دون مساهمة أو محاولة تغيير الذات وهو حال الغلبية العظمى ويؤججهم مجموعة بلهاء أو قل بعضها مدفوعة وعميلة يتقدمها بعض وسائل الإعلام الحمقاء وبعض العملاء وبقايا الخونة من تجار الدين يسعون لأي تدمير لحساب أسيادهم في الغرب .
ولنوقف قليلا زخم الولولة والانتقادات والبكاء على اللبن المسكوب ونؤكد أنه لابد من وضع استراتيجية شاملة للتغيير ولها أهداف رئيسية واضحة ومحددة وما هو النمط المناسب لهذه الاستراتيجية بمعنى ما هو المستهدف الوصول إليه وما هو الزمن المقدر للوصول للنتائج المستهدفة ، ثم نتساءل من يملك وضع هذه الاستراتيجية الشاملة لهذا الشعب ، هل هي المؤسسات برعاية مؤسسة الرياسة أم مجلس الأمن القومي وهل اكتفى أصحاب ثورة 30 يونيو بهدف استراتيجي واحد هو تحقيق الاستقرار والنمو الاقتصادي ويتغافلون عن طبائع الفساد النفسي والاجتماعي والأخلاقي التي تستنزف ما نحققه أولا بأول وبسرعات ربما أكبر بكثير من قدرات الإصلاح ، أم لديهم استراتيجية فكرية وثقافية وما زالوا يضعون لها مخططات التنفيذ المناسبة .
وهل حددوا بالفعل السلبيات الرئيسية التي تربى عليها هذا الشعب لأكثر من خمسة عقود كاملة ، وهل يعلمون أننا قد أصبحت أبرز سلبياتنا أننا فقدنا ثقافة الإتقان واستكمال الأعمال حتى نهايتها ولا نملكها حتى في بيوتنا ، وهل يعلمون أننا لا نملك ثقافة المتابعة من أجل الإتقان وأننا لا نعرف أصلا ثقافة الصيانة فنحن لا نمارس أعمال الصيانة حتى لأجسادنا فكيف نعرفها لمعداتنا وبيوتنا وأدواتنا والأجهزة التي نستخدمها وسياراتنا ولا حتى لأولادنا وعقولهم وأجسامهم ، فكل شيء عندنا سطحي ويخضع للتنافس والإبهار والنصب والخداع ، لنتفاجأ دوما بأن أولادنا يرسبون أو مرضى وكفى ملايين المرضى والدولة لم تتحرك ولا حتى المرضى أنفسهم إلا بعد فوات الآوان وكذلك فجأة نكتشف أن سياراتنا عاطلة أو مدمرة ومعدات مصانعنا أو شركاتنا متهالكة ، فنحن لا نعرف ولم نتعلم ثقافة الصيانة الوقائية لأي شيء في حياتنا .
ومن نفس المنطلق هل يعلمون أننا في جميع مصانعنا لا نملك ثقافة التطبيق العملي للعلم أو ما نسميها بالتكنولوجيا ونعتمد على خبرة متقادمة للعمال وبالتالي لا يوجد لدينا منتج واحد يستطيع المنافسة بجودته حتى في أسواقنا مع منتجات هندية أو صينية ، وهل يعلمون أن هناك مافيا الحفاظ على الفشل من منطلق الحفاظ على تواجدهم وإلا فلماذا يستمر رئيس مجلس إدارة أو مدير في موقعه وهو يحقق في كل عام أعلى معدلات الخسارة والبطالة المقنعة لعماله وكيف تحافظ عليه إدارته العليا وتتمسك به ولماذا ، ولماذا ما زلنا نمارس ثقافة الكذب والبهتان والنصب والخداع والتغطيات الإعلامية للسلبيات و(كله تمام يا فندم) ، ثم نتساءل لماذا نتقدم ببطء أو لا نتقدم بل ونتأخر سنوات في بعض القطاعات .
المشكلة تبدأ من البيوت ومن التربية لأولادنا ومن الشباب الفاقد الأمل في المستقبل وفي القدوة التي يتعاملون معها في كل يوم وساعة ودقيقة ومن وسائل الإعلام التي ترتع تحت مسميات الحرية والإبداع والفكر الحر ، من المدرسة والمدرس والناظر وعامل النظافة ومن رئيس مجلس الإدارة والمدير والموظف الفاشل والمرتشي والمختلس والقاضي الفاقد للضمير والاستقامة النفسية والمتحجج بالورقيات والأدلة الظرفية والإجراءات ناسيا أنه يد الله العادلة على أرضه وبين عباده ، المشكلة كبيرة والحمل أكثر ثقلا ولا يصلح لحلها نداء من رئيس الجمهورية ( من لا يستطيع .. فليرحل) لأنك سيدي الرئيس من المؤكد سيحاسبك الله يوما أنك لم تضرب بيد من حديد على كل من لا يستطيع أن يصلح من نفسه ولم تحاسب الفاسد والمتخاذل وتأمر به أن يرحل لأنه لا يعمل في بلدك الخاص أو مصنعك فتترفق به وتصبر عليه ولكنه مؤتمن على مصالح الناس وأنت مؤتمن ومحاسب على الناس .



