الإثنين 08 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : د. شوكت المصري

هل تتابع مثلي –أحيانًا-برامج اكتشاف المواهب العربية مثل (The Voice) و(Arab Idol) و(Arabs got Talent) وغيرها؟! إنها بالفعل برامج ناجحة تجذب عدداً كبيراً من المشاهدين، ويتابع فيديوهاتها الملايين أسبوعياً على الإنترنت، تماماً مثلما يتابعون "التسريبات" الموهوبة أو (الموهومة) التي تطالعنا بها قنوات الإخوان بين الفينة والأخرى، مزامنةً تلكَ البرامجَ ومحاولةً جذب جمهور المتعطشين للأسرار الدفينة والفضائح، أولئك الذين تجذبهم العناوين الخادعة من عينة: "شاهد بالفيديو أول ظهور ليأجوج ومأجوج بسلسلة جبال في الصين"، و"شاهد ماذا فعل الجمهور بريهام سعيد قبل الحذف"، و"استمع صوتًا وصورةً لمرتضى منصور منافسًا السبكي في فعلته الشهيرة ببرنامج تامر أمين".

إن هذه البرامج التي تقدّم لنا مواهب متعددة كاشفةً الستار عن وجود الآلاف منها بيننا، مُهمَلينَ في الزحام والغوغائية والجري وراء لقمة الخبز، تكشف لنا في الوقت ذاته فشلاً ذريعًا في سياسات وزارتي الثقافة والإعلام المتعاقبة اللتين أهملتا دورهما الرئيسي في اكتشاف المواهب والمبدعين وتعهدهم بالرعاية والتوجيه والتسويق، ولو كلّف أحدٌ منا نفسَهُ مشقّة الدخول إلى أي قصر ثقافة من المئات التي تتوزع بطول الجمهورية وعرضها، لاستمع بأذنيه وشاهد بعينيه المئات من المبدعين في "الفِرَق القومية للموسيقى العربية" و"الفرق القومية للمسرح" و"الفرق القومية للفنون الشعبية" والتي لا يكاد قصر ثقافةٍ واحد يخلو منها ومن عروضها المتميزة التي تمتد طوال العام، ويبذل فيها المبدعون قصارى جهدهم دون أن تلتفت إليهم "كاميرا" واحدة، ودون أن يسمع بهم مهتم، حتى ممن تلاصق بيوتهم مباني قصور الثقافة والمسارح القومية الكبرى !!

لقد كنت ذات يوم عازفًا للعود بالفرقة القومية للموسيقى العربية بقصر ثقافة المنوفية، وكنت أشهد يومياً مبدعين بالمئات وأصوات ومواهب لا تجد اهتماماً، اللهم إلا مكافأة لا تتجاوز الـ (45 جنيه) عقبَ المسابقات المركزية، فيضطر أصحابها للعمل في قاعات الأفراح والنوادي ليكسبوا قوت يومهم، بينما تجني أصوات مخنوقة مُعتلة الآلاف بل والملايين؛ لأن مُنتجًا ذكيًا استطاع ترويج سلعةٍ بائرة ووضعها بطريقةٍ عصرية في مرمى الجماهير، فأصبحت هذه الأصوات مسموعةً وأضحى أصحابها نجومًا في بضعة أشهر على أقصى تقدير. ولعل بروز اسم فنانة الأوبرا الأولى "مروة ناجي" لهوَ أكبر دليل على فشَل أكبر مؤسسة فنية في الوطن العربي كله وهي "دار الأوبرا المصرية" في الإدارة والتقديم والترويج لفنانيها، بينما نجح برنامج تنتجه قناة فضائية في الوصول بمروة ناجي إلى كل بيت، لا لشيء سوى لأن وزارة الثقافة لم تتجاوز مرحلة مؤسسها الحديث "د. ثروت عكاشة" ولم تفكر قياداتها في تطوير المنظومة التي كانت صالحةً للستينيات وهمومها الشعبوية والإرشادية القومية، وأضحت الآن منظومة بالية ومهترئة لا تليق مطلقاً بالألفية الجديدة بأي شكلٍ من الأشكال.

جمعني لقاء بالمستشار "عدلي حسين" الذي كان محافظ المنوفية عام 1997 حينما كنت عضواً بمجلس اتحاد طلاب الجامعة، وطالبته حينها بأن يرفع لمجلس الوزراء مقترحاً بفتح باب "الدراسة الخاصة بمصروفات" داخل الجامعات الحكومية، قبل أن تستشري الجامعات الخاصة في مصر، وتستحوذ على الكوادر المتميزة وتجني الأرباح الطائلة، وكانت الجامعات الخاصة آنذاك لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، أخبرني بعدها بأسابيع برفض المقترح وأن التعليم وفقاً لسياسات الدولة ومكتسبات ثورة يوليو لابد وأن يظل مجانياً. ومضى زمنٌ ليس باليسير لتفطن الدولة إلى ضرورة فتح تعليم موازي ومفتوح بالجامعات، ولكن بعد ماذا، بعد خراب مالطة للأسف !!

هل زرتم ذات مساء أرض الأوبرا المصرية بالزمالك أو أحد المسارح القومية ؟ هل رأيتم مرةً أقراصاً ممغنطة تباع في مداخل هذه المسارح أو على هامش المؤتمرات أو حتى في الأكشاك عند بائعي الجرائد، حاملةً تسجيلات لحفلات الموسيقى العربية أو تراث المسرح المصري الزاخر بالروائع أو أفلاماً مصرية لمبدعين شباب حصدوا جوائز متعددة في مهرجانات سينمائية دولية وعربية ومصرية؟ هل تعلمون أن قسم "الرسوم المتحركة" بمعهد السينما يُبدع طلابه سنوياً ما لا يقل عن عشرة أفلام كرتون بشخصيات جديدة يصنعها طلابٌ متميزون، وهو نفس عدد الأفلام تقريبًا التي يبدعها طلاب قسم الإخراج والتصوير والسيناريو، والتي يكون مصيرها التلف والنسيان، تماماً مثلما هو مصير عروض المعهد العالي للفنون المسرحية التي لا يشاهدها أكثر من لجان التحكيم وأهالي وأصدقاء الطلاب ؟!

ليس غريبا إذا أن تجد الملايين مهتمين بالطفلة "ياسمينا" التي أبهرت الجماهير في " Arabs got Talent " أو بالمطرب الواعد "محمد رشاد" الذي أشجانا وأبهجنا في "Arab Idol" أو حتى بـ "محمد شاهين" نجم ستار أكاديمي القادم من قرية "طهواي" الواقعة في أدغال مركز أشمون بالمنوفية، لكن الغريب أن تجد وزارة الثقافة المصرية لا تزال تقف عاجزةً عن تطوير آلياتها ومنظومتها وإستراتيجيتها لتتحول من فكرة "القطاعات الخِدَمية" إلى "القِطاعات المُنتِجَة"، لا لشيء سوى لأن المقترحات التي تتبناها الوزارة يضعها شباب ثورة 1919.

بينما تجد الرئيس عبد الفتاح السيسي يلتقي بالمثقفين والمبدعين دونما رؤية واضحة لطبيعة وطريقة وغاية اللقاء، بل ودون أن يكلف مكتبُه ومستشاروه أنفسَهُم عناء البحث عن صوت من خارج الصندوق الاعتيادي، مثل "د.زين الدين عبد الهادي" العالم والمثقف الكبير الذي يمتلك خطة تطوير وإستراتيجية للوزارة تستطيع رفع عبء دعم الثقافة عن كاهل الموازنة العامة للدولة، بل وتستطيع أن تدرّ على خزانة الدولة المصرية عشرات المليارات في سنوات قلائل، هذه الإستراتيجية التي أعلنها في أكثر من محفل ومقال ولقاء تليفزيوني واختار لها شعاراً هو "الثقافة ركيزة أساسية في الدخل القومي المصري".

 

ملحوظة أخيرة: كان من الممكن أن يقطع ضغط زر (×) (كما في برامج المواهب) الطريق على تسريبات قنوات الإخوان المزعومة وأصواتهم الزاعقة قبل أن تجد رواجاً وانتشاراً في الشارع المصري، لو خرج علينا المسئولون سريعاً ليفصحوا عن حقيقتها ويدحضوا كذبها أو يعترفوا بصحتها ويحاسبوا المتورطين فيها، لكن التباطؤ أو التواطؤ دائمًا ما يُسفِران عن كوارث دامية .. أرجو ألا ينسى المسئولون أن الثورة لما تزل بعد مستمرة، وعليهم أن يتعلموا مما حدث لسابقيهم وألا يقعوا في أخطاء سلفهم (نظام محمد مرسي مبارك) .. وقديما علّمنا مولانا "نجيب محفوظ" أن "آفةُ حارتنا النسيان".

تم نسخ الرابط