الإثنين 08 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : د. شوكت المصري

هل تذكرون فيلمَ "الناظر صلاح الدين" للراحلِ المبدعِ "علاء ولي الدين"؟! ذلك الفيلمُ الذي غيَّرَتْ الرقابةُ اسمَهُ ليُصبحَ "الناظر" فقط، اعتقادًا منها أن الاسمَ يُلْقي بالسخريةِ والتهكمِ على فيلم "الناصر صلاح الدين" ليوسف شاهين، وبالتالي يتعرض لشخصية "صلاح الدين الأيوبي" القائد الكردي المُسلِم الذي دحر الصليبيين وحرر بيت المقدس في المعركة الشهيرة "حطّين" يوم السبت 25 ربيع الثاني 583 هـ الموافق 4 يوليو 1187 م.

 

لكن فيلمَ "الناظر" الذي ألَّفَهُ "أحمد عبد الله" وأخرجه المبدع "شريف عرفة" لم يقصد القائمون عليه نهائياً تلك الأوهام التي دارت في عقول أعضاء الرقابة على المصنفات الفنّية، وإنما قصَدَ طاقَمُهُ إلى إثارةِ قضيةِ أو إشكاليةِ التعليمِ في مطلعِ الألفية الميلادية الثالثة، والذي لم تتغير فلسفته وآلياته منذ الخمسينيات تقريبا وحتى وقت إنتاج الفيلم عام 2000، أي لمدةٍ تزيدُ على نصفِ قرنٍ من الزمان، هي بلا شك كفيلةٌ بتغيير أخلاقِ الطلاب ومداركهم وقدراتهم الاستيعابية، تماماً كما تغيرتْ مجتمعاتُنا العربيةُ والعالمُ أجمع عقبَ ثورة المعلوماتية والاتصالات والتكنولوجيا التي غيرت وجه الكرة الأرضية كلها في سنوات قلائل.

 

"كل طالب هـ يذاكر ويدخل المسابقة هياخد جايزة.. جوايز كتير: موتسيكلات واسكوتر وعَجَل وأجهزة كومبيوتر وترابيزات بيلياردو وبينج ووجبة ببلاش من كانتين المدرسة اللي ما حدش عاوز يقرّب له".. بهذه الكلمات فاجأ الناظر "صلاح الدين عاشور" طلابَ مدرستِهِ الذين لم تكن لديهم رغبةٌ في التعليم، بعد أن تفتّقت الفكرةُ في ذهنِهِ وهو يشاهد إعلانات التليفزيون التي تروّج لمنتجاتها (التي ليست في أهمية ولا قيمة التعليم مطلقاً) عبرَ الجوائز والمكافآت المجانية التي تنتظر المستهلك (وبالمناسبة هي ليست مجانية نهائياً). لكن الناظر "صلاح الدين" أدرَكَ نفسيةَ التلاميذ وتطوّر العصر ومتطلبات المرحلة؛ فقرر أن يستخدم أدوات معاصرة تجذب طلاب مدرستِهِ للعلم والمعرفة وتدفعهم للتفوق، فنجحَ في تحقيق هدفه ونجحوا به ومعه بأفكارٍ غير نمطية ولا تقليدية.

ويبدو أن هذه الفكرة الجديدة من نوعها ألهمَت أحدَ المبدعين المصريين الذين يعملون في مجال الاستثمار الثقافي والمعلوماتي، فقرر تبنيها في رفع ثقافة مستخدمي الإنترنت وهم بالملايين، وتعريفهم بتراث مصر الثقافي والسياسي والفني والرياضي الزاخر. فأثناء تصفحي لحائط المنشورات العامة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" شدّ انتباهي رابطٌ دعائي لموقع (بتّانة "هويتي مصرية") الثقافي، وحينما فتحت الرابط وجدته موقعاً ثقافيا يطرحُ على القارئ/ المستخدم أسئلةً تخص تاريخنا المصري المعاصر في القرن العشرين، أسئلةٌ عن مجالات الإبداع والمعرفة والثقافة كافة، وكلما أجاب مستخدم الموقع سؤالاً حصل على رصيدٍ من النقاط يمكنه استبدالها مباشرةً بكتب لكبار المبدعين المصريين والعرب، تصلُ هذه الكتب إلى المستخدِم الرابح حتى باب منزله بالبريد دونما أية مصروفات أو رسوم.

 

تعجبتُ في البداية من عناوين الكتب التي يهديها الموقع لقرائه نظير إجاباتهم ورصيد نقاطهم، روايات لإبراهيم عبد المجيد وأصلان وعبد الرحمن منيف ونجيب محفوظ ويحيى حقي، ودواوين وأعمال كاملة لكبار الشعراء العرب عفيفي مطر ودرويش وأمل دنقل وغيرهم، بل ومصنفات تراثية كبرى من أجزاء كلسان العرب والشعر والشعراء وكتب الجاحظ وغيرها من كتب التراث القيِّمَة. تساءلتُ عن صاحب هذا الموقع وهذه الفكرة لأفاجأ أنه صديقي الدكتور عاطف عبيد أستاذ المكتبات وعلم المعلومات وكاتب القصة القصيرة المعروف. راسلتُهُ لأحظى بمقابلته حيث إن بيننا من الأصدقاء المشتركين عدداً أُجِلُّهُ وأحترمه، وقد كان لقاءً سعدت به وعرفتُ فيه عن الموقعِ والفكرةِ الكثيرَ والكثير.

كان سؤالي الأول للدكتور عاطف "ماذا تعني (بـَـتّـانـَـةْ) ولماذا؟! أجابني أن بتّانة هي آلةٌ زراعية يستخدمها الفلاحون لإعادة تخطيط الأرض بخطوط عريضة (بُتـُونْ) بعد حرثها استعدادًا للمحصول الجديد، وأنه اختار هذا الاسم لفكرته التي راودتهُ منذ أن تخصص في مجال الإنترنت والمعلومات؛ ليؤكدَ على الهَويّةِ المصرية المهددةِ بالضياع في زمنٍ العولمة المتوحّشة، وأنه يستهدفُ من مشروعه المجاني تماماً تقديمَ خدمةٍ ثقافية للقراء وفقَ آليات جديدة تناسب الألفية الثالثة التي نعاني فيها عربياً نظرةً قاصرةً للثقافة باعتبارها سلعة خاسرة لا يمكن الاشتغال بها أو ترويجها دون دعم مؤسسي واضح تتكبد فيه الحكومات العربية مبالغ طائلة حتى تصل بالكتاب إلى قارئه، رغم أن هناك أكثر من طريقة لأداء هذه المهمة وتحقيق ربحية هامشية تضمن الاستمرارية، خلافاً للربح الأكبر المُتَمَثِّل في رفع الوعي والثقافة وتنمية حب القراءة عند مستخدمي الشبكة العنكبوتية خصوصاً الشباب منهم.

 

لم أتخلص من هواجسي تجاه هذا النقاء الخالص، فسألت مؤسسَ موقع "بتّانة" عن ضمانة الاستمرار والربح الهامشي؛ فابتَسَمَ شارحاً لي أنه يتعاقد مع شركات راعية لتوصيل الجوائز من الكتب إلى الرابحين ومستخدمي الموقع، بحيث يتضمن الطَرْد المُغلِّف للكتب دعايةً للشركات الراعية ومنها شركات اتصالات شهيرة في مصر، كما أنه يحصل على الكتب بأسعار الجملة وبتخفيض من مختلف دور النشر المؤمنة بالمشروع وأهميته، هذا بخلاف النُسخ المهداة التي حصلَ عليها من أصدقائه المبدعين الذين آمنوا بالفكرة وتبرعوا لإنجاحها، ومنهم الكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد الذي تبرع بنسخ عديدة من رواياته الجديدة للموقع وكذلك الروائي الرائع وحيد الطويلة الذي أهدى الموقع بخلاف نُسخ رواياته كتباً من مكتبته، وكذلك فعل القاص الكبير الأستاذ سعيد الكفراوي والروائي د. زين عبد الهادي، والمبدع الشاب "حمور زيادة" الذي أهدى "بتّانة" بتوقيعه عشرينَ نسخة من روايته "شوق الدرويش" التي فازت بجائزة نجيب محفوظ التي تمنحها الجامعة الأمريكية 2014، والروائية وكاتبة القصة "نرمين يسر" التي أهدت الموقع بتوقيعها نسخاً من روايتها "الروح الثامنة" التي رشّحتها الدار المصرية اللبنانية مؤخّرا لجائزة "كتارا" 2015.

 

  إننا نحتاج بالفعل إلى أفكار جديدة تليق بالثقافة المصرية وتاريخها في مستقبلٍ مشتبك تحاول فيه ثقافات وحضارات أخرى طمس هويتنا وخصوصيتنا، كما نحتاج إلى أفكار واستراتيجيات جديدة في التعليم والاقتصاد والصحة والرياضة والتنمية أيضاً، ولن يتأتى ذلك ونحن لا نستعين بعقول شابّة تفكّر خارج الصناديق التقليدية وأحلام طموحَة لا تعرف المستحيل ووطنيةٍ خالصة تستهدف وجه الله والوطن والثورة والتغيير، التغيير الذي يعني الأفضل، والأفضل فقط، لأن مصر تستحق ذلك.. وإلا فإننا لا نستحقها ولا نليق بالانتساب إليها ونتسمى بـ"المصريين".

 

تم نسخ الرابط