بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
حارت نفسي كثيرا وأنا أراجع أدلة المتأسلمين في استباحة دماء من يخالفهم من المسلمين وغير المسلمين وللأسف الشديد وجدتهم على حق في كل ما يدعونه لو كانوا صادقين فيما تنتويه نفوسهم العامرة بالجهل والتجهيل ، فالله لا يحاسب ابن آدم على جهله وغباءه ولكن يحاسبه على قدر فهمه وإخلاص نواياه ، وساقني ما نحن فيه لأتذكر أننا عبر قرون طويلة مضت ونحن ندعو الله أن ينصر الإسلام ويعز المسلمين ولكن المسلمين من سيء لأسوأ رغم أننا أصبحنا نقرأ القرآن وبعضنا يصلي ويقيم الشعائر أفضل مئات المرات حتى من صحابة رسول الله ، وهو ما قاله رسول الله لأصحابه ( تحقرون صلاتكم لصلاتهم ... وصومكم لصومهم .. ) فلابد وأننا حدنا تماما عن مفاهيم دين الله حتى خرجنا عن تحقيق كوننا مسلمين كما أرادنا ربنا وزورنا مفاهيم ديننا الرئيسية رغم أننا لدينا الكتاب السماوي الوحيد الذي لم تحرف حروفه ولا كلماته ، وتلك هي الحقيقة المؤلمة أننا زورنا تفاسير آياته وفهمها وادعينا على الله ما لم يأمر به ولعل على رأس هذه التفاسير التي خلفت لنا كوارث في عالمنا هو تفسير الآية الملقبة بآية السيف .
والغريب أنني وجدت آية السيف هذه وتفسيراتها التي تدرس في أزهرنا الشريف أحد أهم أركان وأدلة العداء النفسي للبشرية في نفوس من استباحوا دماء كل من يخالفهم الرأي أو الدين والملة ، وبغض النظر أن بعضهم ربما لا يعرف في الدين أكثر من بضع آيات وأحاديث بعينها تلقاها ولم يعرف غيرها وجاهلا بكل أصول الفقه والعلم الشرعي حتى ولو كان من خريجي الأزهر وتلك قضية أخرى كبيرة بعد أن أصبح الغالبية من خريجي الأزهر قد دخلوه إنقاذا لمستقبلهم من الضياع وضمانا للوظيفة والمال ويحصلون على الشهادات بالنجاح في امتحانات عقيمة تعتمد على الحفظ دون فهم أو وعي أو تدبر وبالتالي فلابد أن يقعوا في شراك تفاسير مثل تفسير آية السيف .
آية السيف هي الآية الخامسة من سورة التوبة ويقول فيها رب العزة (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ( ، ويصر عباقرة الإفتاء المنتمين لتيارات التشدد والإسلام السياسي على الالتزام بأقوال بعض المفسرين ، والتي تقول بأن هذه الآية قد نسخت عدد (114) مائة وأربعة عشرة آية تدعو وتحض وتأمر بالدعوة لدين الله باللين والحكمة والموعظة الحسنة والبر والإقساط ومسالمة غير المسلم ، بل توجب هذه الآية على المسلم قتالهم وقتلهم إن لم يستجيبوا للإسلام وأفضل المفسرين ذكاء يقول بل على المسلم أن يسالمهم حتى يمتلك القوة لقتالهم وبعضهم جعل أمر القتال لولي الأمر وأجاز الخروج على ولي الأمر إن لم يقاتلهم والغريب أن من قال بهذا كثيرون ويعتبرون من أعلام التفسير ويؤخذ عنهم ويعتبرهم الغالبية هم العلماء الثقاة ويطلقون عليهم جمهور العلماء ومعظم مرجعياتهم لابن عباس وبالتالي لا يجوز لأحد مخالفتهم أو انتقادهم وإلا يعتبر فاسقا أو زنديقا وخارجا من الملة ويجب تعذيره وعقابه إن لم يرتدع ويرجع عن قوله .
ويجمع هؤلاء المفسرين بأن آية السيف هذه قد نسخت أي ألغت حكم عدد (114) آية تأمر وتدل على سماحة الإسلام ورحمته بالعالمين وعلى رأس هؤلاء هو الحافظ بن كثير (جزء4 الصفحة 122) والعوفي والحافظ الكلبي صاحب تفسير التسهيل لعلوم التنزيل والحسين بن فضل وابن عطية (جزء3 الصفحة 221 ) والقرطبي في الجامع لأحكام القران (8/20) والطبري (جزء14 الصفحة 41 ) والضحاك بن مزاحم ، وابن الجوزي في نواسخ القرآن (جزء1 الصفحة 173 من أخر سطرين) ، الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرآن (جزء2 الصفحة 40) ، ثم يصر هبة الله بن سلامة بن نصر المقري في كتابه الناسخ المنسوخ (جزء1 الصفحة98 من سطر 1( أن آية السيف قد نسخت (124) آية وليس (114) فقط .
فإذا كان ذلك كذلك .. وجمهور العلماء المنزهين والثقاة ومن لا يجوز مخالفتهم قد أفتوا بوجوب قتال وقتل من يخالفنا الرأي أو الملة والدين ، فلماذا لا نطيع ونعلن الجهاد على كل أهل الأرض لقتالهم أو على أفضل تقدير نمكر بهم حتى نمتلك القوة لقتلهم فهم من أمرنا الله بقتالهم صراحة كما أفتى علماؤنا الكبار ، أم آن لنا أن نتوقف ونمعن الفكر والتدبر ويراجع الأزهر مناهجه وما يدرسه لأبنائه فيحملوه فكرا إرهابيا متطرفا جهولا ليفرضوه على المسلمين في الدنيا كلها ثم نجد من يدافع عن هذه الهراءات والتخريفات المدسوسة على دين الله بأن الأزهر يدرس كل الآراء كفكر وعلم لا حجر عليه وللدارس أن يختار ما يشاء ، ولماذا هناك من يصر أنه لا عيب ولا عوار فيما يدرس لو كان هذا يخالف سماحة الإسلام التي يتشدقون بها ويخالف كل ما يدعونه أن إسلامهم هذا جاء رحمة للعالمين ، فأي رحمة في قتل من يخالف في الرأي والاعتقاد أو الدين والملة ،
هل يعلمون أن هذه الكتب بتفاسيرها (المحرضة على القتل والفتك بغيرهم) هناك من يدرسها ويراجعها في الغرب والشرق من غير المسلمين وأنهم هؤلاء قد أصبحوا مقتنعين بل وموقنين أن المسلمين ومن واقع كتبهم ما هم إلا برابرة وإرهابيين أوهم في أفضل الأحوال متآمرون ومخادعون ولا يجوز منحهم الأمان ولا مهادنتهم بل يجب القضاء عليهم والسيطرة عليهم حتى لا يتفشى القتل والمذابح في العالم بسبب قناعاتهم المبنية على تفاسيرهم .
فهل بعد هذا يصر البعض أن الحمق في التفسير والغباء في تدريس هذا وهو ما يتيح الأخذ بهذه الآراء دون تدبر يعتبر علما وفكرا منفتحا يجوز تدريسه ويعتد به ، وهل ما زلنا مصرين على استمرار تدريس هذا الهراء والحمق على أنه علم بعد تفشي هذا الفكر وما نراه من جماعات وفرق تنشر القتل والمذابح في الدنيا وما تشتعل به بلاد المسلمين ، ولماذا إذا تعتبرون التلمود وبروتوكولات حكماء صهيون التي تدعو لقتلكم وقتالكم وتدمير مجتمعاتكم من داخلها كتبا غير إنسانية وعدائية وتصرخون منها وتهاجمونها {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }البقرة44 ،
هل كان لابد لرئيس الدولة أن يوجه علماء الأزهر بهذه الكيفية وبهذه الحروف الواضحة والقاسية والمقرعة لهم ولماذا وقف الأزهر مكتوفا طوال هذه السنوات الطويلة عبر قرون من الزمان وسمح علماؤه عبر تاريخه بتسرب هذا الفكر واستمراره حتى اليوم ، والأخطر ماذا تفعل هيئة كبار العلماء إن لم تكن تناقش ما يدرس وتتابع نتاجه الفكري على خريجي الأزهر وهناك من وصل منهم لمراتب عالية في المناصب الدينية ومواقع المسئولية ، وهل لا يوجد تضليل وتزوير وبهتان في مفاهيم أخرى غير هذا أم أننا اعتدنا أن لا نهتم بموضوع إلا بعد وقوع المحظور ، وهل هناك من لا يزال مصرا على أن تأخذه العزة بالإثم فينصب نفسه حاميا لخرافات المفسرين وما هو ربما مدسوس عليهم أو مخدوعين به أو ما قصرت عقولهم وهم بشر عن إدراك تبعات ما قالوا وأفتوا به من تدمير وإفساد لمفاهيم دين الله ، ثم هل من الممكن أن نأتمن من درسوا هذه المفاهيم عبر عقود طويلة ولم يستشعروا فيها عيبا أن يغيروها وهم على قناعة بفسادها أم يحتاجون من يشترك معهم لضمان الحيدة ونجاح التنقيح للمناهج .
ربما يكون البعض قاسيا وهو يوجه لومه لعلماء الأزهر والقائمين عليه فالأمور لا تحتمل المهادنة ولا المجاملة ولا مراعاة الخواطر لأن الثمن البديل هو دماء البشر وعلى رأسها دماء أبناءنا في شوارعنا وبلادنا في كل يوم وفي كل ساعة بأيدي من هم مخلصون لهذه الفتاوى ومؤمنون وموقنون بصحتها ، ولا يكفي أن ندين ونستنكر ونشجب وننكر ونعلن الرفض ونحن ما زلنا نلقنه علما موثوقا لأجيال قادمة سوف تصبح مثل المعاصرين من الإرهابيين حاليا مقتنعين وموقنين أن الأزهر وعلماؤه ما هم إلا منافقين للحاكم وخاضعين لسياسة الدولة وربما عملاء للصهيونية والماسونية وغيرها من الاتهامات الكثيرة بمخالفتهم في آرائهم المعلنة للعلم الذي يدرسونه للأجيال وللدنيا كلها .
سادتي علماء الأزهر .. الأمر بسيط ولا يحتاج إلا لمراجعة أمينة مخلصة تتم على مراحل متعددة أولها رفع هذه المناهج تماما وحظر تدريسها لفترة محددة (خمس سنوات) قبل وضع تفاسير تتوافق وتتطابق مع عموم مفاهيم دين الله في كتابه العزيز دون اعتبار لأي من التفاسير التي تخالف آيات الله ومنهاجه السمح الرحيم ، ثم لابد من مشاركة علماء اللغة والفكر والعلوم المختلفة لوضع منهاج تفسير إسلامي قوي على أسس علمية سليمة تخلو من تفاسير لخلق الكون وما فيه من مخلوقات وظواهر علمية مقيدة بعلوم وفهم من كتبوها منذ ألف سنة مضت ، وحتى لا نجد فيها مثلا .. أن الأرض مسطحة ومربعة ولها أربعة أركان ، ولا أن الروح هي النفس أو بعضا منها كما يقول البعض ، ولا أهل الكتاب في كل الآيات هم اليهود والنصارى فقط ، ولنكن واضحين وأمناء مع أنفسنا أمام الله مراقبين لله فيما نفعل فقد فرطنا كثيرا ولا محل اليوم لتفريط أو تجاهل .



