الإثنين 08 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : د. شوكت المصري

لا أدري كيف تعاملت وزارة الداخلية ورئاسة الحكومة بجلالة قدرها مع واقعة الاغتصاب التي تورط فيها اثنين من أمناء الشرطة منذ أسبوعين، والتي مرّت وستمر كأنما هي مجرد جريمةٍ عابرة، تهتم بها الصحف والمواقع الإخبارية وأحيانا الرأي العام لبرهة، ثم يطويها النسيان كغيرها من الكوارث، التي باتت تهدد مجتمعنا كقنبلة أشد فتكًا وتدميرًا من تلك التي راح ضحيتها (بحي الطالبية) خبير المفرقعات الضابط الشهيد "ضياء فتّوح"، والذي تشير أصابع الاتهام (بعيداً عن العملية الإرهابية الملعونة) إلى وقوعه ضحية شُبهات فساد داخل أروقة الوزارة؛ حيث تمزق جسده أشلاء بفعل صفقة ملابس واقية غير مطابقة للمواصفات الفنية، لا ندري من المتورط الفاسد الذي جلبها للوزارة، معرضاً حياة رجالها المعدودين على الأصابع للخطر والهلاك، لنكابد جميعا بالإضافة للإرهاب الأسود خيانةً أشد سواداً وأحلك ليلاً، في مرحلةٍ نتمنى فيها ثغرةً ولو ضيقة تمر منها الشمس مضيئةً لنا طريق المستقبل.

لقد صدر صبيحة أمس الأحد تقرير مصلحة الطب الشرعي في قضية فتاة الساحل التي اتهمت أمينَي شرطة بالتعدي عليها جنسياً بمنطقة الترعة البولاقية، لتؤكد المصلحة أن عينات تحليل الـ "DNA" الخاصة بالأمناء والفتاة أثبتت وجود "سوائل منوية" للأمناء المتهمين على ملابس الفتاة!! حيث أوضح المتحدث الرسمي باسم المصلحة في تصريحات رسمية أن الفتاة بالفعل تعرضت لمحاولة اغتصاب (غير كاملة)؛ فالفتاة لما تزل بعد بكرًا، وقد أنقذها القدر (على حد تعبيره) من كارثةٍ محققة بكل المقاييس.

واقعةٌ كهذه لا أظنها تمر في أية دولةٍ من دول العالم المتخلف، ناهيك عن الدول المحترمة، دون وقفةٍ حاسمة مع وزارة الداخلية وسياساتها وقياداتها وأفرادها وهيكلها، تلك الوزارة التي يُجمِع الجميع على كونها العامل الرئيسي والأول في سقوط دولة مبارك بل ومرسي أيضاً. فبدايةً من وقائع التعذيب في المعتقلات وأقسام الشرطة منذ تهمة معاداة ثورة يوليو وحتى محاولة قلب نظام حكم مبارك وحرق مقرات الإخوان، ومروراً بخالد سعيد وسيد بلال (نموذجاً) وطرق التحقيق الخالية من أية تطورٍ في الآليات أو التقنيات، ووصولاً إلى طريقة التعامل الغاشمة مع المتظاهرين واستفزازهم في كل حشد وتظاهرة دونما رؤية متطورة أو إستراتيجية جديدة، تليق بالحالة العامة التي يعيشها الشارع وتفرضها مقتضيات المرحلة الثورية؛ تظل سياسيات وزارة الداخلية المصرية (محلك سر) بل إنها تتراجع يوماً عن يوم وتعود إلى ما قبل التاريخ، ليس فقط خافضةً وإنما هادمةً سقف الحرية على رأس الأحرار، وكأن ثورةً لم تقم وكأن نظاماً لم يسقط!!

هكذا تأتي واقعة الساحل الفاضحة لتنكأ الجرح النازف الذي لا سبيل له سوى البتر دون هوادة، فكيف بمن يفترض بهم أن يحموا أمن المواطن ويتصدوا للتحرش والمضايقات أن يتورطوا في واقعة اغتصاب طالبة.. وأين؟! داخل سيارة النجدة!!! إنها مهزلة وكارثة يجب الوقوف أمامها طويلاً دون تهاون أو تواطؤ، ليس بمحاسبة الجناة فحسب، فهذا أمرٌ منَ المُسلَّمات (على حد ظني)، وإنما بإعادة هيكلة وزارة الداخلية وتغيير إستراتيجيتها وسياساتها وقوانينها فوراً، بدءاً من النظر في قواعد قبول الأفراد والمعاونين والضباط، ومروراً بالمناهج والبرامج التدريبية والنفسية التي يدرسونها ويخضعون لها، ووصولاً إلى الفلسفة الأمنية التي ترتكز عليها الوزارة في تعاملها مع المواطنين باعتبارهم (شرفاء أولا لا متهمين حتى تثبت براءتهم)، وليس انتهاءً بمخصصات الوزارة المالية التي تضاعفت بحجة محاربة الإرهاب وإعادة الثقة؛ فلم تثمر إلا استعلاء مرتدي الملابس الرسمية الشُرَطية، وعودة ألقابهم التي لم يفلح دستورَين وثورتين في زحزحتها أو المساس بها؛ فهذا (فلان بيه) وذاك (فلان باشا)، وليذهب الدستور والقانون والثورة إلى الدرك الأسفل من أقاصي الجحيم.

كنت وما زلت موقناً أن أبسط وأول درجات احترام الدولة وهيبتها تتبدى في التزام فرد أمنها بالقانون قبل مطالبة مواطنيها بتطبيق هذا القانون والالتزام به واحترامه، ومادامت ذمة عسكري المرور تترنح أمام ورقة من فئة العشرين جنيه، فلا يمكننا الحديث عن دولة القانون والعدل. وكم جف حلقي وما أزال مطالباً بتخفيض رسوم المخالفات المرورية لتصبح ملائمةً للدخول المتدنّية للمصريين، بدلا من أن يُستعاض عنها بإتاوات (من تحت الطاولة) لا تدخل خزينة الدولة، وتُسهِم في إفساد ذمة فرد الشرطة، وبالتالي إهدار هيبة الدولة والقانون في عين المُخالِف المُخطئ.

إن واقعة اغتصاب طالبة من قِبَل حُماتِها (المُفتَرَضِين) لا يمكن أن تهون لدرجة اعتبارها حادثةً فردية عابرة في أعين (المطبلاتية)، لأن سواها من التجاوزات ليس بالهين، كما لا يمكن التهويل منها لصب اللعنات على الجهاز كله، وبه شرفاء يدفعون حياتهم ثمناً لأمننا والحفاظ على حياتنا، لكن الحسنة في جهازٍ كهذا لابد وأن تكون واجباً ووظيفة بل وعقيدة، بينما السيئة فلا يمكن لها إلا أن تكون خطيئةً ووصمة عار تحتاجُ إلى سنوات وسنوات من أجل محوها ونسيانها. وأخيرا دون إفراطٍ ولا تفريط كونوا على قَدْرِ مصر، على قدر مصر الثورة.. وإنا لـمُنْتَظِرون. 

تم نسخ الرابط