الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

لا شك أن القائمين على حكم مصر الآن لديهم استراتيجية واضحة وهي أن تصبح مصر دولة عظمى في أقل من عشر سنوات مقسمة لمراحل ، أولها النهوض من الأزمات المتعددة بالتوازي مع وضع وتقويم الأسس الفكرية (الدينية + الثقافية) والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تضمن استمرار التقدم والتطور وتحافظ على ثبات واستقرار المكاسب المحققة ، وهو ما قد تعرقله عقبات رئيسية كبرى تعوق خطوات التنفيذ ، أولها اللوبي الصهيوني المتمثل في إسرائيل وأمريكا والدول الغربية المتحالفة صهيونيا برغم اختلاف المعلن عن النوايا والتآمر الذي لا يتوقف خطواته ليلا أو نهارا ، إضافة إلى لوبي الفساد والإفساد من الفلول والعملاء والخونة في الداخل وهؤلاء لن يستسلموا بسهولة لواقع يخالف ما يحلمون به من العيش على حساب الشعب أو حتى جثثه ، ولكن أخطر من كل هؤلاء هو سلبيات الفكر الجمعي لهذا الشعب والذي نتج عنه استمراء الغالبية العظمى من هذا الشعب للحياة والاستمتاع والبلطجة المقنعة دون عمل أو رغبة في بذل الجهد ، وهو من أخطر أنواع المساويء الاجتماعية المتفشية بين الناس حتى أصبح الكل رئيسا أو مديرا والكل يفهم في كل شيء والكل لا يخطئ وغيره مجرم ومتهم والنتيجة أنهم جميعا عوامل هدم سلبية تحتاج لمعجزة لتتغير طباعهم وتقوم نفوسهم وليتعلمون كيف ينجحون في العمل كفريق واحد حتى يتحولوا لعوامل بناء إيجابية .

والمواطن دوما يحتاج لدوافع قوية ليتغير ، وبالتالي فهناك الكثير مما يجب تغييره ليشعر المواطن أن عليه هو أن يتغير ، وتلك أحمال ثقال كما قال عبد الناصر يوما (بناء المصانع يسير ولكن بناء الرجال عسير) ، وهذه المسئولية هي أول وأثقل ما يحمله القائمون على حكم مصر الآن ويحاولون جاهدين ولكن بهدوء .. وربما تراخي مصحوب بقناعة دفينة لدى بعض معاونيهم بأنه لا أمل في التغيير وهو ما عهدوه واعتادوا عليه سنوات طويلة ، وربما تجلى هذا في كم الفساد والتخريب للشركات والمؤسسات بقياداتها الحالية التي تربت على يد جهابذة مبارك ونلمسه واضحا أكثر في صعوبات التغيير الوزاري والمحافظين وكم الأسماء التي طرحت أو رفضت رقابيا أو امتنعت عن المشاركة أو مستها أيادي خفية لتستبعدها ، ويبدو أننا على أعتاب تدخل حاسم وقوي ممن يديرون الأمور لوضعها في نصابها قبل أن يفلت الزمام ، خاصة وأنني أدرك أن العجلة لن تعود للخلف مرة أخرى وأن مصر لن تصبح نهبا للفوضى ولا للخونة وأسيادهم في الداخل أو الخارج مهما حدث ومهما تخيل البعض عكس ذلك .

وهنا لابد أن ندرك أن تراكيب بناء الاستراتيجيات للدول والكيانات تبدأ خطوات تحقيقها دوما من النواة وهي المواطن والذي يراهن عليه دوما القائمون على حكم هذا البلد منذ 30 يونيو وحتى اليوم وربما للأبد ، فمنتهى أمال المخطط الاستراتيجي أن تتوافق استراتيجيات المواطن مع استراتيجية بلده المعلنة ، وهو ما يتطلب فهما واعيا لطبيعة هذا المواطن وقناعاته ومميزاته وسلبياته ، وبالتالي امتلاك القدرات على إقناع هذا المواطن بالأفعال قبل الأقوال والشعارات ، فمن لا يستطيع فهم هذا الشعب وإقناعه والمراهنة المحسوبة على وقوفه في صفه قلبا وقالبا فهو دوما في النهاية خاسر لكل شيء ، ودون هذا المواطن فالاستراتيجيات تصبح أحلاما وربما أوهام خيال ولا ترقى مطلقا لمستويات الأمل ثم الخطط ثم الحقيقة على أرض الواقع ، وبالتالي لابد من تغيير وتقويم وتصحيح الخطاب الديني أولا فهو زمام المصريين وميراثهم التاريخي الذي لا يتنازلون عنه مطلقا أيا كانت مللهم ومذاهبهم .

ولا نعني بالخطاب الديني هنا أن ننقح ونقوم التفسيرات والدعوات التي تدعو للعنف والتشدد والإرهاب فقط ، فتلك نتيجة ثانوية لتزوير وضلال المفاهيم الأساسية والتي تعد أخطر وأكثر عمقا في النفوس عبر أجيال وقرون طويلة وأولها قناعة المواطن أن الفروض والمناسك (الصلاة والزكاة الصيام والحج .. وتقديس رجال الدين ) هي العبادات ومن أداها فقد أدى المهمة التي خلقه الله من أجلها وسيدخل الجنة ، وهذا هو قمة الضلال ، لأن الحقيقة التي ذكرها الله في قرآنه وفي كل الكتب السماوية ، أن الله خلقنا من فئة العمار وبالتالي فالمهمة التي خلقنا الله لها هي إعمار الأرض بالعلم والعمل كخليفة لله عليها ، وما فرض الله علينا الفروض والمناسك إلا لنستقيم في آداء مهمة العبودية وهي الإعمار للأرض كخليفة له عليها لعلمه بضعفنا (ولم نجد له عزما) ، ولذلك (من لم تنهاه صلاته فلا صلاة له) ، وثاني الأساسيات المضللة أننا دوما نردد كالببغاوات أننا نسعى على الأرزاق رغم علمنا اليقيني أن الأرزاق مكفولة (ولن تموت نفس حتى تسوتفي رزقها) فالحقيقة أننا خلقنا لإعمار الأرض ومطالبين أن نتنافس على إتقان إعمارها لله تعالى بالعلم والعمل به وتعليمه لغيرنا وهو ما سوف نحاسب عليه ، وبالتالي فلا تنافس على الأرزاق ولا حسد فيها ولا حقد فكل انسان رزقه على قدر ما كتبه الله له ،

ومن تصحيح هذين المفهومين سيكون من السهل إقناع الإنسان بالأهم والأخطر وهو أن إفساد الأرض هو تحدي وعداء لله تعالى وهو حرب على الله ورسوله والمؤمنين ولابد من العقاب العادل ، {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }المائدة33 ، وقتل النفس هدم لبيان الرب وملعون من يفعله وعقابه أشد وأنكي متمثلا في القصاص {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }البقرة179 .

لو أصلحنا هذين المفهومين الأساسيين في نفوس البشر لتغير الحال تماما وأصبح العمل والعلم هو مهمة العبودية لله وهو العبادة التي يجب أن نهتم بها ونرعاها ونحافظ عليها ، ولرأينا من يحافظ على المال العام ويحرص عليه أكثر من بيته ولرأينا تنافسا محموما للعلم والعمل مبنيا على نفوس مقتنعة وموقنة بمفاهيم صحيحة تم تجديدها في نفوسهم ، وهو أمر أعتقد أن لن يأخذ كثيرا من الوقت لو تم التركيز عليه خاصة وأننا نعاصر خلخلة واهتزازا للثقة وسقوط لعروش تجار الدين ، فالمناخ مناسب ومواتي لتصحيح المفاهيم وتقويمها ، وهكذا يجب أن يتم التعامل مع هذا الشعب المتدين بطبعه لأن ميراثه التاريخي مرتبط بوجود أله خالق وقادر وهو يخشاه ويقدسه ويرجوه حتى وهو في قمة عصيانه له ، وتلك ما يجب أن تكون عليه استراتيجية دولة في إعداد شعبها ليكون ركيزة قوية لبناء مستقبل واعد ومضمون .. أو هكذا أعتقد والله أعلى وأعلم .

 

تم نسخ الرابط