بقلم : محمد نوار
في الحياة يوجد الملايين من البشر الذين يؤمنون بالحسد، ويعتبرونه السبب الرئيسي لكل ما يحدث لهم من خسائر ومصائب وأمراض، وأغلب الناس يبررون اعتقادهم في وجود الحسد بأنه مذكور في القرآن، لكن مفهوم الحسد عندنا تم تأسيسه على الخرافات وليس على مفهوم القرآن.
جاء لفظ حسد ومشتقاته 4 مرات في القرآن الكريم، في قوله تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّن أَهلِ الكِتَابِ لَو يَرُدُّونَكُم مِّن بَعدِ إِيمَانِكُم كُفَّاراً حَسَداً مِّن عِندِ أَنفُسِهِم مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا..) البقرة 109، فالآية تتحدث عن رغبة الكثيرين من أهل الكتاب فى رد المسلمين عن دينهم حسداً منهم بسبب علمهم بصدق هذا الدين.
وفي قوله تعالى:) أَم يَحسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضلِهِ..) النساء 54، وتتحدث الآية عن الحقد الذى أصاب الكفار عندما اختار الله تعالى النبي عليه الصلاة والسلام رسولاً، وفي قوله تعالى:) ..فَسَيَقُولُونَ بَل تَحسُدُونَنَا بَل كَانُوا لَا يَفقَهُونَ إِلَّا قَلِيلاً) الفتح 15، فيتهم المتخلفون عن الجهاد المؤمنين بأنهم يحسدونهم حتى لا يأخذ المتخلفون نصيباً مع المؤمنين في المغانم، وفي قوله تعالى: (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) الفلق 5، والحسد أحد الشرور التي يتم الاستعاذة بالله تعالى منها.
ولفظ الحسد فى القرآن الكريم يعني الحقد، ولكن البعض يعتقدون أن أحد الحساد كاد أن يصيب بعينه النبى عليه الصلاة والسلام، والقرآن الكريم ينفى أن يتسلط عليه أي بشر بضرر يمنعه من أداء الرسالة: (..وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ..) المائدة 67، ولم يأتي الأمر بالاستعاذة إلا فيما يتعلق بالشياطين: (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ) المؤمنون 97.
فالقرآن الكريم يتحدث عن الحاسدين ولكن لا يأمر بالاستعاذة منهم ونفهم أن حسدهم يعني الحقد، ولذلك يعقب تعالى على حسد أهل الكتاب للمؤمنين بقوله (..فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا..) البقرة 109، ولو كان حسدهم ضاراً لما جاء التعقيب بالعفو والصفح.
إن فكرة الحسد المنتشرة بين الملايين من المسلمين ليس لها أساس في القرآن الكريم، حيث لا يستطيع أي شخص أن يصيب الآخرين بالمرض والخسارة وهو لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً.
أما قوله تعالى: (وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزلِقُونَكَ بِأَبصَارِهِم..) القلم 51، فقد بلغ حقد الكافرين على النبي عليه الصلاة والسلام درجة أنهم يريدون إسقاطه أرضاً بنظرة حقد، فالمقصود بالحسد هو الحقد الذي يصيب النفوس تجاه إنسان، ويتحول هذا الحقد إلى فعل مؤثر عن طريق شحن الناس ضده ونشر الإشاعات عنه وتشويه سمعته وقتله معنوياً.
فالحسد هو كراهية امتلاك الغير للنعمة، ثم العمل على زوال هذه النعمه عنه، وإذا اكتفى الحاسد بكراهية امتلاك الغير للنعمة وتمني زوالها بينه وبين نفسه فهذا هو الحقد الذي يضر الحاسد فقط، ويتطور هذا الحسد إلى شر عندما يسعى الإنسان الحاسد لتحقيق أمنيته لتصبح واقعاً، وهذا هو الشر الذي نعوذ منه بالله تعالى.



