بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
تعد زيارة بوتين للقاهرة في هذا التوقيت تحديدا أحد العلامات الفارقة في تاريخ السياسة الدولية ، ليس فقط على المستوى الإقليمي ولكنها بالفعل دوليا وعالميا ، أو هكذا تراه دوائر السياسة الدولية المدققة والمتابعة لاتجاهات المتغيرات السياسية في العالم ، وناهينا أن الزيارة تحدث بعد عشرة سنوات انقطاع وفي أعقاب ثورتين متتاليتين في مصر سقطت خلالهما أحلام وأوهام الغرب وأمريكا في قدرتها على فرض السيطرة والهيمنة الكاملة والنهائية على مقدرات مصر على وجه الخصوص والشرق الأوسط بصفة عامة .
ولا نستطيع أن نتغافل عن التقارب على المستوى الشخصي بين بوتين والسيسي ، فبوتين من المعجبين بشخصية السيسي وهو ما بدا واضحا منذ حفاوة الرئيس بوتين خلال الاستقبال التاريخي له وهو وزيرا للدفاع خلال زيارته لروسيا في فبراير 2014م ، كما ترى بعض الدوائر الروسية أن بوتين يرى في السيسي أملا كبيرا في التصدي للغطرسة الأمريكية خاصة بعد مواقفه الجريئة خلال الثورة المصرية الثانية في 30 يونيو ، وهو ما دفع بوتين لتكرار الإعلان عن تأييده المطلق وبلا حدود لمصر في ذلك التوقيت وحتى اليوم ولذلك يتوقع المقربون للرئيسين أن الزيارة سوف تتم في إطار من الود والصداقة الهادئة والهادفة .
ولعل التشابه الكبير بين السيسي وبوتين في ظروف تولي كل منهما المسئولية في بلده يوضح أسباب هذا الود والصداقة بين الرئيسين فبوتين صاحب الدكتوراة في العلوم الاقتصادية قد تقلد العديد من المناصب قبل أن يصبح مديرا لجهاز الأمن الروسي في عهد الرئيس يلتسين ومديرا لمكتبه وهو هدية يلتسين للشعب الروسي في عام 2000م ، والذي أصبح بعدها رئيسا لروسيا لدورتين متتاليتين ثم رئيسا للوزراء ثم رئيسا للمرة الثالثة ومتوقع أن يكون رئيسا للمرة الرابعة ليكون أول رئيس يتقلد هذا المنصب لأربع دورات متتالية يتخللها أربع سنوات كرئيسا للوزراء ، حيث أخذ بوتين على عاتقه مهمة صناعة النهضة الروسية الحديثة والذي أنقذ فيها روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وحولها من بقايا امبراطورية مفككة تعمها الفوضى والانهيار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والعسكري إلى دولة عظمى في غضون عشر سنوات خاض فيها الكثير من المواجهات والتحديات الكبيرة داخليا ضد حيتان الماضي وإمبراطوريات المال والفساد الروسية والعملاء والمخربين وخارجيا ضد الغطرسة الأمريكية في أوروبا واضطرابات الشيشان وجورجيا وأوكرانيا حتى استطاع إعادة روسيا لصدارة المشهد العالمي مرة أخرى ، وهو تشابه كبير مع الحالة المصرية وما يتحمله الرئيس السيسي فضلا عن مواجهة الإرهاب ومسرحيات السياسة الدولية الهزلية الحالية والتي تديرها أمريكا والغرب .
وبعيدا عن نظريات المؤامرة فالزيارة تحظى باهتمام كل الدوائر السياسية في العالم لأهميتها الكبيرة ، بل ويتوقع خبراء الإستراتيجية لهذا اللقاء أن يكون بداية لعهد جديد في السياسة الدولية قد تجذب كيانات أخرى قوية وكبيرة للانضمام وتشكيل جبهة جديدة تحدث انقلابا على الهيمنة الأمريكية والغربية والتي ما زالت تراقب هذا التقارب بكثير من التوتر والقلق ، وربما يحاولون الحد من نتائج الزيارة بأي وسيلة لخطرها الجسيم على المصالح الغربية والأمريكية خاصة وأن هذا التقارب قد أفشل الكثير من المخططات على مدار الشهور القليلة الماضية ، خاصة وأن التعاون بين المخابرات الروسية والمصرية قد يصنع فارقا كبيرا لصالح التحالف الجديد بل وقد يغير من خريطة العالم في السنوات القليلة القادمة في غير مصلحة اللوبي الصهيوني الغربي الأمريكي .
ولا شك أن هناك في زخم العلاقات المصرية الروسية ما لا يمكن الإفصاح عنه إلا بعد حين خاصة لو علمنا أن العلاقات بين مصر وروسيا لم تنقطع عبر العقود السابقة بل وكانت متميزة على مستوى أجهزة المخابرات في البلدين وكان لها دوما اليد الطولي في مفاجأة اللوبي الصهيوني بما لا يتوقعه ولا يستطيع التعامل معه كما يخطط ويتمنى والتي كان إفشال تقسيم سوريا وليبيا والعراق حتى اليوم وما تلاها من فضائح أيادي المخابرات الأمريكية خلف العمليات الإرهابية وصناعتها للقاعدة ثم لداعش ودعمها لهم حتى اليوم مخالفا للمعلن من سياساتها المخادعة والمكشوفة .
ولا شك أيضا أن العلاقة المصرية الروسية ستصنع فارقا كبيرا في قدرة الدولة المصرية على تجاوزها لهذه المرحلة الحرجة اقتصاديا وسياسيا وعسكريا ، وتساهم في نقل الخبرات الجيدة في أساليب النهوض وصناعة الدولة القوية والتي خاضها الجانب الروسي منذ سنوات قريبة ، خاصة وأن الزيارة سوف يناقش فيها آفاق التعاون في عدة مجالات، وهذا التعاون يشمل تحديث وتطوير المشروعات التي أقيمت بمساعدة الخبراء السوفيت، من بينها محطة الطاقة الكهرومائية في أسوان، وإقامة منطقة صناعية خاصة مشتركة لتصنيع الآلات الزراعية ليتم توزيعها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ، فضلا عن مشروع لصناعة السيارات الروسية في مصر وإفريقيا وتوريد الغاز الطبيعي المسال من شركة «جاز بروم» وتوريد القمح ومشاركة شركة «روساتوم» في بناء محطة كهرباء نووية ، فضلا عن المجال العسكري ، وهو ما يعد أكبر تعاون لروسيا مع دولة في الشرق الأوسط ، وهو ما تخشاه الدوائر الغربية والأمريكية الساعية دوما للحفاظ على مصر ضعيفة ومتهالكة لتعيدها لحظيرة الهيمنة والسيطرة مرة أخرى ، حتى وإن كانت الإدارة الأمريكية تعلم يقينا أن هذا الوضع قد مضى ولن يعود للأبد ولكنه الحلم الأمريكي والوهم الغربي والذي يتحول اليوم لكوابيس اليقظة التي تراود الصهيونية العالمية من حقيقة نهوض مصر من كبوتها وتنامي قواها الشاملة والتي يسعى لها القائمون على حكم مصر حاليا .
مرحبا بالرئيس بوتين ضيفا كريما وعزيزا وكفاه وقفته الشجاعة والقوية بجانب مصر منذ بدايات ثورتها الثانية وبغض النظر عن الأسباب الحقيقية والتي لا تعيب الجانب الروسي ولا تقلل من تقديره ، فالمصالح المشتركة تصنع التحالف وبعض الرجال نادرا ما تتكرر في حياة شعوبها ، وأمثال بوتين من الفرسان يعد من هؤلاء القلائل القادرين على إحداث الفارق في تاريخ شعوبهم وأوطانهم ولذلك لو لم نكن واثقين في اختيارنا لرئيس مثل السيسي فكفانا اختيار قامة رفيعة وكبيرة الثقل مثل بوتين له كصديق وحليف ليثبت لكل مصري أننا أحسنا الاختيار ووضعنا ثقتنا في محلها بإذن الله تعالى .



