بقلم : د. شوكت المصري
لم تنس "داعش" أن تحتفي معنا ومع العالم أجمع بعيد الحب "الفلانتاين" هذا العام، بعكسنا تمامًا، حيث نسينا كارثة مقتل 22 شهيدًا من مشجعي نادي الزمالك في واقعة إستاد الدفاع الجوي، وذهبنا لنحتفي بالحب والورود الحمراء؛ وكأنما لا تبيت عشرات الأُسَر المصرية مكلومةً في أبنائها وقتلاها ومصابيها الذين راحوا ضحيةَ التواطؤ والتقصير والعجرفة الأمنية، دون أن يهتز لوزير الداخلية المصري والحكومة كرسيٌ ولا جَفْن، فلا حداد ولا إحساس ولا محاسبة ناهيك عن حزمة المبررات الإعلامية الصفيقة المتواطئة !!
هكذا قررت داعش تغيير لون الأبيض المتوسط إلى الأحمر القاني محتفيةً بالحب على طريقتها الـمُثْلى، واحدٌ وعشرون ذبيحاً حَنَت ثم جَزّت رؤوسهم الحاجة والبحث عن لقمة العيش، وقدمتهم داعش كذباً وبهتاناً قربانا باِسم "المبعوثِ بالسيفِ رحمةً للعالمين" وهو صلى الله عليه وسلم يلعنهم ويلعن من والاهم إلى يوم يُبعثون. لكنه (السيف) ذلك الذي يزيِّنُ بفخارٍ وصلافة وجهل سيارات آلاف المصريين تحت لفظ الشهادتين، دون أن ينتبه كثيرٌ منا إلى رمزيته القاتلة من الوريدِ إلى الوريد. ولعلني أفهمُ أن يعتزَّ سعوديٌ بشعار وعلم دولته وهذا حقُّهُ الذي لا نملك له دفعا ولا نقدا، أما أن نعتزُّ نحن المصريون به ظنًّا منا أنه شعار الإسلام ثم نتباكى على ما حدث لأبنائنا في ليبيا ونهاجم التطرف فهي عجيبة الأعاجيب والطامة الكبرى التي يجب الوقوف أمامها فوراً ودونما تباطؤ موقفَ الحسمِ والرفض والتغيير.
ولعل السؤال الأهم في هذه المرحلة هو: "لماذا قامت عصابات داعش في ليبيا بهذه المذبحة في هذا التوقيت بالتحديد"، أي بعد 24 ساعة من تولي اللواء "خليفة حفتر" منصب وزير الدفاع في ليبيا بشكل رسمي؟! وفي التوقيت نفسه الذي بدأ فيه ملك السعودية "سلمان بن عبد العزيز" التفكيرَ في التحرك لمجابهة الحوثيين في اليمن؟! بينما تتعالى الدعوات في إيطاليا وفرنسا بل وفي أمريكا نفسها للتدخل العسكري في الأقطار العربية بحجة مجابهة التكفيريين الجهاديين؟! في اعتقادي أن الأمر مرتّبٌ لجر القوات المسلحة المصرية إلى حرب على أكثر من جبهة، في الوقت الذي نكابد فيه داخلياً تحديات جسام ومعوقات تزعزع الاستقرار، وربما تمنع استكمال خارطة الطريق أو تؤدي إلى توقف المشروعات التي نحن بصددها كمشروعي قناة السويس الجديدة ومحطة الضبعة النووية.
إن الأصوات التي تسخر في هذا التوقيت من تعبير الرئيس السيسي "مســافة السكــة"، بل وحتى تلك الأصوات الحانقة التي تتعجل تدخلاً ثأريًا لدماء أبناء مصر في ليبيا، يجب عليها أن تفطن إلى المشهد كله دون إغفال أية تفصيلةٍ فيه، وإلا لسقطت مصر في أتون حرب على جبهات متعددة بينما الجبهة الداخلية مفككة ومهترئة إلى حدٍ يشي بكارثة محققة ستطال 90 مليون مصري إن لم يتم حساب كل خطوة تقدم عليها مصر بدقةٍ متناهية. وسأترك مُجْبَراً حسابات التدخل أو التعاون العسكري مع الجيش الليبي والرد المصري لأصحاب الخبرة والتخصص في هذا المضمار فهم أعلم بأمور مُعسكراتهم وقواتهم، أما ظني في "مسافة السكة" فهو أنها طويلة وتحتاج إجراءات داخلية سريعة لا سبيل سواها تتحدد فيما يلي:
1-تعديل وزاري عاجل واستبعاد الوزراء المقصّرين وعلى رأسهم وزير الداخلية المتورط تقصيراً في التعامل مع التظاهرات والتجمعات.
2-تعديل قانون التظاهر المعيب والإفراج عن المعتقلين من شباب الثورة والمحاكَمين كافة في قضايا مُلَفّقة لتوحيد الصف الداخلي، فليس من المنطقي أن تُحبَسَ يارا سلام ورفقائها بالآلاف، في الوقت الذي ينعم فيه أحمد المغير وعبدالرحمن القرضاوي بالحرية والدعوة لإسقاط مصر.
3-العدالة الناجزة للمتورطين في الوقائع الأخيرة وتحديداً مقتل الشهيدة "شيماء الصباغ" و"مشجعي نادي الزمالك"، وتوجيه تهمة الإضرار بأمن مصر القومي والخيانة العظمى لهم، "ما دُمنا نتحدث عن خوض (حرب) على الإرهاب".
4-تأجيل الانتخابات البرلمانية لمدة عام على الأقل بسبب الوضع على الجبهتين الشرقية والغربية، والتفكير في بديل دستوري خارج الصندوق، وأقتَرِحُ تشكيل "مجلس تشريعٍ انتقالي" يمثَّلُ فيه كل حزب بعضوٍ يختاره (100 عضو) + (50 شخصية عامة تختارهم المحكمة الدستورية من متقدمين مراعيةً تنوع مجالاتهم واختصاصاتهم) + (50 عضوا يختارهم مجلس الدولة من المتخصصين بالقوانين والتشريعات).
5-الدعوة لإجراء انتخابات المجالس المحلية خلال شهرين على الأكثر لتضطلع هذه المجالس بدور مراقبة الأداء الحكومي التنفيذي في المحافظات بحسب مواد الدستور الذي أحال إلى هذه المجالس كثيرا من اختصاصات البرلمان الرقابية.
6-تعجيل محاكمات نظامي مبارك/مرسي وإصدار قرار بالعزل السياسي لرموزهما كافة من الحياة السياسية المصرية حفاظاً على مكتسبات ثوتي يناير يونيو.
7-المراقبة الصارمة للجان الزكاة والجمعيات الشرعية التي تموّل الجماعات المتطرفة، وحل الأحزاب ذات الطابع الديني وحظر أنشطتها وعلى رأسها أحزاب النور ومصر القوية والوطن والوسط.
8-إغلاق القنوات الدينية التي استعادت بثها على أقمار صناعية غير مصرية، وقطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع الدول التي ترفض هذا القرار.
9-تجريم الاشتغال بالدعوة الإسلامية لغير المتخصصين وفق ضوابط جديدة، وتطهير صفوف الأزهر ودار الإفتاء والأوقاف من المتطرفين فكريا، وتشكيل لجنة من المفكرين والفلاسفة والمثقفين والمستنيرين لتغيير (وليس تجديد) الخطاب الديني، ويكون لقرارات هذه اللجنة حجيّة القانون في تعديل مناهج الأزهر والمطبوعات والخطاب الديني.
10-الدعوة لقمة عربية عاجلة بالقاهرة عقب المؤتمر الاقتصادي المزمع عقده في مارس، وتوحيد الصف العربي في مجابهة قوى التطرف والظلاميين.
إن "مسافــة السكـــة" لا تقتصر أبداً على التحرك إلى خارج القُطر المصري وإنما يجب على الرئيس السيسي أن يقوم فوراً بتنفيذ هذه الحزمة من الإجراءات داخليًا، ويجب علينا أن نلتف حولها جميعا لا كمصريين فقط وإنما كإنسانيين يجابهون تتارا يسفكون الدماء ويهددون المنطقة العربية بأسرها، في الوقت الذي يقف فيه عدونا الصهيوني باسماً راضيا عن من ربّاهم في كَنَفِهِ برعايةٍ أمريكية منذ "وثيقة جيمس أنجلتون" التي صدرت عام 1970 وتم فك الحظر عنها مؤخّرا، هذه الوثيقة التي قامَ عليها اجتماع مكوّن من 11 مستشاراً للأمن القومي الأمريكي، والتي كان مضمونها التخطيط لزرع جماعات الإسلام السياسي بالمنطقة العربية ودعم النظم الديكتاتورية للحكام في الآن نفسه، وإدارة التجاذب والصراع على السلطات بين الطرفين مع تفريغ الوعي والعبث بالموارد الاقتصادية واستنزافها وتضخيم التخلف والمشكلات المجتمعية والاحتقان الطائفي والعصبيات، وهو ما نجني وحدنا الآن قطافَه نازفين دماءنا في كل بقعةٍ ولحظة. فهل سننتبه قبل فوات الأوان، أم أننا سنستكمل لهم مخططهم مدفوعين بقصور النظرة وسوء التقدير؟! كم أتمنى أن نتحد شعبا مصريا وعربيا واحداً ضد مخططاتٍ ربما لم نكن قد وُلِدْنا بعد وهي تخطو إلى التنفيذ والوجود وها نحن نرى وسنرى نواتجها بأعيننا، هذا إن ظلّت رؤوسنا فوق أجسادنا ولم تَطَلْها سيوفُ الخونة والمغضوب عليهم والضالين.. اللهم هل بلّغت .. اللهم فاشهد.



