الإثنين 08 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : د. شوكت المصري

ما أسهل أن تسبح مع التيار، وما أصعب مقاومَتِكَ ذلكَ والسباحةَ عكسه.. تابعتُ كما تابع الآلاف بل والملايين الهاشتاج الشهير الذي دشنه بعض المصريين وانتشر انتشار النار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي، ضد دولة قطر أجمعها وليس فقط أميرها أو حكومتها، وأدهشني هذا التطرفُ الذي رأى فيه المشاركون بالهاشتاج شفاءً لغليلهم دونما حسابٍ للنتائج التي قد تطال المصريين العاملين هناك، أو احتمال تغيُّر ما في العلاقات الرسمية مستقبلاً، بل ودونما حتى التفريق بين سلطةٍ حاكمة لدولةٍ عربية وشعبٍ شقيق يدين معظمه بالإسلام ويتجاوز عدد مسيحييه ما يجاوز الربع مليون مواطن.

تذكرت حينما كنتُ عضوا بلجنةِ الإعدادِ للملتقى العربي الأول لقصيدة النثر عام 2009، هذا الملتقى الأهلي الذي أردنا به كلجنةٍ منظِّمَةٍ الردَّ على إقصاء المؤسسةِ الرسميةِ (ممثلةً في وزارة الثقافة) لقصيدةِ النثر، حيث قررنا أن يكون وفدا المملكة العربية السعودية والجماهيرية الليبية (آنذاك) ضيفَي شرفِ الملتقى، وعارضني كثيرٌ من أعضاء اللجنة بسبب توتر العلاقات بين الشعبَين، نظراً لما حدث في إحدى القمم العربية بين الملك عبد الله بن عبد العزيز والأخ معمر القذافي (رحمة الله عليهما). لكنني صممت آنذاك على استضافةِ شعراءِ الدولتين، ووافقت اللجنةُ وانتظرنا جميعاً لقاءً محتدمًا في أولى جلسات الملتقى.

كانت جلسة الافتتاح مشحونةً بالترقب والتوتر، انتهتِ الجلسةُ وأخذنا بعض المشاركين من ست دول عربية إلى جلسة تعارفٍ على مقهى "زهرة البستان"، كانت سعادتي غامرةً والشعراءُ الليبيون يجاورون شعراءَ المملكة العربية السعودية على كراسي المقهى، ابتساماتٌ حنونةٌ وروحٌ ملؤه المحبة والتقدير وجليدٌ يذوب وشمسٌ تُدفئ الحوارات. هَمَسَ لي أحدُ الشعراءِ الليبيين في أذني "ما كنت أعرف أن السعوديين فيهم هذه البساطة والمودة والتحضر"؛ ابتسمت له قابضاً على كفِّ يده قائلاً "مشيناها عداواتٌ كُتِبَتْ علينا"، صممَ هذا الصديق يومها على نقل إقامته إلى الغرفة المجاورة للشاعر السعودي بالفندق، وودعه في آخر أيام الملتقى بسيلٍ من الدموع والمحبة.

      لستُ هاهنا بصدد الدفاعِ عن سياسات الحكومة القطرية وخطاب أميرها الموتور وقناتها (المشبوهة) "الجزيرة"، فهو أمرٌ يستحيل القيامُ به من صاحب ذرةِ عقل أو بقيةٍ من وطنية، لكنني أتحدث عن شعبٍ عربيٍ شقيق، يشاركنا اللغةَ والديانةَ والعروبةَ والتاريخ، ويعيش آلاف المصريون معه يكسبون لقمة عيشهم مقابل خبرتهم ومجهوداتهم. دولةٌ عربية وإن اختلفنا معها يجب أن نظلَّ محافظين على خط رجعةٍ لا يمكن لعدونا المتربص بكلينا اختراقه في لحظات الخلاف وإن بلغت أقصاها غير المُحتَمَل.

ولن أعيدَ هنا على العارفين قصةَ السبعين مليون جنيه التي دفعتها قطر (شعباً قبل حكومة) أثناء حرب السادس من أكتوبر دعماً للمجهود الحربي المصري، وهو وإن كان أقل ما قدمَتْهُ دولةٌ عربيةٌ لمصر آنذاك؛ إلا أنه يُذكَرُ ويوضع في الحُسبان. لأنني بهذه الاستعادة ربما أفتح بابًا للمزايدات السافرة والمَنْ بما قدمته مصر (الشقيقة الكبرى) من مساعدات وبطول تاريخها للدول العربية جمعاء، مدرسين وأطباء وخبراء عسكريين وعلماء إدارة وأساتذة جامعيين بل وحتى عمال وأموال يضيقُ بها مقام الحال والمقال، وهو واجبُ أراهُ قَدَرًا على قَدْرِ مصر زعيمةً وأختًا كبرى، لا يليق بشعبهاً أن ينجرفَ وراء هيستيريا التطرف في النَيْلِ من شعوب عربية أخرى، وإن وَجَبَ على قيادتها وحكومتها الرد وبضراوة على الحكومات والأنظمة التي تخالفها وتختلف معها رسمياً وسياسيا وعلى كافة المجالات والأصعدة.

إن ما حَدثَ بين شعبي مصر والجزائر من تصعيد إعلامي متطرفٍ مشبوه بواقعة إستاد "أم درمان" عام 2009 ليس ببعيد، وقد كاد الأمر أن يبلغ حداً كارثيا بين مصر والسودان والجزائر لولا لطفُ الله بالشعوب العربية الثلاث، وهو ما يحدث الآن إعلامياً وللأسف مرةً أخرى في مجابهة الشعب القطري الذي يمسّه ضُرُّ التعريض والسباب، دون حكومتهم التي لا يصيبها بأسٌ ولا يجدي معها قدح فهي في غيِّها ناعمةٌ مُنعَّمَة، حيث نجدُ إعلاميين مصريين من المفترض أن يعوا مفردات خطابهم ويحترموا قوميتهم وعروبتهم بل ومصريتهم من قبل ومن بعد، نجدهم يشعلون أوار الكراهية ويضرمون النار في الأخضر واليابس بفحوى الإخلاص وحب الوطن، دون أن يراعوا شعباً على الجانب الآخر من الخريطة لا ناقةَ له في الأمر ولا جمل!!

إن مصر (أم الدنيا) وشعبها أكبرُ من هذا العبَثْ، وأولى بالسمو عند الاختلاف وضبط النفس في أتون أعتى الشدائد، فبهذا أصبحت (أم الدنيا) وبهذا ستظل وتبقى إلى أن يرثَ الله الأرض ومن عليها، فإن كنتم مصدقين موقنين بـ "خير أجناد الأرض" و"كنتم خير أمةٍ أُخرِجَتْ للناس"؛ فاعلموا أن الخيرَ كلَّ الخير في احتمال الآخر المُختَلَف معه وقبولِهِ وتنزيهِ لغةِ الخطاب معه عن التحقير والسباب والمغالاة في الخصومة، وأن الخيرَ أيضاً في التفريق بين حاكمٍ متجبّر ومحكومٍ صاغرٍ، بينَ مواطنٍ يكدح من أجل لقمة العيش وأميرٍ تتضاعف ثرواته بشراكة الأعداء وفتح أراضي دولته للقواعد العسكرية والشركات متعددة الجنسيات. لذا وجَبَ علينا أن نكون على قدر مصر وعلى قدر العروبة والديانات التي نزلت رحمةً للإنسانية: "ولو كنتَ فظاًّ غليظ القلب لانفضوا من حولك"، "أحِبُّوا أعداءَكم باركوا لاعنيكم أحسنوا إلى مُبغِضيكم وصلّوا لأجل الذين يسيئُون إليكم ويطردونكم"، وقديما قال الشاعر العربي "المُقنَّعُ الكندي":

"وَإِن الَّذي بَيني وَبَــين بَني أَبــي ..  وَبَـــينَ بَني عَـــمّي لَمُختَلِفُ جِدّا

أَراهُم إِلى نَصري بـِطاءً، وَإِن هُـمُ .. دَعَوني إِلى نَصــــرٍ أَتيتُهُـم شَدّا

فَإِن يَأكُلوا لَحمي وَفَرْتُ لحومَهُمْ .. وَإِن يَهدِموا مَجدي بنيتُ لَهُم مَجدا

وَلا أَحمِلُ الحِقدَ القَديمَ عَلَيهِمُ .. وَلَيسَ كَبيرُ القَومِ مَن يَحمِلُ الحِقدا

 

تم نسخ الرابط