رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

توقفنا في المقالة السابقة عند إثبات أن أجيال الحرب هي سبعة (7) كتقسيم عام ليست بأربعة كما يحاول الغرب وأمريكا فرضها على التاريخ من أجل اختزال وطمس حقائق الإسهامات الحضارية لغيرهم على التاريخ البشري خاصة المسلمين وهو إسهام لا ينكره سوى أعمى أو أحمق ، وقلنا أنهم تعمدوا بناء التقسيم على نوعيات الأسلحة وتطورها وبالتالي فهو تقسيم جائر لحركة التطور البشري ، وقلنا أن أجيال الحرب لابد من تقسيمها بناء على عوامل التطور الإنساني في استراتيجيات ووسائل الصراع وهو ما جعلنا نفترض أن أجيال الحرب هي سبعة أجيال بدأت بالجيل الأول وهو جيل المواجهة الفردية سواء من شخص لشخص فقط أو بين قادة الجيوش ورجالها الأشداء سواء كبداية للحرب أو كوسيلة لإنهائها أحيانا ، والذي سرعان ما انتقل للجيل الثاني وهو جيل الاجتياح والذي بني على أساس اجتياح الجيوش ليس للجيوش فقط ولكن للأمم واحتلالها وضمها لحكم المنتصر وهو الجيل الذي بدأ منذ عهد نبوخذ ناصر الثاني ملك بابل الفارسي الذي دمر دولتي اليهود في القدس وذبح كل رجالها وسبى نساءها وأطفالها كعبيد في بلاطه الفارسي .

وقد استمر هذا الجيل طويلا حتى ظهر الإسلام ومعه ظهر الجيل الثالث وهو ما نسميه جيل (إنسانية الحرب) حيث عرف العالم لأول مرة معنى مكارم أخلاق المحارب والمنتصر والترفع عن الحقد والانتقام البشري والإحسان للأسرى واحترام العهود والمواثيق وهو ما لم تعرفه البشرية من قبل حتى جاء به المسلمون وتميز هذا الجيل بتشكيل أو ديوان للجيش له قوانينه ولوائحه وتقسيماته ونوعياته وميزانيته المنفصلة في الدولة ، واستمر هذا الجيل قرونا قليلة قبل أن ينقله المسلمون أنفسهم للجيل الرابع والذي أطلقنا عليه (جيل الفاتح) وهو الإمبراطور العالم الشاب للدولة العثمانية والذي فتح القسطنطينية باستخدام نوعيات القوات البرية والبحرية ودكها بأكبر وأول مدفع في التاريخ والمحفوظ بمتحف لندن حتى اليوم حيث تميز هذا الجيل بنقلة تكنولوجية عالية في شتى العلوم الإنسانية أخضعت معقل وعاصمة الدولة الرومانية للحكم المسلم وأحدثت انقلابا تاريخيا في نظم الحرب والحكم في أوروبا .

وقد ظل هذا الجيل من الحروب مسيطرا حتى الحرب العالمية الأولى والتي ظهرت فيها أسلحة جديدة مثل الدبابة والطائرة والصاروخ واستخدمت فيها الحروب النفسية ووسائل التخابر والعملاء وهو الجيل الخامس الذي استمر أقل من أربعة عقود لتنهيه أمريكا باستخدام القنابل النووية ضد اليابان لتنهي به الحرب العالمية الثانية وتعلن بداية الجيل السادس والمتميز بالاستخدام اللا آدمي لأسلحة الدمار الشامل ضد المدنيين لكسب الحرب ، لنصل سريعا للجيل السابع من الحروب والذي بدأ بالحرب الباردة في الستينات من القرن الماضي وهو ما يسمى جدلا بجيل (الحروب النظيفة نظرا لخلو نتائجه من التدمير للمنشآت واقتصاره على هدم الدول والكيانات وتفتيتها وتحييد أو تعطيل أو حتى قتل البشر فقط في أحدث تطوراته ، وهو ما يحدث انقلابا في إستراتيجية الحرب لتوفيره نفقات الإعمار بعد الاستيلاء على الأرض ، وتتعدد أساليبه وتختلف بداية من الحروب الكيميائية والبيولوجية أو الفيروسية لتنتقل لحروب الهارب والكيمتريال والتي تستخدم فيها التأثيرات المغناطيسية بالتعاون مع السحب الكيميائية لتنتقل سريعا وسرا لاستخدام الطاقة الكونية والتأثيرات القاتلة والعالية التأثير للطاقات السلبية والتي بدأت كتجارب أولية منذ عقود كاستخدام الأمريكان لرواية الشاعر الروسي بوريس باسترناك، Boris Pasternak، الشهيرة  “دكتور زيفاغو، Doctor Zhivago”  كأداة لخلق رأي عام وهندسة عقول وذلك بقصد “تقويض الإتحاد السوفييتي” إبان الحرب الباردة وتبعها بعض التجارب خلال العقود القليلة الماضية كتجارب استخدام شركات بعينها لزيادة مبيعاتها بتركيب شفرة معينة على لحن موسيقى منتشر يسمعه الملايين يوميا فيسرب للعقل الباطن اقتناع بضرورة شراء منتج بعينه ، ومثله ما تم اكتشاف استخدام أحد شركات التسويق له في مصر ونتج عنه ظاهرة الإقبال الشديد على شراء الشيبسي والبيبسي في أحد شهور الصيف خلال الأعوام القليلة السابقة ، وبنجاح مثل هذه التجارب فتح المجال لاستخدامه للتأثير على الشعوب المعادية لتوجيهها لأفعال بعينها تدمر كيان الدولة وما يستتبعه من تطور لقتل الأفراد والجيوش .

ولا تقف هذه التكنولوجيا المتقدمة عند حدود المعلوم للعامة بل تتخطاها بكثير ، فالمعلن عنه قد لا يتعدى نسبة العشرة بالمائة مما هو مكتشف ويتم تجربة بعضه واستخدام البعض الآخر على الشعوب والدول ، خاصة لو علمنا أن علوم الشفرات قد تطورت كثيرا بعد التوسع في استخدام علوم النانو ، فضلا عن علوم التحكم بالإنسان والطبيعة باستخدام الشفرات التي ثبت تأثيرها الحاد والقوي على سلوك الإنسان وهو ما يثبت مصداقية رسول الله عند أمره بقراءة القرآن ولو لمجرد القراءة لمن لم يتثنى له تعلم علومه ، فالقرآن ذاخر بالشفرات الإيجابية التي ترفع من معدلات تجاوب الإنسان مع الطبيعة وتحافظ على صحته الجسدية والنفسية وهو علم ما زال بالنسبة للمسلمين في بداياته وإن كان في مراكز بحوث الغرب قد تجاوز حدودا كبيرة وواسعة المجال ولم تقتصر على الإعجاز الرقمي للحروف والآيات وترتيبها ولا حتى على بعض جناس القلب مثل قوله وتعالى (كل في فلك) ، (ربك فكبر) بل تتخطاها لتصنع شفرة سمعية وبصرية ذات ترددات تقوم سلوك خلايا جسد الإنسان وهو ما قيل في أبواب استخدام القرآن للشفاء من الأمراض المختلفة كعلم له أسس وقواعد علمية ثابتة وقوية .

ولابد بالقطع أن نتوقف عند أهم وأخطر أساليب الحرب في هذا الجيل  والتي يذكرها علماء الغرب وصناع هذه الأساليب والاستراتيجيات والتي من أشهرها أقوال خبير الإستراتيجيات العسكرية ماكس مانوارينغ (Max Manwaring) في حديثه عن هذا الجيل بقوله أنه جيل الحروب غير المتوازية (Fourth Generation Asymmetric Warfare) التي يُعرّفها على أنها “حرب إكراه وإخضاع العدو على القبول بإرادتك” دون اعتماد الإستراتيجيات التقليدية أو استخدام الجيوش النظامية، بل بإستخدام الحرب النفسية والإشاعة ووسائل التضليل وصناعة الرأي، وزرع الفوضى، من أجل “زعزعة الاستقرار”، وهنا تصبح كل الأدوات والوسائل قابلة للاستخدام والتوظيف ، بالإضافة لخلق مناخ مناسب أو تأجيج بؤر توتّر ما وهو ما يتوجّب الاعتماد على ما يشبه الطابور الخامس كخط هجوم أولي نحو الإختراق بزعزعة الاستقرار Destabilization)) ، والتقويض مُضيا نحو حالة فوضى لخلق “دول فاشلة،(Failed (States”  ومناطق خارج نفوذ سيطرة السلطة مركزية ، ليشرّع في التدخّل بعدها أو الوصاية بالوكالة  في التدخّل لا تعوزهم الذرائع ولا الحجج متى قرّر “أصحاب الحق” الحصريين، وأينما التقت مصالحهم حتى اعتدنا أن نشهد إستنساخات غريبة من قبيل مبدأ “التدخّل الإنساني(Humanitarian Intervention)”، والذي اختلقوا من متطلباته عقيدة “مسئولية مبدأ الحماية” أو “آر تو بي R2P Responsibility to Protect doctrine)”) المعزّزة بالصواريخ والقنابل التي تذرّعوا بها لغزو ليبيا ، واليوم يحاولون باستماتة تكرار استخدامها في مختلف دول ومناطق الشرق الأوسط بخلق الأسباب الداعية لعقيدة “مسئولية وجوبية الهجوم ، آر تو إيه (Responsibility to Attack R) بانتظار تفعيلها في بلد ما متى وفّروا الشروط الموضوعية لذلك .

 وطبقا لتقارير وأبحاث ومقالات حديثة موثقة فإن الغرب والأمريكان يستخدمون شبكات التدخّل النّاعم والمرتبطة في معظمها بوكالات الاستخبارات مبنية على أسس نفسية ومجتمعية خطيرة ومتدرجة ومترابطة وأصبحت لا تخفى على أحد مختصرها هو {“أقنع (Persuade) ، غيّر (Change) ، أثّر (Influence)} ولكي تنجز ذلك فهي تملك فرقا متعدّدة بتعدّد الوظائف، مثل فرق الحرب النفسية وهندسة الخريطة الإدراكية من خلال استهداف المنظومة القيمية والأخلاقية من خلال (الصحف، الإذاعات، الأفلام، الإشاعات .. إلخ .. ، وفرق الحرب السياسية (دعم الحركات التي ستقوم بحروب الوكالة وعم التنظيمات في المنفى ودعم التنظيمات المناهضة وتشجيع حركات الإنفصال…  ، وفرق الحرب الإقتصادية (منع توفّر الحاجيات الضرورية والتحكّم في السوق والسوق السوداء والتحكّم في صرف العملة و التزوير .. الخ .. ، وفرق العمليات الوقائية المباشرة (مساعدة الانفصاليين والتخريب والتدمير وحرق الذاكرة الوطنية ، اللعب بجينات الوحدة الوطنية .. إلخ .. ، وفرق “متعددة الخصائص” فرق الاغتيالات و عمليات إخلال التوازن السياسي أو الاغتيالات وما شابهها ، وهو ما نعانيه اليوم في مصر بمنتهى الوضوح والبساطة والترابط ويعيه السواد الأعظم من المصريين بعقل جمعي فريد في قدرات إدراكه ووعيه .

كان لابد أن نتوقف عند حروب الجيل السابع كثيرا خاصة وأنها تتميز بتجاوز كل حدود الأعراف والقوانين وتعود بالإنسان لبداياته الفظة الحاقدة والخالية من آية معايير إنسانية وقبول استخدام كل ما هو مدمر للبشرية دون تقييم أو حسابات للعواقب الجماعية للبشر ، خاصة وأن العالم قد أصبح قرية صغيرة بتكنولوجيات التواصل والإعلام وبالتالي التأثيرات المتبادلة بين شعوب القارات والدول ، فما تصنعه اليوم في مصر سيصل آثاره أن لم يكن مثيله وربما أشد فتكا لأقاصي الأرض في أيام وربما ساعات قليلة ، وهو ما بدت ملامحه تجتاح المجتمع الأمريكي من تأييد وتعاطف مع شخص الرئيس السيسي والتي لا نستبعد أن يتم استغلاله كأحد وسائل المناورة الجديدة لتجنب الخسارة الدائمة لمصر ووضع البذور لمحاولات التقارب فيما بعد رحيل الإدارة الأمريكية والفاشلة بامتياز حتى الآن في تنفيذ المراحل النهائية لمخطط السيطرة على الشرق الأوسط .

تم نسخ الرابط