الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

من أجيال الحرب السبعة ننتقل لأجيال الحكم والتي تتطور دوما في المؤسسات وتكوين الدولة الداخلي ولكنها أحيانا لا تغير المسميات لاعتبارات تاريخية أو اجتماعية في نفوس ومقدسات الشعوب ونبدأها بالجيل الأول لنظم الحكم والذي يمكن تسميته (بجيل الأيديولوجية الواحدة) بمعنى قيام نظم الحكم على وحدة الدين واللغة والأرض والذي عرف مبكرا في التاريخ البشري وفيه انتشرت العديد من الممالك أو الإمارات والمعتمدة على جمع القبائل والعشائر والقرى المتفرقة وحشدها تحت راية واحدة وهذا الجيل ما زالت مسمياته فقط راسخة في كثير من بلدان العالم على رأسها بريطانيا وأسبانيا وهولندا والسعودية وعمان والإمارات العربية رغم تطور مؤسسات هذه الدول الداخلية في مختلف المجالات لتتناسب مع معطيات العصر ، إلا أنها ما زالت محتفظة بالمسميات التاريخية الموروثة .

والجيل الثاني كان (جيل الأيديولوجيات المتعددة) لقيامه على تعدد الأيديولوجيات في كيان دولة واحدة عملاقة وقد ظهر مبكرا ربما قبل الميلاد بقرون عديدة وهو ما صاحب تشكيل الإمبراطوريات العظمى والمسيطرة على العديد من الكيانات والأمم المختلفة في أيديولوجياتها ولقبت بمسمياتها العديد من بالحضارات كالأشورية والبابلية والرومانية والفارسية وسبقها الفرعونية والصينية ، وإن كانت بعض هذه الحضارات أعمق في تاريخها مما نرصده من عمر التاريخ المعروف لبني آدم أنفسهم وهو حديث آخر له مقام ومقالات أخرى .

أما الجيل الثالث وهو ما نسميه بجيل (دولة الدواوين) والذي كان جيلا محوريا في تطوره حيث ظهر مع بدايات الحضارة الإسلامية وذلك لكونه نقطة التحول المحورية الرئيسية في تطور نظم الحكم حيث ظهرت سلطات الدولة الثلاث لأول مرة وتمثلت في دواوين منفصلة ، فالسلطة التشريعية تمثلت في ديوان الشورى وتمثلت السلطة التنفيذية في دواوين الجيش والشرطة والخزانة والحكم ، وتمثلت السلطة القضائية في ديوان القضاء كمؤسسة مستقلة ، وقد تميز هذا الجيل بتوحيد مصدر التشريع مع تنوع كفاءات وقدرات الحكم وأساليب الإدارة والسيطرة بواسطة الدواوين والتي نسميها اليوم وزارات حيث ظهر معه رسميا ما نسميه بالديمقراطية تحت مسمى الشورى وعرف العالم ديوان الجيش وفصله عن ديوان الشرطة كما عرفوا حكام الولايات التابعة أو الأمصار ، لتصنع أول تطور حقيقي لمؤسسات نظم الدولة الداخلية وتعزز وتعظم من إيجابياتها في ترسيخ الحكم ، وكان أول مسمى له هو نظام الخلافة والذي عاد لمسمى الإمارة ، والتي لا تعنينا في كثير لأنها في النهاية هي مسميات تختلف مكوناتها تبعا للتطور .

أما الجيل الرابع فقد كان (جيل الممالك العظمى) والذي بدأ بفتح الأندلس وفتح القسطنطينية واختلاط الثقافات الأوروبية بنظم الحكم المسلمة الحديثة ، ليطور المسلمون نظم الحكم الغربية في أوروبا ويصنعوا نموذجا جديدا أكثر تطورا وتقدما وسيطرة من كل ما سبق من نظم الحكم ، وهو الجيل أرسى المسلمون أصوله وفروعه كاملة بعدما استقرت الممالك المسلمة على قمة العالم والتي فيها ازدهرت العلوم والفنون وعرفت المدن تطورا كبيرا في عمرانها وتفاصيلها المتنوعة وأساليب إدارتها مما دفع الممالك الغربية كبريطانيا أن ترسل أمرائها (من الجنسين) ليتعلموا (إدارة الحكم والأدب والعلوم والفنون) على حد تعبير خطاب ملك بريطانيا لملك الأندلس والمحفوظ في المتحف البريطاني حتى اليوم ، وقد استمر هذا الجيل حتى سقوط الأندلس واستعادة الأوروبيون للسيادة على أوروبا بعدما اقتسمها المسلمون بين العثمانية والأندلس لقرون طويلة .

أما الجيل الخامس وهو ما نسميه بجيل (صراع الأيديولوجيات) والذي بدأ بعد سقوط الأندلس وبداية ترهل الإمبراطورية العثمانية وتوغل الاستعمار الأوروبي في قارتي آسيا وإفريقيا واحتلوا كثيرا من دول العالم كالهند ودول إفريقيا والأمريكتين وبداية التصفية الجسدية لسكانها الأصليين فتباينت نظم الحكم كثيرا بين الشرق والغرب ولكنها كانت تبنى على أساس الاهتمام بالقوى العسكرية لفرض السيطرة خارج الحدود ، وتجلت معالمه خلال القرن التاسع عشر وما تلاه ، وكان من نتائجه ظهور النازية الألمانية الأولى على يد بسمارك وتبعه هتلر ببدايات القرن العشرين ، كما تميز هذا الجيل بصراع بين الإمبراطورية العثمانية المسلمة المترهلة والغرب الأوروبي الواعد والمتربص بالدولة العجوز والطامع في كل ما يتبعها من أمم وبلدان ، واختتم هذا الجيل بصراع على سيادة العالم بين أوروبا بزعامة بريطانيا وأمريكا (الحلفاء) ضد النازية وحلفاءها (دول المحور) والذي انتهى بانتصار الحلفاء بقنبلة نووية .

أما الجيل السادس فقد كان جيل (الدولة الحديثة) وقد بدأ بنهاية الحرب العالمية واستمر حتى نهاية القرن العشرين وما زالت كثيرا من الدول غارقة في فصوله ، وقد تميز هذا الجيل بتبلور فكرة الدولة الحديثة حيث تعتمد نظم الحكم فيها على مؤسسات قوية متكافئة ومتوازنة موزعة بين نوعيات السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية تعمل متعاونة لتحقيق الحياة الكريمة لكل المواطنين تحت شعارات (الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية) ، ويعتمد هذا الجيل من نظم الحكم على المؤسسات القوية التي تعد ركائز أساسية لقيام الدولة ، وهذه الركائز هي سبعة ، موزعة بين السلطات الثلاث منها ركائز ثلاثة رئيسية تسمى أركان البقاء للدولة تهتز الدولة باهتزاز أحدهم وقد تسقط بسقوط أحدهم وهي القضاء والجيش والشرطة وأربعة مكملة لابد من وجودهم لإحكام سيطرة الدولة وقوتها وهي الرئاسة ومجلس الوزراء وحكام الأقاليم أو الولايات أو المحافظات ومجلس النواب ، وتتناغم هذه الركائز في منظومة واحدة في ظل قوانين نابعة من دستور يحدد الأهداف والتوجهات العامة للدولة ، وهذا الجيل يوصف بأنه سريع الإيقاع والتباين حيث تميز بمراحل ثلاثة متداخلة ومتسارعة تحت مسميات (الثورات والديمقراطية والعولمة) حيث تميز بحركات التحرر من الاستعمار الأوروبي وكذا بالثورات والانقلابات على نظم الحكم التقليدية والقديمة وظهور أول بوادر ما يسمى بالنظام العالمي تحت مظلة الأمم المتحدة وإطلاق شعارات الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية وانتهى هذا الجيل لما يسمى بالعولمة والمتمثلة في نشر الثقافة الغربية والأمريكية تحديدا وغزوها لدول العالم ، وقد استخدمت أمريكا والقوى الغربية شعارات هذا الجيل وعلى رأسها خديعة (الديمقراطية) كذريعة للتدخل في شئون الدول والسيطرة عليها من خلال سيطرتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية وحتى السيطرة النفسية على رموز وحكام بعض الدول .

وعلى أرض الواقع تعتبر التطورات الأخيرة فيه والتي نسميها بالعولمة والديمقراطية (وهما كبيرا) وسلاحا يستخدم للهيمنة والسيطرة ، فما تشيعه القوى الغربية عن قمة الديمقراطية وحقوق الإنسان لم ولن تحققه أية دولة ولا أمة على الأرض حتى أمريكا أو أيا من دول الديمقراطية المزعومة (إلا ظاهريا) ، وهو ما نراه جليا في المواقف الحرجة والخطيرة كالتعرض للإرهاب مثل استخدام أمريكا للحادي عشر من سبتمبر للسيطرة على منابع النفط والثروات في أفغانستان والعراق وتستخدمه الآن لاستكمال مخطط التقسيم والسيطرة على الدول العربية والمسلمة .

أما الجيل السابع والأخير من نظم الحكم فهو ما نسميه بجيل (الحكومة الخفية) وهو أحدث ما وصلت له نظم الحكم في العالم الحديث وتقوم على تواجد جميع ركائز الجيل السادس من نظم الحكم ولكن يسيطر عليها مجلس حكماء (مجلس أعلى) يحافظ على ثبات الإستراتيجية المستقبلية للدولة وتطورها واستمرار تكامل إنجازاتها ويمنع سقوطها أو انحراف اتجاهاتها بتغير نوعيات البشر في السلطات المختلفة مثل الرئاسة أو الوزراء أو النواب أو حكام الأقاليم ، وقد يسمى بمجلس الأمن القومي ، أو بمجلس الحكماء ، فيصبح هذا المجلس لو كان معلنا هو الصورة الظاهرة لحكومة (خفية) بغرض الحفاظ على بقاءها وقدراتها واستمراريتها دون التأثر بالأحداث الجارية أو التأثير على قراراتها التي تعتبر مصيرية وإستراتيجية للدولة وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإسرائيل وإيران هي فروع مختلفة لحكومات خفية ذات إستراتيجية واحدة أو متوافقة .

ولا شك أن مصر قد دخلت للجيل السابع من نظم الحكم منذ سنوات قليلة ماضية ، وهو ما أصبح يقينا لا شك ولا جدال فيه ، فمن خلال تتابع الأحداث منذ إعلان تنحي وسقوط نظام مبارك في الحادي من فبراير 2011م وما أعقبه من أحداث حتى يومنا يتضح أن هناك إستراتيجية ثابتة وقوية لا تتغير بتغير الوجوه أو الرجال ، وهو ما دفعني لأتنبأ برحيل الإخوان يوم توليهم السلطة وكذلك ادعائي أن السيسي هو الواجهة المحترمة لنظام قوي له إستراتيجية واعدة ولديه البدائل القوية والفاعلة لكل احتمالات التغيير الطارئة والممكنة خلال المراحل القادمة من مستقبل هذا الوطن وربما لعقود خمسة قادمة ولكنه يواجه تحديات منظومة معادية شرسة ومتربصة وهو ما سوف نتناوله تفصيلا في المقال القادم ..

تم نسخ الرابط