بقلم : د. شوكت المصري
"مسارح وسيما وسيرك وأفيش .. وصورة المنيِّل وكاب الشاويش .. وكلب الحراسة وكرسي الرياسة .. وحبة سياسة وطُرْبِة حشيش" بهذه الكلمات للشاعر الشاب "أحمد النجار" وألحان "يحيى نديم" صدحَت فرقة "عمدان النور" المستقلّة بصرختها في وجه الواقع وأعلنت ثورتَها الفنية في وجه السائد والنمطي من الأغنيات والفنون التي أصبحنا نستهلكها مع حياتنا اليومية الضائعة بين ضجيج التلوث والزحام والفوضى والشقاق.
مَن مِن جيلي –على الأقل- لا يتذكر أغنية "رصيف نمرة 5" الشهيرة التي لحّنها وغناها الفنان (الهضبة) "عمرو دياب" من كلمات د. مدحت العدل وتوزيع "حسام حسني" في فيلم "آيس كريم ف جليم" عام 1992؟! ربما تفتتت الآن هضبة "عمرو دياب" بفعل تكرار ما يقدّمه واهتمامه بـتفاصيل عضلاته على حساب مساحات صوته وإمكاناته الفنية، لكن أغنية "رصيف نمرة 5" ستبقى عالقةً في الذاكرة معبّرةً عن أزمةٍ جيل الثمانينات والتسعينات الذي لم يكن شبابه قد استوعب آنذاك صدمةَ "غزو صدام حسين للكويت" ثم "التحالف الدولي الغاشم ضد العراق" والذي كان أول خطوة في تفكيك الشرق الأوسط وما تبعه من هزائم وكوارث متوالية.
كانت كلمات "رصيف نمرة 5" صرخةً مدويَةً في وجه غول الاستهلاك القادم بتوحّش والتقاليد البالية الجاثمة على الصدور، لذلك ظلّت الأغنية تتأبى على المحو والنسيان، بل وظلّت شخصية الشاعر "نور" والتي جسّدها في الفيلم الفنان "أشرف عبد الباقي" مسيطرةً على الوعي بطبيعة الشاعر وموقفه من واقعه وصورته الحداثية حيث كوفيته الفلسطينية وملابسه الجينز وكتاباته المختلفة وحُبِّه اليائس وأحلامه الضائعة ورؤاه التي تغرّد دائما خارج السرب.
منذ أيام اختتم المؤتمر الاقتصادي الناجح بشرم الشيخ أعمالَه، وقد أحيا "الملك" "محمد منير" تلك الفعاليات بحفلٍ فنيٍ ابتدأهُ واقعًا في مباءَةِ إلقاء التحية على الإعلامي "أحمد موسى" المعروف بمعاداته وتعريضه بثورة يناير المجيدة وشهدائها الأطهار .. نعم .. من حق "محمد منير" أن يفعلَ ما يشاء، فلا يمكن أن لنا أن نحصره في رؤانا ونطالب في الوقت ذاته بالحرية وقبول الاختلاف، لكن يبدو أننا نُحمّل الفنانين بأكثر مما يتحملون ونراهم بحجمٍ أكبر من حجمهم الحقيقي، فنظلمهم لأننا نظن أن ما يؤدونه على الشاشة أو خلف الميكروفون أو على خشبة المسرح هو موقفهم الشخصي الخالص، بينما الحقيقة أن العمل الفني يقف وراءه مجموع، ويبدؤهُ بالأساس مؤلفٌ "شاعر كان أو روائي أو مسرحي"، وهو في واقع الأمر المالك الفعلي للرؤية وصاحب الموقف الذي نرميه في زاويةٍ مظلمة وننساه غير آبهين بقيمته ولا أهميته.
إن كل جيلٍ يصنع نجومه ورموزه وكُتَّابه وإبداعاته كما يصنع أيضًا مواقفه وثورته، ويبدو أنه لا يمكن لنا أن نطالب كل المبدعين والفنانين والكُتّاب بأن تظل جذوتهم الثورية متوقدة؛ فكلنا يصيبه الوهن والكِبَر والضعف والاهتزاز، إلا من رَحِمَ ربي من القابضين على جمر مواقفهم وإبداعهم. ولعله لا يمكن لنا بأي حالٍ من الأحوال أن نُلقي بتراث منير الكبير في طي النسيان فقد أصبح هذا التراث جزءًا منا نملكه –ربما- أكثر مما يملكه صاحبه، كما لا يمكن لنا أن ننسى أخطاءَهُ (من وجهة نظرنا) أو نتوقف عن حلم عودته إلى مضماره الحقيقي الفريد الذي وضعناه فيه.
لقد بدأت فرقة "عمدان النور" مشوارها في ميدان التحرير عام 2011 ضمن فرق مستقلة عديدة عبَّرتْ عن الغضب الشعبي في 25 يناير ثم أكملت مسيرتها على المسارح والمراكز الثقافية المختلفة، وهي فرقةٌ تتكون من سبعة عازفين وثلاثة مغنيين أشقاء هم "تامر" و"مصطفى" والملحن "يحيى نديم"، تتبنى في رسالتها التعبير عن الواقع السياسي والاجتماعي الذي يعيشه الجيل الحالي ، عبر وعيٍ مواكب متجدد يذكرنا بفرادة سيد درويش اللحنية في زمنه وتميز بيرم التونسي وفؤاد حداد وجاهين ونجيب سرور في كلماتهم وزمانهم، كما يذكرنا أيضًا بمشروع الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم ومنجزهما الخالد الذي كان وسيظل حاملاً تميّزه واختلافه لأجيال وأجيال.
وأخيرا يبدو أن "عمدان النور" وغيرها من الفِرَق الفنية الجديدة قررت أن توسّع لها مساحةً من فنٍ مختلف وُلدَ من رحم الثورة وفي القلب من ميادينها، حيث تقدم جديدًا على مستوى الموضوعات والكلمات والألحان لأجيال جديدة تعبر عنهم وتستلهم أفكارهم وأحلامهم وآلامهم في رسائلها الفنية التي تجسدها الفرقةُ غناءً .. نعم لقد قرر جيلٌ جديد من المبدعين أن يحملوا الشعلةَ من سابقيهم الذين أرهق بعضهم النضال والثورة فآثروا سلامةَ الراحة والرحيل بعد أن رعوا نبتة الاختلاف والتغيير لسنواتٍ وسنوات.
هكذا يرثُ أرضَ الفن ورسالته دائما عبادٌ مُخلَصين، وتستبدل الجموع المعبرينَ عنها بمعبّرين جدد يليقون باللحظة واحتدامها وصدقها. وشعراء فرقة "عمدان النور": "أحمد جمال" و"أحمد الطحان" و"سلمي سالم" و"صالح الكيلاني" و"زينب زكريا" و"عمرو حسن" و"أحمد حسين" و"خالد عبد القار" بالاشتراك مع الملحن "نور ناجح" والملحن الأساسي للفرقة "يحيى نديم" هم جزءٌ أصيل من هذا الوافد الفني الجديد الذي يستحق الالتفات إليه والاهتمام به، إنهم وارثون جدد قرروا حمل مشعل الثورة المتوهج بالاختلاف والتغيير مضيئين للسائرين من أبناء جيلهم طريق الثورة والحرية الذي أطبقَ عليه الظلام وعزَّ فيه السبيل والدليل، ولله درُّ الشاعر "خالد عبد القادر" إذ يقول في أغنية "سيرة الأراجوز" التي غنتها الفرقة:
"عدى فيا القمح سمّرني .. عدى فيا الفجر صبرني .. عدى فيا الحزن غيرني .. عدى فيا العمر كبَّرْني / خدت م الأتوبيس مراياته .. خدت م السواق حكاياته .. خدت م الركاب تذاكر موت / حزن يا بقال ورا الجامع .. هات بنص ريال عسل في الكوز .. ده اللي كان عيل بقى شاعر .. واللي كان ضاحك بقى أراجوز".



