بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
لا شك أنه خلال السنوات القليلة الماضية قد سقطت الكثير من الأقنعة عن الكيانات الدينية خاصة ما تدعي انتماءها للإسلام ، وقد جاء سقوطها مدويا ومدمرا لكثير من المفاهيم الموروثة والمحرفة والتي بنيت عليها قناعات ومعتقدات الكثير من المسلمين في العالم ونتج عنها جماعات وفرق متعددة الأشكال والانتماءات ولكنها تجتمع جميعها على هدف واحد هو استكمال هدم ما تبقى من قيم الأديان في نفوس البشر وتنحية معنى الدين تماما عن حركة حياة البشر وكأننا ننفذ بدقة مخطط شيطاني لاستكمال ضلال البشر وهلاكهم بأيديهم ، وهو ما تتكشف أسراره يوما بعد يوم من توغل الماسونية بمسميات مختلفة في جميع الأديان السماوية بداية باليهودية فالمسيحية بعد تحريف كتبها الأصلية ونهاية بالقرآن الذي حرفوا وزوروا مفاهيمه حتى عمق الأصول وأمهات كتب التفاسير والفقه والتشريع وأصبحت مراجع تدرس ويبنى عليها فكر الجماعات والفرق التي فرقت الإسلام وشتت بنيانه ووحدته .
ومنذ بدايات التاريخ البشري وظهور الكابالا كجماعة شيطانية في عصور ما قبل الكتب السماوية ومرورا بكهنة اليهود وصانعي التلمود ومحرفي الأناجيل المختلفة في عهد قسطنطين الرابع إلى فرسان المعبد وتقسيم المسيحية لفرق مختلفة القيم والمعتقدات كالبروتستانت والكاثوليك والأورثوذكس والإدفنتست ، وانتهاء بالماسونية التي بدأت المرحلة الأولى منها كما تقول معظم الروايات في القرن الأول الميلادي على يد الملك الروماني هيرودس أكريبا بمساعدة وسيطرة مستشاريه اليهوديان (حيران أبيود ، مواب لامي) بغرض تدمير وتزوير الديانة المسيحية الجديدة ، ثم تجددت المرحلة الثانية منها في نهاية القرن الرابع عشر الميلادي بأول دستور لها في 64 صفحة ، حتى ظهرت أخيرا في ثوبها الجديد كقوة مؤثرة وخطيرة تسعى للسيطرة على العالم في القرن الثامن عشر على يد الألماني (آدم وايزهاويت) وتنامت سيطرتها بواسطة رجال المال والإعلام اليهود ، بداية من سيطرتها على البلاط الملكي البريطاني ثم الأوروبي كاملا وإنشاء المحافل الماسونية تباعا بداية بأول محفل في بريطانيا 1723م ثم جبل طارق (1928م) ثم باريس (1932) ثم ألمانيا وأمريكا (1933) ثم في ووصولها وتوغلها في الكيان الأمريكي منذ بدايته بل وصناعته كقوة فاعلة تخدم مصالح السيطرة الماسونية على العالم والتي سطرت أول خطواتها بقيام (بنيامين فرانكلين) بعد أنتخابه زعيما لمنظمة الماسونية في فرع بنسلفانيا عام 1734م بتعديل وطبع دستور الماسونية الأول والذي كتبه جيمس اندرسون (الناشط في كنيسة اسكتلندا) في عام 1723م .
قد يبدو الكلام لبعض الناس إعادة صياغة لفكر المؤامرة الذي يرفضونه ولكنها الحقيقة التي تثبت نفسها كل يوم وتتزايد وضوحها في إطار تسريبات حضور شخصيات أمريكية معاصرة لاجتماعات المجمع الماسوني الأعظم كأعضاء مثل بوش الأب والابن وكلينتون وهنري كيسنجر ورامسيفيلد وكوندليزا رايس ثم أخيرا هيلاري كلينتون وأوباما وهو ما تفرضه مواقفهم المعلنة سياسيا وإعلاميا بالمخالفة للحقائق والواقع ، مثل قيام أمريكا والغرب برعاية وتشكيل تحالفا لضرب داعش ، وهي في الحقيقة تنفذ مخطط الدعم والإمداد والحفاظ على قوة واستمرار داعش على مدار الساعة ، ومثله رعايتها للإخوان وتجار الدين والسياسة سرا مع توالي إعلان تأييدها للدولة المصرية ، ثم دعمها وتخطيطها للفوضى في اليمن متزامنا مع إعلانها مساندة جهود التحالف العربي في (عاصفة الحزم) ، وهو ما تعودنا عليه من هذه الدول بمخططات المخابرات المخالفة لمواقفها السياسية والإعلامية عبر السنوات القليلة السابقة .
ربما هذا ما يدفعنا لنتوقف عند نوعيات وأهداف وانتماءات واستراتيجيات الكيانات الدينية في العالم عبر التاريخ الحديث والتي تنقسم إلى ثلاثة أقسام زمنية ، فهناك كيانات قد أصبحت دولا بعينها قائمة وتمارس أدوارها المرسومة منذ قرون وكيانات حديثة تشكلت في خلال القرن الماضي وأخيرا كيانات تحاول إنشاء دولا جديدة ولو على جثث شعوب وأمم ودول قائمة ، مثل الدولة الإسلامية المسماة (بداعش) والتي تصر أمريكا على تسميتها بالدولة الإسلامية كما أسمتها في مخططاتها لوكالة المخابرات الأمريكية بالـ (ISIS) الدولة الإسلامية في العراق والشام والمسربة تعمدا ولأهداف بعينها ، وعند استعراض الدول الدينية في العالم نجدها محصورة فيما لا يتعدى أصابع اليد الوحدة ( الفاتيكان - إسرائيل – إيران – السعودية) ، أما الفرق والكيانات المتفرقة فهي تزيد عن المائة وأشهرها على الإطلاق المنتمية للإسلام مثل (الإخوان المسلمين – الجهاديين – القاعدة - داعش – السلفيين – النصرة – حزب الله – حماس – فصائل وميليشيات مسلحة متناثرة ) ، ولا عجب لو اكتشفنا الأيادي الماسونية وراء كل هذه الكيانات خاصة المسلحة منها بل والغريب أن قيادات الكثير من هذه التنظيمات هم كوادر عليا في الماسونية .
وبداية بالفاتيكان كأقدم دولة دينية في العصر الحديث وبعيدا عن الكثير من أسرار إنشاءها والتي قد تذهل الكثيرين حتى ممن ينتمون لها والتي لن نتطرق لها تفصيلا ، فنحن معنيين بتحديد الدوافع والبداية لإنشاء هذه الدولة وأهم توجهاتها وما حققته عبر تاريخها واستراتيجياتها المستقبلية ، فالفاتيكان (Vatican) هي أصغر دولة في العالم و مقر الكنيسة الكاثوليكية تقع في جنوب أوروبا في قلب العاصمة الإيطالية روما على الجانب الأيمن لنهر التبر ، وتُدار من قبل بابا الفاتيكان والذي يعتبر أيضا القائد الروحي لما يقارب المليار كاثوليكي في مختلف بقاع الأرض ، والدولة عاصمتها الفاتيكان وهي المدينة الوحيدة ولغتها الرسمية اللاتينية ثم الإيطالية بحكم الموقع ، ونظام الحكم (بابوي) والرئيس هو البابا الحالي بيندكت السادس عشر ومساحتها لا تتعدى (0.44) كم مربع وعدد السكان لا يتجاوز الألف شخص منهم 400 كاردينال إضافة لمثلهم منتشرين بكنائس الكاثوليك في العالم و جميع سكان الفاتيكان هم من العاملين في الدولة ، و خاصة رجال الدين ، وحرس الفاتيكان هم سويسريون. هناك عدة آلاف من العاملين الاضافيين ، اللذين يسكنون خارج حدود المدينة ، حيث لا تتجاوز كثافة السكان (3 شخص / كم2) ، وتقع الفاتيكان في شمال غرب العاصمة الإيطالية روما وبعيدة فقط عدة مئات من الأمتار عن نهر التيبر ويبلغ مجمل طول حدودها مع إيطاليا 3.2 كم، الذي يشكله سور المدينة الذي بني لحماية البابا من الاعتداءات الخارجية، مدخل المدينة هي ساحة القديس بطرس أمام كنيسة القديس بطرس. مدينة الفاتيكان هي أصغر دولة ذات سيادة في العالم، حيث تبلغ مساحتها ما مجموعه 0.44 كم مربع. هناك بعض المنشئات الدينية الواقعة خارج حدود المدينة و لكنها تتبع الفاتيكان ، وخلال فترة الولايات البابوية وبداية من عهد قسطنطين الرابع كأول من اعترف بالمسيحية كدين للدولة الرومانية تمددت سلطة الباباوات حتى سيطرت على جزءا كبيرا من إيطاليا لأكثر من ألف سنة حتى نهاية القرن الثامن عشر حيث استولت المملكة الإيطالية على معظم الأراضي البابوية واضطهدت الباباوات لأكثر من قرنين من الزمان حتى تم حل النزاعات بين مجموعة من الباباوات السجناء وإيطاليا في فبراير1929م ، بمعاهدات لاتران الثلاثة ، و التي تم بموجبها (تحت حكم موسوليني) إنشاء الدولة المستقلة لمدينة الفاتيكان ومنح منزلة الكاثوليكية الرومانية الخاصّة في إيطاليا. في 1984، عدّلت اتفاقية جديدة بين الكرسي البابوي وإيطاليا بعض أحكام المعاهدة السابقة، و من ضمنها أسبقية الكاثوليكية الرومانية كالدين الرسمي الإيطالي .
ولا نستطيع أن نتجاهل هنا تاريخ صراعات الفاتيكان وقيادته للحملات الصليبية والتي نما خلالها نفوذ الماسونية المتمثلة في فرسان المعبد وما تلاها من سيطرة الماسونية بواسطة الفاتيكان على أروقة الحكم الأوروبية لقرون طويلة حتى قادت الماسونية نفسها ثورات عصر النهضة التحررية من سيطرة الكنيسة والفاتيكان ، فقد كان المناخ مناسبا لتنامي الماسونية كقوة سرية داخل أروقة الفاتيكان ، بل تذكر بعض المؤرخات أنها أيضا حسمت الخلاف بين الدولة الإيطالية لصالح الفاتيكان وأعلنت لأول مرة كدولة مستقلة لتنهي عصر سجن باباوات الفاتيكان في 1929م ، خاصة عندما نعرف أن الماسونية بسيطرتها على الفاتيكان نجحت في إصدار وثيقة براءة اليهود في عام 1964م من دم المسيح وأعلنت مبادئ دستور الصهيونية العالمية والذي يبسط رداء الكاثوليكية على اليهود والمسيحيين سويا ليصدروا كتابا مقدسا واحدا يضم العهد القديم للجديد وهو في حقيقة الأمر يشوه بأسفاره كل مقدسات الدين اليهودي والمسيحي ويخالف كل ثوابت وقيم المنطق والأخلاق والعلم الإنساني وذلك لمن يقرأ ويعي معان الأسفار وأهدافها .
ولسنا في محل النقد الأدبي أو العلمي للعهد القديم أو الجديد بالكتاب المقدس ولكننا يصدمنا قمة الاستهانة بالمقدسات وثوابت العقائد السماوية سواء ما يتنافى مع حقائق العلم الحديث في سفر التكوين والحديث عن حاجة الرب للراحة في اليوم السابع بعد خلقه لنوعيات بعينها من الخلائق تباعا ، أو ما نراه في بعض أسفار العهد القديم من تحريض على القتل وسفك الدماء لكل أعداء اليهود حتى يفجعنا قصة عراك بالأيدي والجسد بين الرب ويعقوب ويكاد يعقوب أن ينتصر لولا لجوء الرب لحيلة غير مشروعة ، ثم استرسال العهد القديم في وصف جرائم الأنبياء الذين لا يتورعون عن ارتكاب الفواحش والخطايا والكبائر كالكذب والقتل والزنا والسرقة وخداع الرب ، ثم يصدمك ذلك الوصف الدقيق لجسد امرأة وطريقة ممارستها الزنا مع أحد أنبياء الله ، فهل أكثر من هذا هدما لقيم الدين وهو ما تقف كل محاولات التقديس عاجزة عن الرد والدفاع عنه خاصة في القرن الواحد والعشرين ومع أجيال جديدة توصف بالتسيب والانحراف والكتاب المقدس نفسه مليء بهذه المهاترات التي أدخلتها الماسونية لتهدم الأديان فكرا وعقيدة وأخلاقا ، وليس أبلغ دليلا على الفساد المتعمد للأديان من مباركة الفاتيكان لزواج المثليين .
وكذلك لم يسلم الإسلام من إعادة إنتاج الفساد بصور متباينة وإدراجه في أصول وأمهات كتب التفاسير للمسلمين عبر عصور اختلاط الثقافة والعلوم المسلمة الحديثة بالأوروبية وهو ما سوف نتدارسه لاحقا ...



