بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
ترددت كثيرا قبل أن أنتقل لهذا الكيان الذي اعتبره صانعوه من الماسونية خطوة بالغة الأهمية ومصيرية في مخطط هدمهم لحضارة المسلمين والعرب الذين سادوا بها الدنيا لقرون طويلة ، وذلك خوفا أن يجتزئ منه ما يستخدمه العملاء والخونة للإيقاع والتفريق للشمل العربي الذي بدأ قويا وأمامه تحديات جسام لاستكمال بنيانه المنشود ، ولكن لا مناص من أمانة الكلمة خاصة وأن الماسونية قد أيقنت أنها قد صنعت بيديها كيانا خرج من سيطرتها عبر التاريخ ليصبح شوكة في حلوقهم وحصنا تتبدد على أسواره مكر أهدافهم وآمالهم الإستراتيجية لأسباب فوق مستوى قدرات الفهم والاستيعاب الماسونية .
والحديث هنا عن السعودية والذي تم إنشاؤها لتمثل الكيان الديني الثاني بعد الفاتيكان ليكون تمهيدا لشرعية إنشاء إسرائيل ، ولا يغضب هذا أحدا لأنها حقائق التاريخ التي لا يستطيع بشر أن يطمسها أو يمحوها من الذاكرة الإنسانية ، وخاصة أن السعودية استطاعت أن تصبح حجر العثرة في طريق الماسونية لا معولا للهدم كما خطط لها ، ولسنا هنا لنتهم شعبا أو حتى أروقة الحكم السعودية بل على العكس تماما ففي ذكر هذا التاريخ إشادة بما حققته هذه الدولة من نجاح في تصويب لأخطاء تاريخية ورثتها بلا ذنب أو جريرة تماما مثلما ورثنا كمصريين موروثات تاريخ طويل من التغييب وتجريف القيم والوطن وتزوير للتاريخ وهو ما تحاول القيادة المصرية الحالية تصويبه في الطريق نحو مستقبل أفضل .
يذكر أنه قد تم إنشاء المملكة العربية السعودية في 19 سبتمبر 1932 بصدور أمر ملكي بتوحيد البلاد تحت اسم "المملكة العربية السعودية" وذلك ابتداء من 23 سبتمبر 1932، بعد أن أستطاع (الإخواني الانتماء) عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود الاستيلاء على مدن مكة والمدينة المنورة والطائف وبسقوط جدة في 5 ديسمبر 1925م لتنتهي دولة الأشراف بالحجاز وتعلن المملكة السعودية الموحدة ، كانت حروب الحجاز قد بدأت قبلها بأكثر من مائة وثمانين عاما تقريبا في حدود عام 1750م وهو بدايات إنشاء الدولة السعودية الأولى تحت قيادة محمد بن سعود كسلطة سياسية ومحمد بن عبد الوهاب كسلطة دينية مدعومة بالمال والسلاح البريطاني كما تقول كتب التاريخ وأوراق المخابرات البريطانية ومذكرات مستر همفر وزير المستعمرات البريطانية ومذكرات حاييم وايزمان رئيس الكيان الصهيوني وناصر السعيد في كتابه (آل سعود) والتي تذكر تفاصيل وأحداث تكوين الدولة السعودية عبر مراحل ثلاثة حاول خلالها الأشراف في الحجاز ومحمد علي الوالي العثماني على مصر القضاء على الدولة السعودية الأولى عبر عدة حملات عسكرية نجحت في بداياتها ثم فشلت حتى نجح عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود في حسم الحرب لصالح المملكة الجديدة .
ولكننا عند ذكر حقائق التاريخ لن نحمل اللافتات ونهتف بحياة الحكام والملوك ولكننا نفتح مذكرات من صنعوا هذا التاريخ في أيامهم ونلقي الضوء على مصداقية الأحداث وصانعيها وما تم التخطيط له وما آلت إليه الأمور والأحداث ، ولن نقف عند ادعاءات كتاب ناصر السعيد أن (آل سعود) بأنهم ليسوا من القبائل العربية وأن أصولهم تعود إلى يهود المدينة فذلك تجديف لا دليل عليه من التاريخ ولكننا نقف عند قولة وينستون تشرشل الماسوني والمذكورة في مذكرات الرئيس الإسرائيلي الماسوني (حاييم وايزمان) ، والتي قال فيها تشرشل لحاييم وايزمان (أريد أن أرى ابن سعود سيدا على الشرق الأوسط وكبير كبراء هذا الشرق على أن يتفق معكم أولا - يامستر حاييم - ومتى تم هذا عليكم أن تأخذوا منه ما تريدون أخذه) ، ويستطرد وايزمان قوله أن تشرشل أخبره أن إنشاء الكيان السعودي هو مشروع بريطانيا الأول ليكون دعما للمشروع الثاني بعده وهو إنشاء الكيان الصهيوني بواسطة الكيان الأول السعودي) ، وهو الخيار البديل بعد رفض السلاطين العثمانيين منح فلسطين لتكون وطنا لليهود بإخراج الحجاز من عباءة الإمبراطورية العثمانية باسم السعودية ثم الحصول منها على موافقة بمنح فلسطين لليهود .
وهو كلام متوافق تماما مع ما أثبته العديد من المؤرخين من مختلف الجنسيات أن الإنجليز نجحوا في الحصول على وثيقة تاريخية محفوظة في وثائق المخابرات البريطانية وافق فيها الملك عبد العزيز آل سعود على منح اليهود فلسطين لتكون وطنا لهم وذلك قبل وعد بلفور وهذا نصه {أنا السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل السعود ، أقر وأعترف ألف مرة للسير (بيرسى كوكس) مندوب بريطانيا العظمى، بأنه لا مانع عندي من إعطاء فلسطين (للمساكين) اليهود (أو غيرهم)} .
ويقول مستر همفر وزير المستعمرات البريطانية في مذكراته بمنتهى الوضوح .. (بعد سنوات من العمل تمكنت الوزارة من جلب محمد بن سعود إلى جانبنا فأرسلوا (المخابرات البريطانية) إلي رسولا يبين لي ذلك ويظهر وجوب التعاون بين المحمدين فمن (محمد الوهابي ) ممثلا للدين ومن( محمد السعود ) للسلطة ، ليستولوا على قلوب الناس وأجسادهم ، ويستطرد مستر همفر في مذكراته بقوله (فان التاريخ قد اثبت أن الحكومات الدينية أكثر قوة ودوما واشد نفوذا وارهب جانبا) ، ثم يذكر هذا الوزير البريطاني في موقع آخر من كتابه بقوله { وكان( المحمدان ) يسيران على ما نضع لهما من الخطط). وبهذا فان بريطانيا قد جمعت للمحمدين السلطتين التشريعية والتنفيذية فقد كان محمد بن عبد الوهاب مشرعا ومحمد بن سعود منفذا } ويقول همفر {نجح محمد بن عبد الوهاب في إعلان دعوته بعد أن جمع أنصارا لا بأس بهم وقد اظهر الدعوة في سنة 1143 هجرية وقد قامت بريطانيا بتزويدهما أي (المحمدان) بالمال والسلاح فاخذوا يغرون الناس بالأموال لكي يتبعوهم وأما من يقاومهم أو يرفض معتقداتهم فان مصيره القتل ، وقد قاومتهم العشائر العربية ولكن لم يفلحوا لان هذه الحركة كانت مدعومة من بريطانيا واليهود بالأموال والأسلحة .
هذا مختصر سريع لإنشاء الكيان الديني الثاني كمملكة صنعتها الأصابع الماسونية في المخابرات البريطانية ووزارة المستعمرات البريطانية لتكون شوكة في قلب الإسلام والمسلمين خاصة وأنها هي قبلة المسلمين في العالم ومستقر أكبر المناسك الدينية للمسلمين عبر القرون ، ولذلك كانوا حريصين على نشر وحماية الوهابية بكل تشددها وعيوبها وسلبياتها وجعل الحجاز مقرا ومستقرا ومصدر إشعاعا دينيا للمسلمين في العالم أجمع .
ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين فبرغم عيوب وسلبيات التشدد الوهابي وما لا ننكره مما أصابنا كمسلمين عبر القرون الماضية من تفكك وهوان وبرغم ما يضخ من أموال ضخمة سنويا لنشر هذا المذهب إلا أن الوهابية التي صنعوها ونسوا أنها ملة مسلمة أفاقت لما يحاك للمسلمين فانقلب السحر على الساحر فلم يتم استكمال ما خططوا له وما كانوا يرجونه من فساد ودمار للمسلمين ، فعبر العقود الماضية وجهت السعودية صفعات كبيرة موجعة ومؤثرة للكيانات الماسونية كان أبرزها الموقف التاريخي للملك فيصل في حرب اكتوبر73 ، وموقف المغفور له الملك عبد الله أخيرا في تصحيح المسار العربي في مواجهة الجماعات الماسونية الإرهابية بعد ثورة 30 يونيو المصرية ثم مواقف الملك سلمان الأخيرة من استمرار العمل على وحدة العرب ولم الشمل ومواجهة الإرهاب ومساندة مصر والدول العربية رغم كل محاولات الوقيعة الماسونية الغربية الأمريكية .
ولا ننكر أن الأصابع الماسونية كانت وراء إنشاء السعودية من أجل الحصول على شرعية إنشاء الكيان الصهيوني (إسرائيل) وخطوة رئيسية للقضاء على هذا الدين السماوي الثالث في الترتيب بعد أن نجحوا مع اليهودية والمسيحية من قبل ، ولكنهم نسوا (أن الله أسرع مكرا) وأن الإسلام والمسلمين فيهم الخير إلى أن تقوم الساعة ، فرزقهم الله بقادة المملكة السعودية المسلمة (معقل الدين وقبلة المصلين ومجمع الحجاج وقدس أقداس المسلمين) ليلقنوهم عبر العقود الماضية وحتى اليوم دروسا قاسية في الولاء لله والدين والأمة والوطن فتحية لهم وعرفان بالجميل وتقديرا وافرا وجليلا لمواقفهم البطولية الرائعة ودعاء من القلب لله تعالى أن يجازيهم عن أمة المسلمين خير الجزاء .
ويبقى من الكيانات الدينية بعد ذلك الكيان الأخير وصناعة الماسونية والمخابرات الأمريكية والغربية والصهيونية ، وهو ما يطلقون عليه (الإمارة الإسلامية) ومترادفاتها من مسميات الدولة والخلافة والولايات وهو الرهان الأخير والمصيري للماسونية في الشرق الأوسط وهو ما سوف نتناوله لاحقا .



