الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

لست عالما ولا مفكرا ولا أدعي ، ولكنني صاحب عقل وقلم أجاهد نفسي بهما علني أستطيع الوصول لمستوى قدرتي على احترام نفسي أمام خالقي ورازقي ومن منحني فرصة زمنية للاشتراك في إعمار أرضه كخليفة له على بعض شيء منها ، أو هكذا هو مفهومي المتواضع لحكمة الله في خلقه للبشر ، وبالقطع لا أدعي أن الحياة وردية ولا هي أيضا مستحيلة في ظلال ما نعاصره من ترهل مجتمعي فكري وثقافي يشتمل جزء منها بالقطع على المعتقدات التي نسميها دينية وهي حديث الساعة وكل ساعة لأنها في النهاية الجزء المقدس والحاكم في تشكيل قيم ومواصفات طبائع النفوس وتعتبر قيمها خاصة جدا (شخصية) لدى كل شخص منا والتي تشكل في النهاية (دينه الخاص) .

 

وقد يواجه كل منا حالة من الترهل النفسي الفكري والثقافي في حياته لفترة أو مرحلة معينة أو ربما تلازمه معظم حياته ولكننا في النهاية نخضع جميعا لحدود عقل جمعي يسود المجتمع المحيط ويشكل الوعي المجتمعي خلال فترة زمنية محددة ، ولذلك عندما تهتز القيم في مجتمع وتختل موازين الفكر والثقافة وبالتالي المعتقدات والقيم فإن المجتمع يدخل في مرحلة الترهل المجتمعي الفكري والتي تتسم بالفوضى والعشوائية في معظم المستويات إن لم تكن جميعها بنسب متفاوتة ، وهو الحال الذي نعانيه جميعا في مصر منذ أكثر من عشر سنوات والتي بلغت ذروتها الخطيرة بوصول الإخوان للحكم وبدأـت مراحل التعافي الفعلية منها منذ شهور قليلة .

 

ولذلك فلا عجب مما نراه على الساحة المجتمعية فكريا من هرتلات تصل لحدود الكفر والإلحاد والفجور والانحراف المتباهي والفساد المتعجرف والحمق المتغابي خاصة في وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة سواء كانت مقصودة موجهة بحرفية وتآمر أو عفوية من نتاج الفوضى النفسية والفكرية للمجتمع عبر سنوات مضت ، حتى أننا أصبحنا معتادين على استقبال أخبار القتل والذبح والاغتيال والدم اليومية بمنتهى البرود والتبلد بل وربما السخرية والاستهزاء وإن كانت السخرية تعد وسيلة إيجابية لتجاوز التأثيرات السلبية على النفوس ، ونتيجة لهذا أصبحنا نقبل ببساطة وبلادة أي فجور وفساد وكوارث أخلاقية دون ردود أفعال منطقية لأنها في النهاية أقل بكثير مما اعتدنا عليه من استقبال إهدار الدم ببرود ولا مبالاة .

 

وفي ظل اعتياد مسلسل إهدار الدم ليل نهار فنحن نستقبل بمنتهى البساطة أخبار الشذوذ والدعارة والإدمان وتدني القيم والفساد وسوء الأخلاق ولا نملك معها أكثر من حروف نطلقها بالرفض أو حتى الجدال العقيم قد تنتهي بالاستهزاء أو الشجار ثم الصمت وتناسي ما يحدث في غمار متطلبات الحياة اليومية ، وهو ما يتعايش معه عامة الناس في محاولة وأمل أن ينتهي كل هذا في القريب أو البعيد ، ولسنا في محل استعراض كوارثنا الأخلاقية ولا النفسية بقدر ما نحن معنيون بفهم الحالة المصرية وما سوف تؤول له الأمور كتراتيب علمية وعملية منطقية تتوافق مع طبائعنا المصري الشديدة الخصوصية والمتفردة على هذا الكوكب المسمى بالأرض .

 

لا شك أن ما يحدث له سلبياته على قطاع عريض من المجتمع خاصة فئة الشباب المستعدة بفطرتها لاستقبال واستيعاب وإنتاج شكل جديد وتغيير واضح في الشخصية المصرية الكلاسيكية التي اعتدنا عليها لعقود أو قل قرون طويلة ، وأول المتغيرات التي قد تكون سلبية في نظر البعض هي سقوط القدسية للأبد ، وهو ما نعاني منه بضراوة في أيامنا هذه خاصة عندما تأخذ القدسية في منحدر سقوطها الكثير من حدود الاحترام للغير ومقدراته البديهية ، ولكنه عارض زمني سيتلاشى عبر سنوات قليلة قادمة عندما تستقر الأحوال المجتمعية أو حتى تتجاوزها النفوس .

 

كل هذا أمور طبيعية ونتائج منطقية ولكن دوما يصطدم العقل البشري بما هو خارج عن نطاق المنطق والفهم البسيط مثل مطالبة جهات مسئولة بعينها استدعاء عمالة أجنبية لتنفيذ بعض المشروعات ولدينا أكثر من 15 مليون شاب عاطل ويحملون مؤهلات متباينة ، وكأننا أمام عقول أو نفوس مغيبة أو فاقدة لقدرات الرؤية الإستراتيجية لموقعها المسئول أو تعاني من الانفصال العقلي والنفسي عن الواقع ، ذلك لو أحسنا الظن بهم ، وكذلك تصريحات فئة بعينها عن فشل السيسي والحكومة وانعدام الإنجازات وضرورة القيام بثورة أخرى لإسقاط الدولة والنظام وهو ما يعني لأي مواطن بسيط أن هناك خيانة فكرية وتعمد العبث بمقدرات وطن وشعب لتدمير وطنه لصالح من يسعى لجعل مصر كغيرها من البلدان التي تم تقسيمها وتدمير قدراتها وكيانها .

 

ولا ندعي جدلا انعدام السلبيات في قدرات وأساليب الحكم وإدارة البلد ، لأنه ليس من المنطقي اختفاء السلبيات خاصة وأن الكوادر البشرية والإمكانيات التي يستخدمها القائمون على الحكم معطوبة ومعيوبة بفكر عقود طويلة سابقة سواء بالفساد أو البيروقراطية أو بقايا تعمد الإفساد الإخواني والسلفي والجهادي المتفشي في بعض الفئات والمستويات وهو ما رأيناه عمليا في أسباب انقطاع الكهرباء ثم التآمر لتدمير الأبراج والمحطات وتفجيرات في المرافق العامة وحالات التسمم وحوادث الحريق والتخريب والتفجيرات فضلا عن عناصر عميلة في مختلف مجالات الحياة خاصة في الإعلام والتي تضخم كل السلبيات ولكنها أبدا لا ترى شيئا إيجابيا .

 

ولعل ما يدعوني لادعاء أن القادم أفضل وأن الغد سيكون مبشرا لا مرعبا كما يدعي البعض ، هو ما نتابعه من ردود أفعال العامة من الناس تجاه ما تعرضه وسائل الإعلام خاصة الفضائيات وأسلوب تناول هذه السلبيات والذي أدى في النهاية لسقوط الكثير من هذه المنابر والقنوات وفشلها في تحقيق الربحية المخططة لديها لانصراف المشاهد عنها ، فالمصري رغم كل سلبياته ورغم كل ما علق به خلال العقود الماضية ما زال من أذكى أنواع العقول الجمعية بين شعوب الأرض ويملك القدرة على تمييز الخبيث من الطيب ، فضلا عن رسوخ الكثير من القيم المقدسة والغير قابلة للاهتزاز عبر التاريخ ومهما كانت المؤثرات الوقتية قوية أو شرسة كالتي نعاني منها حاليا .

 

ولسنا في مقام مهاجمة أحد أو استعداء فئات بعينها ولكننا لا نستثني أحدا ولا فئة من وجود سلبيات قاتمة ومؤثرة في كل فئات ومستويات الشعب ولا يستطيع أحد إنكارها خاصة وأنها في النهاية ترسم ملامح قدرته على الإنجاز والتطور وفي هذا الإطار لابد وأن نوجه تحية احترام وإعزاز وتقدير لمؤسسة مثل القوات المسلحة لأنها بداية كانت وما تزال خط الدفاع الأخير والضمانة الوحيدة القوية التي استندت عليها مصر ومنعت سقوطها كغيرها من الأمم ، وثانيا وهو الأهم كانت وما تزال الركيزة الأمنية والاقتصادية والعلمية والعملية الأقوى على الإطلاق وأثبتت أنها الوحيدة القادرة على قيادة وإدارة عجلة التنمية المجتمعية خاصة في المجالات الاقتصادية والأمنية ، ولابد أن نعترف أنه قد آن الأوان الحرج لتراجع كل مؤسسة (بلا استثناء) نفسها جيدا وبأمانة وتقوم أساليبها وإمكانياتها وتعيد هيكلة نفسها بنفسها قبل أن يفاجأ البعض بتغييرات جذرية مؤلمة لن يفلت من حسابها مقصرا أو مهملا أو مفسدا وسيلحق العار بكل من تخاذل وأهمل أو تآمر أو حتى تغابى على وطنه في وقت بالغ الخطورة والحساسية لا يحتمل المكابرة ولا استمرار استخدام نفس أساليب التغطية والمراوغة والتضليل والاستماتة في الاستمرار على كراسي السلطة بأي ثمن مثلما نرى ونتابع ونعاني في الكثير من المؤسسات حتى السيادية منها.

 

أخيرا .. لا شك أن القائمون على الحكم يعلمون مواطن الضعف والقوة بوضوح سواء المادية منها أو والمجتمعية وهو ما فرض عليهم التحلي بمزيد من الصبر وغض الطرف عن معظم التجاوزات التي اعتادها شعب لعقود طويلة محاولا التنبيه للجميع بخطورة الموقف وأهمية المبادرة بالتغيير ، ولكن ما لابد ألا ننساه أو نتغافل عنه أن لكل صبر حدود ولكل فرصة نهاية وحتما هناك نهايات قد اقتربت حدودها ونهايات قد حانت ساعتها وأخرى لديها فرصة لتنفض عنها غبار الأساليب القديمة البالية والمستهلكة والمتسمة بمحاولات التضليل والهروب من المسئولية بمخططات التطوير الهلامية المتشدقة والمؤيدة بآلاف المذكرات وتقارير النجاح الإعلامية في إطار ما اعتادوه سابقا من فكر متهتك يخضع لفكر (كله تمام يا فندم .. وأحلامكم أوامر) ، بلا نتيجة ملموسة على أرض الواقع أكثر من عناوين ضخمة ورنانة وواعدة تنتهي (مثلا) بمنتج صيني (100%) حتى العلامة التجارية المطبوعة عليه .

 

تحية تقدير واحترام لهذا الشعب الصبور والواعي ليست نابعة من فخري بكوني مصريا للنخاع ولكنها نابعة من تفاصيل تقارير مركز ستانفورد للدراسات الإستراتيجية التابع للإدارة الأمريكية والمعاون للمخابرات المركزية ، والتي تؤكد أن الركيزة الأساسية التي تنسف تماما إمكانية تنفيذ أي عمل عسكري ضد مصر هي القدرات النفسية والمجتمعية وارتفاع مستوى الوعي الجمعي للشعب المصري والتي سوف تكون السبب الوحيد لخسارة أية دولة تفكر في الاعتداء على مصر ، وهو ما يدعو لأهمية التقرب والتقارب مع الدولة المصرية وإعادة دراسة الشعب المصري بدقة في إطار ما فاجئنا به خلال السنوات الأربع الماضية من ردود أفعال أسقطت كل مخططات الهيمنة والسيطرة التي نجحت مع جميع الأمم قبلهم .

 

تم نسخ الرابط