بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
إذا كان معنى الإستراتيجية المطلق هو تخطيط الأعمال المستقبلية لتحقيق هدف بعينه بعد فترة زمنية محددة ، فلا شك أن قليلا من البشر من يديرون حياتهم بإستراتيجية وقليل من هذا القليل من يعرفون معنى الإستراتيجية وندرة قليلة من هؤلاء من يستطيعون توجيه غيرهم لإستراتيجية مستهدفة ، وليس عجيبا ولا غريبا على البشر أن يكون هناك من يظنون أنهم يتحكمون في حركة الحياة لبشر بعينهم رغم اصطباغها بالعشوائية والفوضى كنتيجة لتخطيط قاصر عن فهم طبيعة وردود أفعال من يخططون له حركة حياته .
فالبشر هم البشر تغلبهم أهوائهم دوما عند التخطيط لهدف فيصدقون خداع نفوسهم في إطار رغبتهم الملحة لسرعة إنجاز المستهدف فيهملون بعض التفاصيل أو تنحرف بهم العراقيل وقد يضطرون للتغافل عن خطوات وإجراءات وربما عن استعداد البشر وتقبلهم لما ينفذونه من خطوات للتسريع من نفاذ المخطط ، وهو كمثال ما ظهر جليا في تعجل الماسونية والمتمثلة في الإدارة الأمريكية بوضع ذراعهم الأجوف (الإخوان) على عرش مصر ، والإسراع ببيع واقتطاع أجزاء من مصر في شهور قليلة وإدخال مقاتلين القاعدة لسيناء بكثافة غير مسبوقة والإعداد لإعلان الإمارة الإسلامية في سيناء ، وهو ما كان سببا في سقوط المخطط كاملا وتراجعه ربما للمربع صفر بالنسبة للمنطقة كاملة .
ولا شك بالطبع في أن كم الأسرار المفصح عنها والتي أعقبت سقوط الإخوان كان ضخما ومهولا ومفجعا للكثيرين لدرجة عدم القدرة على الاستيعاب وربما التصديق ، ولا شك أيضا أن حجم الأكاذيب والمغالطات وخلط الأوراق ما زال كبيرا ومخلوطا بحقائق يصعب تكذيبها خاصة في الاتهامات وإلقاء التبعات على بشر أو جهات بعينها ، وهو ما يحاول بعض العقلاء فك طلاسمها وتجميع الصورة الأكثر وضوحا للحقائق ، هي مهمة صعبة وربما يستحيل في جوانبها لاحتراف البشر للضلال منذ أول خطواتهم على الأرض وحتى يومنا هذا .
ولكن دوما تبقى متعة حل ألغاز أحاجيات (تجميع أجزاء الصور) هي عنوان محاولات الفهم لما يدور حولنا في العالم ومدى ارتباطاته بما يدور في منطقة الشرق الأوسط ومصرنا على وجه الخصوص ، حيث أن هذا البلد هو قلب الشرق ومهد حضاراته رغم أنف كل محتج أو رافض ، وإلا فلماذا تسعى كل القوى الكبرى عسكريا واقتصاديا منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا للحصول على تواجد فيها أو تقارب منها رغم أنها كما يدعي البعض تعاني مظاهر وأعراض الانهيار الاقتصادي والتفكك المجتمعي والفكري والثقافي والديني وتحتاج لمعجزات لتستعيد قدراتها على النهوض والتقدم .
ومن المسلم به أن استراتيجيات القوى الكبرى في العالم لا تخلو من الكيان المصري في حساباتها الإستراتيجية بأي حال من الأحوال وتظهر علاماته في استقبال تاريخي للرئيس المصري في الصين ، وزيارة رئيس وزراء اليابان وحفاوته بمصر وشعبها وقدراتها التي يرى أنها عملاقة ومبشرة وواعدة على حد قوله ، ثم زيارات تاريخية متبادلة مع روسيا وزعيمها الدب القطبي بوتين ، وزيارات رئاسية مصرية لفرنسا وإيطاليا وأسبانيا وخطاب تاريخي يلقى الاهتمام الدولي في الأمم المتحدة للرئيس المصري ، وإصرار صقور مجلس الأمن القومي للقاء السيسي في أمريكا وإجبارهم لأوباما لطلب لقاء السيسي وجلوسه معه على طاولة واحدة ، تنتهي بطلب لدعوة السيسي لإلقاء كلمته في الكونجرس فهل كل هذا لا يؤكد عمق الوجود المصري في استراتيجيات دول العالم الكبرى وأهميتها فضلا عن الثقل الشخصي والسياسي للرئيس السيسي والذي يتزايد باضطراد يوما بعد يوم .
ولا شك أيضا أن الرئيس المصري قد نجح بتفوق حتى الآن في صناعة واجهة مشرفة على صعيد السياسة الخارجية وهو ما لا يستطيع ألد أعدائه إنكاره أو تجاهله وهو عمل يحسب له باستعادته ما فقدته مصر عبر شهور المعزول مرسي وكذا عبر عقود ركود واضمحلال سبقته كنا نعتقد أننا قد لا نستعيد هذه المكانة إقليميا ودوليا قبل عقود قادمة في أقل تقدير ، حتى أنه من أعاجيب القدر أن ترى الرئيس الفرنسي والرئيس الأمريكي يطلبان تفويضا لمحاربة الإرهاب وينتهجون نفس الأسلوب الذي سنه عبد الفتاح السيسي وهو وزيرا للدفاع رغم أنهم كانوا أول المنتقدين والرافضين لشرعية هذا النهج حينها ، وهو ما عيرتهما به الصحافة الأمريكية والفرنسية والبريطانية بل وصرحت علانية أن هذا الجنرال المصري كان أكثر فهما واستقراء للمستقبل وصناعة الإستراتيجية منهم .
ولا نستطيع التغافل عما يدور خلف الكواليس من مخططات تكتيكية متآمرة تحاول تحقيق أية مكاسب من الإستراتيجية التي تبدو قد سقطت في هوة سحيقة تزداد عمقا يوما بعد يوم ، فلم تتنازل الإدارة الأمريكية ومعها بعض القوى الغربية عن أوهامها في محاولات زعزعة الاستقرار المصري سواء بتدبير ورعاية اجتماعات التنظيم الدولي وتخطيط ما أسموه بمخطط (خنق السيسي) ، واستخدام فلول الإخوان لإنهاك الدولة من الداخل بالأعمال الإرهابية وتعطيل الأعمال والمشروعات والترويج لثورات مزعومة متكررة ، واستخدام بعض العملاء من النشطاء والمحروقين سياسيا وبعض الإعلاميين لخلخلة الرأي العام وبث السموم في العقول والنفوس كمحاولات البعض انتقاد الدولة وخطواتها بأسلوب الهدم والتشكيك والعبث بالشرعية مرة أخرى ، فضلا عن المحاولة المعيبة لقوى الغرب للعودة بالعجلة للخلف بمطالبات بالإفراج عن مجرمي الإخوان في السجون على أنهم نشطاء رأي سياسي وتجاهل تورطهم في أعمال إرهابية وإجرامية ثابتة وموثقة ولا سلطان إلا للقضاء في الحكم عليهم .
وعلى الصعيد الداخلي لا تخلو الأحوال العامة من صراعات خفية بل ومؤامرات متدنية لبعض رجال الأعمال والسياسة وبعضها يكاد يكون معلنا على استحياء خاصة بين بعض رجال الأعمال وبعض كبار رجال الدولة السابقين والطامعين في مكان تحت الشمس دون تكلفة أو عناء الاهتمام بمصالح وطن ، وفيما يبدو أن البرلمان القادم لن يدين لجبهة بالأغلبية بل وربما لا يكون له الثقل المرتقب أو يستمر طويلا وهو ما يقلق الكثيرين ممن بنوا أحلامهم وأوهامهم على قدرتهم على إسقاط الدولة أو تطويعها أو حتى تهديد شرعية السيسي من خلال البرلمان ، والبعض ما زال مصرا على اللعب بقوانينه التي ثبت أنها لا تجوز ولن يقبلها منه أحد كحزب النور الذي يراهن على حصانه الخاسر فيتحدث عن رعايته للشريعة ويظن أن الخدعة ستنطلي على هذا الشعب مرة أخرى ، فضلا عن معارك سوف تصيبهم في مقتل وتتمثل في وجوب تنقيح وتصحيح الخطاب الديني ومناهج الأزهر والتي دخلت منعطفا لا رجعة منه بتوجيهات الرئيس التي حملت تحذيرا شديد اللهجة في حديثه الأخير بإضافة المفكرين للمطالبين بتصحيح الخطاب الديني وهو ما يعني إهدار الأزهر لفرصته الذهبية ليكون الرائد في تقويم وتصحيح مساره .
وتمتلئ الساحة المصرية بخطوات تنفيذ مخططات التآمر الإعلامي لإنهاك العقول وتكسير عظام الفكر والقيم والولاء سواء بتسليط الضوء على كل سلبيات المجتمع وتضخيمها وتصويرها على أنها ظاهرة أو أصبحت عادات شعب كالمخدرات والدعارة والفساد والانحراف والشذوذ والخيانة والقتل والفشل والرقص والعري والعشق ولا مكان لنجاح أو التزام أو فضيلة ، فضلا على تسليط الضوء وتضخيم أخطاء السلطة التنفيذية مع التجاهل التام والصارخ لكل إنجاز أو نجاح حتى أننا شبعنا حديثا ونقاشا حول سيدة المطار وتفاصيل حياتها الدقيقة ولكننا لم نسمع عن فوز الفريق المصري ببطولة العالم لكمال الأجسام ولا سمعنا عن فوز مصريين بمسابقة العلوم الدولية ولا المركز الأول على مستوى العالم في حفظ القرآن الكريم وغير ذلك الكثير ويوميا ولكننا لا نسمع من الإعلام سوى البذيء والمقزز حتى أطلق عليه العامة ونشطاء التواصل الاجتماعي لقب (إعلام العار) وهو أقل كثيرا مما يستحقه .
كل هذا يعد منطقيا .. ونتائج أقل من المنتظرة لتداعيات فوضى الثورة وتجريف المجتمع قبلها لأكثر من ثلاثة عقود ، بل إنني أدعي أن كل هذا أقل بكثير من أي سلبيات كانت متوقعة تحت أي حسابات علمية ومنطقية وهو ما أذهل وألجم عتاة الماسونية في العالم خاصة في الغرب وأمريكا ومن وراءهم إسرائيل وكل أذنابهم دوليا وإقليميا ولكنه أصابهم بالسعار لتدمير هذا المارد الذي استيقظ فجأة ليلعن لهم بداية النهاية لكل أطماعهم وأحلامهم في الشرق الأوسط وهو ما نجني ثماره يوميا بدماء شهداءنا في كل مكان وهو ما يقترب من نهايته والذي يتطلب منا جميعا أن نكون على مستوى الأمانة والمسئولية ونجنب أهواءنا الشخصية والتعصبية ونتنازل عن الحمق النفسي لتكون إستراتيجية الوطن أول وأبقى .. وأولى من إستراتيجياتنا الفردية ، ليكون الحلم بمستقبل أبناءنا المشرف في العالم هي ما يحركنا لنعلي مصلحة وطن .. لابد سنسأل عنه أمام الله قريبا .. بل ربما .. أقرب من شراك نعل أحدنا ..
أخيرا دعاء لهذا الرجل الحليم الذي يتحمل سخافاتنا وتداعيات عقود بائدة نفسية ومادية ولا يطلب منا إلا أن نبذل المزيد من الجهد مع المزيد من استخدام العقول وتحكيمها مع فائض من الأمانة والصدق مع النفس ، دعاء له أن يعينه من ولاه علينا ويجعل منه فاتحة خير وسلام ورخاء على هذا الوطن .



