بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
عزيزي الإنسان .. هل أنت مخترق فكريا ؟؟ ، وكيف تعرف ذلك ؟؟ وإذا عرفت فكيف تحدد نوعية الاختراق ومداه وكيف تعالج هذا الاختراق نفسيا وماديا وعائليا ثم مجتمعيا لو لزم الأمر ؟؟ سؤال حرج هاجمني فسألته لنفسي في زخم مراجعتي لفكر التطرف ودراستي للواقع المصري وتأملاتي لأحوال مجتمعنا المصري صاحب الخصوصية الشديدة والمتفردة ، والاختراق الذي نعنيه هنا هو الاختراق الاستراتيجي للشخص والذي يعني فقدان الشخص للاتجاه الصحيح والهدف والفائدة الحقيقية من حياته ، بمعنى أن كثيرا من البشر قد يحيا حياته مخترقا كليا فهو لا يعرف لنفسه هدفا في الحياة سوى أن يحيا يأكل ويشرب ويستمتع بلا هدف من حياته إلاها مجموعة رغبات وقتية لا تزيد كثيرا عن شهوات مخلوق آخر في عالم الطيور والحيوانات وفي سبيل هذا فهو يعمل ويخطط دوما لمزيد من المكاسب المادية وربما النفسية من البشر والحياة حوله ليزيد من معدلات متعته وإشباع رغباته وشهواته .
وقد يكون الاختراق كليا مدمرا بمعنى اختلاف الهدف الذي يحيا من أجله عن الهدف الجمعي للبشر تماما مثل المتطرفين وأعضاء الجماعات الدينية أو عبدة الشيطان أو السياسية العميلة لحساب آخر غير وطنه وأهله ، وهذا النوع يكون فكره الأساسي ويقينه النفسي قد تم السيطرة عليه وتغييره لصالح دولة أو هيئة أو جماعة تشكل المرجعية ككيان بعينه في قرارة نفسه فلا يستطيع أو لا يرغب في الفكاك منها سواء لضعفه أو خوفا من فقدان مميزات الانتماء والولاء وربما نتيجة تعتيما نفسيا وعقليا كاملا قد غطى عقله فأصبح مثل رئيس وزراء دولة يسجد للبقرة ويقبل حوافرها أو يستيقظ مبكرا ليسجد للشمس لحظة شروقها .
ولا عجب فيما نقول .. فكم من الضلال يرزح تحت وطأته ملايين من البشر سعداء بخضوعهم أو مستسلمين لسطوته وربما مستمتعين بالخنوع له حتى اعتادوه فأصبح جزءا لا يتجزأ من كياناتهم وأركان نفوسهم ، بل وبعضهم لديه الاستعداد للقتل وإرهاب غيره لو خالفه الرأي أو بدا منه ما يؤثر على مكاسبه من وراء هذا الهراء أو الضلال ، وهذا هو ما يعانيه المجتمع المصري بكل بساطة من سيطرة فكر الإرهاب على فئة بعينها من ضحايا تجار الدين من شبابنا وشيوخنا بل وأطفال في عمر الزهور ، ولذلك أضم صوتي لكل من ينادي بضرورة وضع إستراتيجية متكاملة للتخلص من هذا الوهم القاتل المخترق لعقول ونفوس البشر عامتهم وخاصتهم في مجتمعنا دون استثناء ما بين جاهل ومتعلم ، بل على العكس تماما أكثر ضحايا التطرف يكونون من أصحاب الدرجات العلمية العالية والمنقطعين لنوع واحد من العلم واتجاهات الحياة ، وهو ما رأيناه في كم أساتذة الجامعات المنتمين لبيئة التطرف حتى رأينا (بخلاف مرسي العياط) ، أستاذا للعلوم السياسية يقول (قل هو السيسي أحد) ويعلل هذا برغبته في التهكم على من يؤيدون السيسي ، غافلا أن هذا يوضح مدى حمق الجهل وتعنته وسفاهة فهمه لأصول العقيدة والدين بل والفكر الراقي المتحضر كأستاذا جامعيا يربي أجيال من البشر .
ولعل هذا ما يشير إلى أن معظم ضحايا الاختراق الفكري وهوسه ممن يتمتعون بقدور عالية من الجهل الثقافي حتى وإن كانوا أساتذة علم وبارعين في مجالاتهم المتنوعة والمختلفة ولكنهم لا يملكون الحد الأدنى من الثقافة الإنسانية التي تحافظ على الفطرة السليمة لصاحبها فلا يخترق فكريا أو على الأقل لا يكون اختراقه النفسي والفكري عميقا بما يعصف بصاحبه ويحيله لمستويات (الحمار يحمل أسفارا) ، بغض النظر تماما عمن يخون نفسه وهو يعلم ويخدع ويخادع ويمكر من أجل تحقيق أهداف مادية يستبيح من أجلها سحق أية مبادئ وقيم للدين والأخلاق .
ولكن .. كيف يعرف الإنسان أنه مخترق فكريا أومضلل .. ؟؟ ، هناك أركان أساسية للنفس البشرية لو توافرت لكانت حصنا ووقاية من السقوط في الضلال الفكري والنفسي ولو سقطت هذه الأركان لأصبح الشخص مخترق لحد التدمير الفكري والنفسي ، وكلما قل عدد الأركان النفسية المهتزة أو المفقودة في شخص كلما كان حد الاختراق أقل ، وهذه الأركان النفسية هي المسئولة عن حالات الحيرة والتردد في اتخاذ موقف واضح أو تكوين رأي ثابت في مشكلة أو موضوع معين خاصة لو كان الموضوع يخص المجتمع حوله تماما مثل حيرة الكثيرين بين التأييد والتعاطف والإنكار والرفض لمنطق تجار الدين ودعاة الإرهاب باسم الدين أو حتى لفترة حكم مبارك ، وهذه الحالة النفسية متفشية ومنتشرة كثيرا في جميع فئات ومستويات المجتمع بسبب اهتزاز الأركان الأساسية للنفوس وبالتالي لا تخلو هذه النفوس من قدور متفاوتة من الاختراق والتضليل .
أركان النفس البشرية في إيجاز عددها سبعة ولكننا سنتعرض للأركان الثلاثة الأساسية وهي الحد الأدنى لضمان استقرار ووضح الرؤى للنفس البشرية ، والركن الأول وهو (وضوح المفاهيم) أما الركن الثاني فهو (الأمانة الذاتية) والركن الثالث وهو (الذكاء النفسي) .
أما عن الركن الأول (وضوح المفاهيم) فهو ما نعني بها وضوح واستقرار معان المفاهيم الإنسانية الأساسية في النفس دون تردد أو جدال نفسي يمثل صراعا خفيا فيسبب الكثير من فقدان الإتجاه والارتباك والحيرة والتردد وأول هذه المفاهيم هو مفهوم الشخص عن الله (قدره وقدسيته وقدرته) وحقيقة العلاقة به وأسلوبها ، ثم مفهومه عن البشر وقدورهم بين خلق الله ثم مفهومه عن الهدف من حياة البشر ثم هدفه الشخصي من حياته في إطار البشر ثم معنى الدين ومعتقداته الأساسية تجاه الحياة والبشر والتي تشكل دينه الخاص به وهي مفاهيم تزرع في نفسه عبر عمره كاملا وتتغير وتتبدل تبعا لحجم الثقافة والخبرة في الحياة ، ويمكن إيجاز أبرز المفاهم الأساسية في (الله – الهدف من وجود الإنسان على الأرض - الدين – الأخلاق – الحدود – الفروض – الخير – الإثم – المتعة – السعادة – النجاح – الرضا وحدوده في نفسه) .
ولا شك أننا نعيش فوضى اختلاف مفاهيم البشر عن (الله) حتى صدق فينا قول أحد المتهكمين (كل واحد ربنا بتاعه على مزاجه) ، فمثلا .. بعض جماعات الصوفية يعتقدون أن الله منح تفويضا لأميرهم أن يدير حياتهم ويغفر لهم الذنوب ويساعدهم ليستجيب الله لدعائهم ، ولديه القدرات الخارقة التي منحها الله له فوق البشر والتي يستحق عليها التبجيل وتقبيل الأيدي والأرجل وملايين التبرعات والتبركات ، والأغرب أن تجد بين يديه جالسا عند قدميه في حضرته مئات من المريدين ومنهم القاضي والضابط والمهندس والطبيب والوزير ، وعلى الطرف الآخر أمير جماعة سلفية كان راسبا في الإعدادية وما زال لا يجيد القراءة ولا الكتابة ولكنه نجح في تربية لحية تصل حتى ركبتيه وزبيبة صلاة في حجم البرتقالة ويحكم بالحديد والنهار بين تابعيه ومريديه ، والآخر شيعيا يخفي تشيعه ولكنك تفاجا به يسجد عند أعتاب مقام الحسين بعد عشاء الجمعة ومتمسحا يبكي متعلقا بأستار المقام ، وابسط من كل هذا وذاك هو أمثال صاحبنا الذي لا يتورع عن فعل كل الموبقات في الدنيا ولكنه معتاد على غسل كل هذه الذنوب سنويا بحجة وعمرتين يعود من كل منها كما ولدته أمه (كما يدعي) ليبدأ عمر الفسوق من جديد .
فمفهوم الإنسان عن الله أيا كان دينه وملته وانتمائه يعتبر مفتاحا لكل مفاهيمه الأخرى فالإنسان بفطرته يميل أن يكون له مرجعا ورمزا مقدسا يعود إليه خاصة في شدته ومواقف حياته ، ولذلك يعد المفهوم الخاطيء عن الله هو أخطر ما يمكن أن يضلل الإنسان حتى قال الله في عباده الكافرين والفاسقين ومن سخط عليهم {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }الحج74 ، فإدراك معاني صفات الله وقدرته تختلف كثيرا من شخص لآخر ، ولذلك يعد مفهوم (الله) هو أهم مفهوم لابد وأن يكون موحدا وراسخا في نفس الإنسان ومتوافقا مع قول الله تعالى عن ذاته العليا {... لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }الشورى11، وبالتالي فلا يصح أن ننزلق لما يقع فيه الغالبية العظمى من البشر فيقيسون أوامر الله ونواهيه وأفعاله وحسابه بمقاييسهم وحساباتهم الشخصية وهو ما يقع فيه أكثر رجال الدين والدعاة والأئمة متتبعين أثر وتفاسير وتخيلات أصحاب كتب التراث والسيرة والفقه والشريعة السابقين حتى صنعوا دينا مختلفا عما يقوله رب العزة في قرآنه فاختلفت كل المفاهيم واختلت ونتج عنه على سبيل المثال لا الحصر ما نراه من تفشي الإرهاب والقتل والعداء بين بني البشر .
وأبسط من كل هذا ما نراه من معظمنا في سلوكياتنا أو تعليقنا على بعض الأفعال والأقوال مثل قول (والله لن يغفر الله لك) .. ( ربنا سيفعل بك كذا وكذا) وابسط منه قولنا المتكرر عند كل ما لا يعجبنا (ده حتى حرام) ، بل يصل بنا الأمر لسلوكياتنا مع أنفسنا خاصة عندما نفعل أشياء أو فروضا ونوافل لوجه الله كالصدقات أو الزكاة أو حتى الأضحية والصيام وغيرها ، ترانا نقيس رضا الله بما يرضينا نحن وكل منا على قدر تعقيدات نفسه حتى يسألك أحدهم قائلا ( وتفتكر ربنا هيقبل منك ده) ، بل والبعض مثلا يقول لك (خلي بتاع ربنا لربنا وخلينا احنا في حالنا مع بعض) ولذلك فالاختلافات والتباينات في مفهوم الله في نفوس البشر تختلف كثيرا عن المفهوم السوي الذي علمنا إيه في كتبه السماوية وآخرها القرآن ، نتجت عن سوء استخدام البشر لهبة القجرة على الإتيان بالجديد (ملكة الإبداع) والتي منحها الله للبشر ليعمروا بها أرضه فاستخدموها بحماقة في تزوير المفاهيم ووضع بصمتهم الجاهلة حتى على فهمهم وتقديرهم لله خالقهم .
وبالتالي فالمفهوم السوي عن الله وهو أن الله هو إله ورب لجميع البشر مسلمهم وكافرهم ومشركهم فهم جميعا خلقه وعياله ، ويحبهم جميعا بقدور متساوية ويمنحهم جميعا فرصا لتنفيذ المهمة التي خلقهم من أجلها وهي إعمار الأرض كخليفة له سبحانه عليها والتعرف عليه والتقرب منه ليستقيموا في آداء هذه المهمة ، وأن كل منا سيحاسب بين يدي الله وحده منفردا على قدر معطياته وظروفه (فسبحانه .. له في خلقه شئون) ، وهو سبحانه يراهم ويسمعهم جميعا وأقرب إليهم من نفوسهم ، وليس بينه وبين عباده وساطة ولا حجاب فهو يستجيب (لمن يدعوه) دون تفرقة بين مؤمن وكافر { ... فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ... }البقرة186 .
ولذلك عندما اختلف المفهوم لدى البعض مثلما حدث منذ قرون بعيدة رأينا من يقول نحن أبناء الله وأحباؤه وتلاهم المسلمين فقالوا نحن أولياء الله وأحباؤه ولن يدخل الجنة غيرنا فهي لنا دون غيرنا ولن تمسنا النار إلا أياما معدودة ، وأبسط من هذا وذاك ما يتعرض له معظمنا عند ارتكاب ذنب ، فسرعان ما تجد شخص يدعي أن الله سوف يفعل بك كذا وكذا ، وكأن المدعي قد أوتي السلطة على حسابك فأصدر حكمه وحدد العقاب والثواب ، وهو ما يتطور لدى البعض ليكون وهما قاتلا بأنه سيف الله في الأرض فيحاسبك ويعاقبك وهي حالة متفشية بين المتشددين في كل الأديان لاختلاط وضلال المفاهيم .
ولعل أهم المفاهيم التي تلي مفهوم (الله) وتبنى عليه هي مفاهيم الهدف من حياة الإنسان في الدنيا ، ومفهوم العمل الصالح ثم مفهوم الدين وعلاقته بالفروض والمناسك ومفهوم الأخلاق والحدود ثم معنى الخير والبر والإثم والمتعة والسعادة والنجاح وحدود الرضا ... وهو ما سوف نتناوله لاحقا ...



