الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

توقفنا سابقا عند مفهوم (الله) في نفوس البشر واستعرضنا التفاوت الكبير فيما بينهم وقلنا أن هذا المفهوم يعتبر الأساس الذي يبنى عليه باقي المفاهيم الأساسية لأنه بالفطرة البسيطة يرى الإنسان في نفسه صورة لربه على الأرض فلو كانت أقرب صفات الله لنفسه هي كونه كريما رحيما ودودا فسيكون هو كذلك بغيره من البشر ولو وقر في نفسه أن ربه جبار منتقم شديد العقاب فقط فسيكون هو كذلك مع غيره وهو ما نراه من المتشددين في تجهمهم وعدوانيتهم تجاه البشر وأحكامهم المطلقة التي يفرضونها عليهم .

وننتقل لمفهوم الهدف من الحياة والتي هي في الأصل (إعمار الأرض كخليفة لله عليها) وهي المهمة التي استحق عليها بني آدم أن تسجد لهم الملائكة إجلالا واحتراما لمن سيمثل الله ويعمر جزءا من كونه هو الأرض ، وبالتالي فصاحب الأرض وخالقها وخالق الإنسان يعلم أنه لن يستقيم إلا بوجود الحدود والفروض ، فالحدود أمر بها صاحبها لأنها أعلم بما يصلح به وجه الحياة على الأرض والفروض ما هي إلا ضمانات لاستقامة ابن آدم في إعمار الأرض ، ولكن .. هذا المفهوم قد تم تحريفه كليا .. حتى أصبح لدى الفئة الأولى وهي تشكل الغالبية هو إعمار الأرض لراحة ورفاهية حياة البشر عليها ولا حياة بعدها ، وبالتالي فمن حق ابن آدم أن يصنع لنفسه قوانينه وحدوده التي يتفقون عليها فسقطت بينهم الحدود التي تحفظ لهم الحياة القوية السليمة نفسيا وجسديا وأصبح ابن آدم قيمته في فائدته وما يملك من مطلوبات غيره كالمال والسلطة والجمال (ومن لا يملك لا يساوي) ، أما الفئة الثانية فهم من ادعوا أنهم خاصة الله (ابناؤه وأحباؤه عند اليهود والنصارى أو أولياؤه وأحباؤه عند المسلمين) ومهمتهم الوحيدة هي التقرب لله والمبالغة في الفروض والمناسك ولإصباغ القدسية على ضلالهم وبهتانهم أطلقوا على الفروض والمناسك مسمى (العبادات) وادعوا كذبا وزورا وبهتانا أن من أدى هذه الفروض والمناسك فقد أدى مهمة العبودية والعبادة لله وله الجنة وباقي البشر غيرهم هم كفرة وفسقة ولهم جهنم والعذاب المقيم .

وكانت النتيجة المعروفة لتزوير المهمة والهدف من خلق الإنسان هو سقوط ابن آدم في كلا الجانبين فمن يعمرون الدنيا لحسابهم يعانون من مختلف الأمراض الاجتماعية والجرائم في حق البشرية وتحولت مجتمعاتهم لغابة ظاهرها جميل وحقيقتها مرعبة وعلى الجانب الآخر من يدعون أنهم خاصة الله وأولياؤه وأحبابه بحثا عن الراحة والمتعة دون عناء أصبحت بلادهم متخلفة وقذرة وساءت أحوالهم وأساليب معيشتهم حتى ولو كانوا أغنياء ولكنهم مثال للجهل والتخلف وصاروا عبيدا لمن يرون أنهم كفرة ومشركين لحاجاتهم لما وصلوا إليه من رقي في أساليب الحياة بل وأحيانا للغذاء نفسه ، ولو أنهم كمسلمين مثلا عادوا لمفهوم مهمة الإعمار للأرض لعادوا سادة الدنيا بالعلم والعمل كما كانوا قديما روادا بالعلم والكد وإعمار الأرض .

وأخطر من ذلك أن من يدعون أنهم خاصة الله وأولياؤه قد تفرغوا لما يسمونه العلوم الدينية والتي لا تشكل أكثر من (3%) من إجمالي علوم الله التي ذكرها في القرآن حيث لا تتجاوز عدد آيات الحدود والفروض (190) آية من إجمالي أكثر من (6500) آية ، ولكنهم تركوا كل العلوم وتفرغوا ليدققوا ويشددوا في الحدود والفروض أكثر مما فرض الله عليهم تنطعا وشركا بالله في قيوميته رغم أن الله نبه لهذا بقوله لهم (قل أتعلمون الله بدينكم) وقوله تعالى (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) ولكنهم تحامقوا حتى مع الله ومارسوا التشدد وفرضوه حتى أفسد عليهم حياتهم فاستحلوا لأنفسهم ما يشاءون من محرم بالفتاوى كما رأينا من دعاة السلفية والإخوان والجهاديين الذين بلغ بهم الفجور باستحلال الزنا ونكاح المحارم تحت مسميات (نكاح الجهاد) واستباحوا دماء من يخالفهم وإفساد وتدمير البلاد والعباد ، فخسروا الفروض والمناسك ودمروا الحدود كما أهدروا المهمة من قبلها ، فلا حجة ولا وزن لهم في الدنيا ولا في الآخرة (هانوا على الله فجعلهم كغثاء السيل في الدنيا) ويوم القيامة يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون .

وليتهم انتبهوا لمعان القرآن الذي ربط ذكر الإيمان دوما بالعمل الصالح وهو (ما يصلح به وجه الدنيا والعباد) ، وليتهم انتبهوا لأمر رسولهم بطلب العلم ولو في الصين وهو بالقطع ليس علوم القرآن ولا السنة ولكنها علوم إعمار الدنيا ، وليتهم انتبهوا لتوجيه وعتاب رسول الله للعابد المنقطع في مسجد رسول الله للصلاة والصيام عندما سأله (من يعولك) فقال أخي يحتطب ويعولني فقال له رسول الله عبارة في قمة البلاغة والفصاحة والبيان .. (أخاك أعبد منك) ، أي أن أخاه الذي يعمل ويعوله يؤدي العبادات (مهمة العبودية لله) أفضل من المنقطع للصلاة والصيام في مسجد رسول الله حيث الركعة فيه بألف ركعة وصلاة يوم بصلاة ألف يوم في غيره ، وليتهم انتبهوا لقول الله تعالى { ... هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ }هود61 ،  وليتهم راجعوا أنفسهم بعد قرون من الهوان والتفكك والضعف ليبحثوا عن أخطاءهم الجسيمة خاصة وأنهم لم يكلوا من التقرب لله والصلاة والصيام والدعاء لله بنصرتهم والله لا يستجيب لهم ، وليتهم استجابوا لكل من يريد أن يصحح لهم المفاهيم التي زوروها وأغلقوها على تفاسير وفهم رجال اجتهدوا على قدر معطيات عصورهم التي انقضت منذ أكثر من ألف سنة ، واعتبروا كل من يحاول الاقتراب منها فاسق وزنديق وربما كفروه واستحلوا دمه مكررين أخطاء الكنيسة في القرون الوسطى والتي دفعت ثمنها غاليا بتنحيتها عن كل سلطة أو يد في حياة البشر ، وجاءت النتائج سريعة في دعاوى فصل الدين عن الحكم لأن الدين كمفهوم قد تم تزويره كاملا وقلصوه وحصروه في الحدود والفروض والمناسك .

وهذا ما ينقلنا سريعا لمفهوم الدين الحقيقي المطلق وليس المفهوم الحصري المزور والذي فرض علينا منذ قرون ونتعامل من خلاله مع الحياة والدنيا والبشر ، فالدين الحقيقي .. هو قيم ومفاهيم الإنسان عن معطياته في الحياة .. والتي تشتمل بالقطع مفاهيمه عن الله ومهمته في الدنيا وأسس وأساليب علاقاته بغيره من البشر والمخلوقات ، فمفاهيمي المتعددة كشخص عن علاقاتي بالله والبشر والرزق والعمل وكل معطيات الحياة هي (ديني) ، ولو توافقت مفاهيمي ومعتقداتي مع ما يأمر به الله فمن المؤكد أنني على دين الله ولو اختلفت فقد انحرفت عن دين الله بقدر انحراف مفاهيمي ، فلو كان مفهومي أن النساء مسخرات للمتعة وأن المال هو مكافأة من الله لي وحقي منفردا ، وأن كل من ليس على ملتي فهو كافر يستحق قتله فهذا هو (ديني) وأنا بذلك قريب من الدين السلفي الجهادي أو الإخواني ولكني أبدا لست على دين الله ، وبالتالي فلا تعارض بين ديني الذي هو مفاهيمي وبين السياسة التي هي أسلوب التعامل مع البشر لأنني سوف أتعامل بمفاهيمي التي هي في الحقيقة هي (الدين) ، وليس كما يدعي المضللون محصورة في مظاهر الفروض والحدود .

وبالتالي فالمفاهيم الثلاثة (الله – المهمة – الدين) مرتبطة ببعضها ارتباطا وثيقا ، فالله هو الخالق للبشر لأداء مهمة بعينها هي مهمة العبودية (العبادة) ومفهوم القيم والمبادئ وأساليب أداء هذه المهمة هو (الدين) ، واختلال أيا من المفاهيم الثلاثة يفقد الإنسان اتجاهه ويصبح بالفعل مخترقا فكريا وهو واقع الحال لأكثر من 99% من البشر على الأرض حاليا والتي يعنينا منها العرب بالشرق الأوسط أصحاب الديانات السماوية والذين يدعون أنهم أهل الله وخاصته وأرض الرسالات وأصحاب القيم المطلقة وفي الحقيقة هم مدلسون ومزورون بكل تحمل الكلمة من معنى ولو صدقوا وكانوا أمناء مع ربهم لنصرهم وما أذلهم وما هانوا على الدنيا والبشر وما أصبحوا ضحايا ووقود لمخططات الإبادة الذاتية فيما بينهم بمسميات الدين وادعاءاتهم وبهتانهم والتي يستغلها ويثريها ويزكي نيرانها عبدة الشيطان من عباقرة الماسونية في مخطط إخلاء الشرق الأوسط من هؤلاء البربر المتخلفين العرب سواء مسلمين أو مسيحيين أو حتى يهود .

والعجيب أن أباطرة الماسونية قد توغلوا في كل ملة ودين وكل شعب وأمة ودولة تحت مختلف المسميات أخواني أو سلفي أو ليبرالي أو جهادي أو ديمقراطي أو شيعي فلا عجب أن يكون مرسي ومبارك هو وجهان لعملة الماسونية الواحدة في مصر ، وبالتالي فلا عجب أن يكون السيسي مستهدفا من الجميع بداية من بقايا رجال مبارك ورجال الأعمال صناعة مبارك ومن الإخوان والسلفيين والجهاديين والليبراليين ومخلفات النخبة السياسية عملاء السبوبة مدعومين بإعلام أحمق وعميل ، ويساندهم عدد غير قليل ممن يسيطرون على بعض مفاصل الدولة من الإخوان والعملاء الساعين لإفشال الدولة ، ويدير ويحرك الجميع ويوزع الأدوار بينهم أجهزة المخابرات الأمريكية والغربية  في منظومة الفوضى وإنهاك النفوس وتفتيت القيم وتفريغ العقول ، حتى وصل الحال بالمواطن العادي للشعور بالإحباط والحيرة وفقدان الإتجاه وهو ما نعنيه تحديدا بنتاج الاختراق الفكري .

ومن المفاهيم الثلاثة (الله – المهمة – الدين) لابد وأن يسلمنا هذا لمفهوم الأخلاق وهو الترجمة الفعلية للدين ومفاهيمه الأساسية في النفوس وهو ما سوف نتناوله لاحقا ...

تم نسخ الرابط