بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
مضى عام كامل منذ اعتلاء عبد الفتاح السيسي لعرش مصر ليسجل التاريخ اسمه كأحد من تولوا زمان الأمور في مصر عبر تاريخها الطويل صاحب الجذور الضاربة في عمق البشرية ، وسواء كان هو يدري أولا يدري فقد أصبح واحدا من المعدودين الذين اعتلوا عرش مصر برغبة خالصة صادقة أمينة من شعبها الذي ثار في أقل من أعوام ثلاثة على رئيسين سبقوه وأسقطهما بل ووضعهما قيد الاتهام والمحاكمة .
فمسئولية الرجل خطيرة وجسيمة ولا أجد أقل من هذا وصفا ، فهذا الشعب قد يغفر لأي أحد يلي عرش بلاده دون رغبته وكفاه أنه يرحل حاملا لعناته ، ولكنه أبدا لن يغفر لمن يوليه ثقته ثم يرى منه خذلانا أو تقاعسا ، ولعل العام المنصرم قد رسم ملامح شخصية الرجل بوضوح بل دلل بوابل من البراهين أن هذا الرجل هو أحد اثنين ،إما رجلا مؤيدا من قبل الله ولن يستطيع بشرا أن يمسه أو ينال منه حتى يكمل مهمته التي اختاره الله لها ، أو إنه رجل شديد الذكاء والمهارة والخطورة ويجيد حرفة التوجيه والسيطرة على العقول والنفوس للبشر ، أو ربما كلاهما معا وربما ما يؤكد صدق ادعائي أن هذا الرجل كلما ازداد كيد أعداؤه له وخططوا للقضاء عليه أو النيل منه إلا ويخرج منها في كل مرة منتصرا بل وتحسب نتائج الحدث لصالحه لا عليه ، مثل حادث قتل المصريين في ليبيا ، وتحذيرات بعدم الذهاب للأمم المتحدة ومثلها بعدم زيارة ألمانيا والتي ثبت من كلاهما تورط شخصيات وأجهزة استخبارات في مخططات للقضاء عليه أو النيل منه ، ورغم هذا يعود محققا لما ذهب من أجله بل وأكثر من أي توقعات متفائلة .
بل من العجيب أن ما تم رصده فقط من أموال تم صرفها لإسقاط السيسي أو النيل من شعبيته خلال هذا العام قد تجاوز أرقاما فلكية ومن عدة مصادر دولية مختلفة بلغت في أقل تقديراتها أكثر من (3) ثلاثة مليارات دولار ذهبت بكاملها أدراج الرياح بلا عودة وبلا أدنى نتيجة تذكر كما هو مسجل بأحدث تقرير مخابراتي للإدارة الأمريكية والذي يوصي في نهايته بعدم استقبال أية وفود للإخوان أو من الإسلاميين المتشددين في البيت الأبيض على اعتبار أنهم مناهضون لنظام مصر كحليف استراتيجي لا يجب خسارته خاصة بعد الرهان الخاسر على المتشددين والإخوان ، ورغم هذا لم تستطع المخابرات الأمريكية الغياب عن اجتماع الإخوان في باريس منذ أيام بزعامة الرئيس التونسي السابق الإخواني المرزوقي وربيب الإخوان الهارب أيمن نور وبعض فلول القيادات المشردة .
ولا داع لتفنيد ادعاءات مراكز استطلاع الرأي التي تقول أن السيسي خسر نسبة كبيرة من مؤيديه رغم احتفاظه بأكثر من 80% من التأييد الشعبي وهي نسبة لم يحصل عليها أحد قبله منذ قرون لو صدق القول ، ولكننا لابد وأن نقف محايدين لنسجل للرجل أو عليه دون مجاملات إعجاب أو تحيز عداء وتربص ، فلا يوجد بشر بلا أخطاء أو سلبيات ولنكن واضحين وأمناء ونذكر أن الرجل تولى حكم مصر وهي مهلهلة ومؤسساتها مخترقة ومبتلاة بنوعين أشد مرارة وخرابا من بعضهما البعض ، أولهما عناصر الفساد ورؤوسه المتفشية كقيادات في أجهزة الدولة عبر عقود أربعة وهم من نطلق عليهم فلول مبارك أو نتاج تربيته ، والثاني هم عناصر الإفساد ومتعمدي الخراب والتدمير من عناصر الإخوان الذين تم تمكينهم كقيادات خلال فترة عام حكم المعزول مرسي العياط ، وهؤلاء مجتمعين يتعمدون الفساد والتخريب والنهب لعلمهم أنهم يلعبون في الوقت الضائع وأفضلهم ضميرا وأطهرهم يدا هم من الجهلة والعجزة والفشلة الذين تسلقوا سلم القيادات من الباب الخلفي ولا يجيدون سوى أعمال السكرتارية وحمل الحقائب و (الأعمال الدونية) ومعظمهم قد تخطوا سن التعلم ولا يملكون أدنى قدور من الإمكانيات النفسية أو المادية التي تمكنهم من النجاح وهؤلاء جميعا هم حجر العثرة في طريق أي نجاح أو تقدم ولابد من التخلص منهم عاجلا لا آجلا .
وفضلا عن عناصر الفساد والإفساد لا يمكن أن نغفل عن أحداث وحوادث التخريب والقتل والإلهاء المستمرة بمخططات غربية إخوانية وتشترك فيها أجهزة مخابرات عديدة ويجندون لها كل أنواع المجرمين والمخربين والإرهاب في العالم ليتخلصوا منهم في مهمة العرقلة والتخريب لمصر ومؤسساتها عبر عام كامل حصاده مؤلم وموجع وقاس على شعب يحاول الخروج من عنق ثورتين متتاليتين وهو ما يضيف على الدولة أحمالا ثقيلة تنوء بها الجبال ، ولا ننسى أن نضيف مسلسلات مخطط إنهاك العقول للوصول لحالة الإحباط واليأس والتي تمارسها وسائل الإعلام والقنوات الفضائية المأجورة والعميلة والتي تتعمد نشر الفضائح وتمجيد الفواحش وإشاعة الرقص والجنس والشذوذ تحت مسميات كشف المستور ومسابقات داعرة وبرامج مشبوهة النوايا والإعداد مع التجاهل التام لأي إنجاز للدولة مهما كان كبيرا ومميزا .
في ظل هذا كله قد لا يتصور عاقل أو صاحب فكر أن هذا الرجل لديه أدنى فرصة ليحقق شيئا لهذا البلد سوى ملاحقة الأحداث وتلافي نتائج الحوادث ولكن من العجيب أن هذا الرجل أثبت أن لديه مخطط ثابت لا ينساه ولا يتنازل عنه تعتمد ركائزه على محاور ثلاثة ، المحور الأول فيها هو لملمة جراح الفقراء وسد جوعهم ومطالبهم الأساسية قدر الإمكان وفي هذا نجح في القضاء على أزمة الخبز والمواد التموينية الأساسية بمنظومة عبقرية ورفع عدد المستفيدين للضمان الاجتماعي بنسبة 200% لتغطي (3) ثلاثة ملايين بدلا من المليون ونصف ، ورفع الحد الأدنى للأجور وواجه معركة الحد الأعلى للأجور بشجاعة واقتدار بداية من مرتبه ومرتبات وزراءه ورجال الدولة ، وما زال يواجه بحذر وحرص على المواطن الفقير معضلة منظومة الدعم التي تصنع السوق السوداء وتثقل كاهل الميزانية بإهدار المليارات لغير مستحقيه ، أما المحور الثاني فهو إنشاء البنية الأساسية القوية التي يمكن الاعتماد عليها كركيزة لتنمية الاقتصاد خلال السنوات الخمسين القادمة والتي على رأسها شبكة الطرق بأكثر من (3200) كم في أقل من سنة ، ثم دعم شبكة الطاقة الكهربية بقدرات تكفي احتياجات مصر لعقود قادمة بدأت بالقضاء على سلبيات الكهرباء التي عانينا منها في العام الماضي ، بنسبة تزيد عن (85%) ، وهي تعتبر إعجاز زمني في حجم الإنجازات في هذا المجال ، أما المحور الثالث فاقتحمه بأكبر مشروع اقتصادي ينفذ في مصر منذ إنشاء السد العالي في القرن الماضي وقناة السويس الأصلية في القرن قبل الماضي والتي توشك على افتتاحها في غضون شهور قليلة ، فضلا عن بعض المشروعات العملاقة كمشروع الأربعة مليون فدان والمليون وحدة سكنية ومشروعات تنمية القناة والإسماعيلية الجديدة شرق القناة وكلها مشروعات بدأت ترى النور والعمل فيها ليل نهار على قدم وساق , وناهينا عن بعض المشروعات التي تتم في صمت تام ودون الإعلان عنها والتي ستمثل مفاجآت سارة لهذا الشعب ، ومشروع الأعوام القادمة للعاصمة الجديدة .
ولم يكتفي الرجل بالمحاور الثلاث الرئيسية بل هو دوما مهموم بأحوال وفكر وثقافة شعبه وهو ما جعله يبدأ بخوض حربه على الفكر والثقافة الدينية المتطرفة بتصحيح الخطاب الديني وهي حرب ستطول مداها سنوات وربما عقود قادمة ويتحمل مسئوليتها الجميع من رجال الدين والمفكرين والمثقفين بل وعامة البشر في مصر ، ويثقل كاهل الرجل فضلا عن الاقتصاد أحوال التعليم والصحة والأمية والترهل السياسي والفكري المتفشي بين الشعب سواء من النخب أو المثقفين أو العامة ، والعجيب أن الرجل يواجه كل هذا بثبات انفعالي كبير بل ومهيب ، فلم يصدر من هذا الرجل لفظا واحدا غير مهذب حتى في أحلك اللحظات وأقساها عليه نفسيا وماديا حتى أن المحايدين والعقلاء يصفونه بالرجل الخلوق ، وكفاه خلقا أنه لا يترفع ولا يستحي أن يعتذر ويقبل رأس بل ويد الضعيف والمسكين والمكلوم وصاحب الحق ، وكفاه أنه دفع كفالة كل الغارمات من ماله الخاص ، وكفاه أنه هو صاحب أكبر قدر من الحياء عرفته الساحة السياسية في الشرق الأوسط عبر عقود طويلة وهو ما يؤكد أن هذا الرجل صادق النية وأمين فيما يقوله ويفعله ، وهو ما يقوله عنه رجال السياسة والحكم في الغرب والشرق ، حتى تنادى باسمه على ألسنة شعوب بعينها تتمنى حاكما مثله في بلاد ألد أعدائه في تركيا والولايات المتحدة الأمريكية .
وأخيرا أقف في جلال واحترام أمام سلبياته والتي أهمها صبره الطويل على من لا يستحقون الصبر ولا الاحترام خاصة وأنهم يؤذون ويضرون بمصالح شعب هو مسئول عنهم أمام الله ، وأقول له .. تذكر أنه لا حجة لك أمام الله .. فيمن تسبب صبرك على المجرمين والمفسدين في الإضرار بهم ، ولكنها سنة الحياة ولا بشر دون أخطاء ، ولا نملك إلا الدعاء لهذا الرجل أن ينصره الله ما دام حريصا على ما عرفناه عنه من الإخلاص والأمانة والولاء لدينه وشعبه ، ليظل السؤال بلا إجابة هل هو (السيسي في عام أم .. عام السيسي)، حفظ الله مصر وأكرم شعبها .



