كلما اقتربنا من تحقيق إنجاز ضخم أو تحدثنا عن أمل جديد يحقق للشعب قدر من العدالة الاجتماعية وبعض الحلول للمشاكل المزمنة ، يدخل المجتمع في أزمة وينشغل الناس بالحديث عنها ، وتجري فيها علي قدم وساق عمليات الاستقطاب ، وعمليات الفرز والتجنيب ، وكأن عفريتا من الجن نفخ في تراب الأرض فملأ الدنيا غبارا يعمي العيون فلا نعرف إن كنا علي حق أو علي باطل !
وبدلا من أن يتفرغ المسئولون لإنجاز أعمالهم المتأخرة ، نراهم ينخرطون في حديث لا طائل من ورائه غير تضييع الوقت الذي لا نملك تضييعه ، بل غالبا لا يكلفون أنفسهم أو غيرهم عناء الرد وتصحيح ما التبس علي الناس من موضوعات وقضايا أو شائعات أو أخبار غير موثقة ، نراهم يذهبون إلي الحل الأسهل من وجهة نظرهم والأصعب علي الوطن في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه .. تكليف القانونيون لديهم في تقديم بلاغات للنائب العام ، فتأخذ البلاغات أرقاما فتتحول إلي جهات التحقيق وتبدأ آلة الشائعات تدور .. الوزير الفلاني رفع دعوي علي فلان الفلاني .. والمسئول الفلاني توعد فلان الفلاني ، وتشتغل كتائب الشئون القانونية في الوزارات والهيئات وتصرف الإدارات المالية المكافآت وبدلات الانتقال ، وتجد فضائيات ( الهنك والرنك ) ضالتها في الأزمات التي لا تنتهي ، وهات يا رغي وروح يا كلام وتعالي يا كلام ، ويخرج المنظرون لكل القضايا والمشاكل فيلبسون كل أزمة ثوبا سياسيا ويضفون علي فئات بعينها قداسة ومهابة ليست فيها ، ويبدأ النفخ في النيران حتى تصل ألسنة اللهب إلي عنان السماء ، ويكون مطلوبا إما الاعتذار أو التنازل عن الحقوق أو دهس دولة القانون !
نائب مأمور اعتدي علي محامي أو محامي تجاوز علي نائب مأمور.. مشكلة فردية لا ينتج عنها أزمة في أي مكان في العالم أو في أي دولة متحضرة.. لكن في مصر لابد أن ينتج عنها أزمة كبيرة تصل إلي حد طلب الإضراب في مواجهة الداخلية.. تكبر الحكاية وتكبر كرة اللهب .. فيضطر رئيس الدولة أن يعتذر للمحامين فيقبل المحامون الاعتذار في التو واللحظة وكأن شيئا لم يكن.. هل كان المقصود من كل ذلك أن يعتذر الرئيس للمحامين فيهدأ غضبهم أم أن الحكاية لها هدف آخر عند نقيب المحامين وأصحاب الأصوات العالية في النقابة ؟ هل يمكن أن يحذو حذوهم آخرون عندما تحدث مشكلة بينهم وبين أي جهة حكومية ؟ هل مات القانون ودفناه ونسينا أن نترحم عليه ؟ هل يمكن أن ننادي بسيادة قانون أو دولة قانون ونحن نخرقه ولا نحترمه ؟
الحقيقة أن اعتذار الرئيس آلمني رغم شجاعته في تقديم الاعتذار نيابة عن غيره .. وكنت سعيدا عندما اعتذر الرئيس للسيدة التي تم التحرش بها في ميدان التحرير وزيارته الهامة لها في المستشفي وتسجيل الحوار الذي دار.. هنا الرئيس اعتذر لها نيابة عن الشعب المصري كله وجبر خاطرها.. لكن الرئيس هنا اعتذر نيابة عن الداخلية، وإن كان لا مفر من تقديم اعتذار.. فقد كان واجبا علي وزير الداخلية وليس الرئيس، وإن كنت أري أن يتم تحويل الضابط والمحامي إلي جهات التحقيق ليفصل بينهما القانون بالعدل ودون تفرقة، ولا يكون هناك حاجة لتقديم اعتذار لأحد .. !
هل يعتذر وزير الداخلية أو سيادة الرئيس لأي مواطن عادي عندما يتجاوز عليه أي مسئول من أي جهة حكومية ؟ تحقيق وجود دولة القانون لا يستقيم وسياسة الاعتذار التي تحدث أحيانا.
أزمة الصحفيين والداخلية ليس لها معني أو مبرر وكان يمكن معالجتها لو خرج مسئول في التو واللحظة ليكذب ما تم نشره ويذيع ذلك علي كل وسائل الإعلام فيضيع تأثير الخبر وتتراجع مصداقية الموقع الذي نشر خبرا غير موثقا ، وأعتقد أن جانب كبير من الأزمة يرجع إلي غياب المعلومات وتباطؤ المسئولون في الرد عليها ، ومع ذلك هل نتعلم من الأخطاء التي نقع فيها أو ينتبه المسئولون ؟ أشك في ذلك كثيرا كثيرا .