رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

على مدى أكثر من عامين وجدت نفسى منغمسًا بصورة شبه كاملة فى عالم الذكاء الاصطناعى وتطوراته المتسارعة..لم يكن الأمر مجرد متابعة لتكنولوجيا جديدة تفرض نفسها على العالم.. بل مشاركة مباشرة فى هذه الصناعة من خلال التعاون مع عقول مصرية وإماراتية متميزة وشراكات مع شركات أمريكية وبريطانية متخصصة نجحنا خلالها فى تطوير نماذج استخدم بعضها فى قطاع المال والأعمال.. بينما اتجه بعضها الآخر إلى التطبيقات الإعلامية وصناعة المحتوى ومنها نماذج وتقنيات عرضناها فى محفل «بريدج» العالمى بأبوظبى قبل أشهر.

ومع ذلك.. ورغم هذا الانغماس الكامل فى التكنولوجيا لم تفارقنى يومًا روح الصحفى التى تدفعنى دائمًا إلى البحث عن السؤال الأهم خلف كل تحول كبير.. واليوم أعتقد أن السؤال الأهم فى عالم الذكاء الاصطناعى ليس من يملك التكنولوجيا ولا من يمتلك أقوى الخوادم أو أكبر مراكز البيانات بل من يملك الرواية التى ستتعلم منها هذه التكنولوجيا؟

فعلى مدى القرن الماضى كانت معارك النفوذ تدور حول امتلاك الصحف ومحطات التليفزيون ووكالات الأنباء ثم انتقلت خلال العقدين الأخيرين إلى منصات التواصل الاجتماعى التى أعادت تشكيل المشهد الإعلامى العالمى. 

أما الآن فنحن ندخل مرحلة جديدة تمامًا حيث تتحول تطبيقات الذكاء الاصطناعى تدريجيًا إلى بوابة رئيسية للمعرفة والمعلومات والتحليل بالنسبة لمئات الملايين من البشر حول العالم. 

وهنا تكمن القضية الحقيقية فالذكاء الاصطناعى لا يخلق المعرفة من العدم.. ولا يصنع الحقائق بنفسه بل يتعلم من البيانات والمحتوى الذى ينتجه البشر. 

وكل مقال وكل دراسة وكل كتاب وكل صورة أو مقطع فيديو.. يتحول بطريقة أو بأخرى إلى جزء من البيئة المعرفية التى تتشكل منها النماذج الذكية. 

ولذلك فإن السؤال لم يعد متعلقًا فقط بمن يطور النموذج.. بل بمن يكتب المحتوى الذى يتعلم منه النموذج؟ 

ومن يتابع السباق العالمى الحالى سيدرك أن المنافسة لم تعد تقتصر على الرقائق الإلكترونية العملاقة أو مراكز البيانات الضخمة أو الاستثمارات التى تُضخ بمئات المليارات من الدولارات فى الولايات المتحدة والصين وأوروبا والخليج.. بل أصبحت تمتد إلى ميدان آخر أكثر تأثيرًا على المدى البعيد هو ميدان المعرفة وصناعة الرواية. 

فبعد سنوات قليلة.. عندما يسأل طالب فى إفريقيا أو باحث فى آسيا أو مستثمر فى أمريكا اللاتينية نظامًا ذكيًا عن الشرق الأوسط أو العالم العربى أو تاريخ المنطقة أو اقتصادها أو ثقافتها.. فمن أين ستأتى الإجابة؟ ومن صاغ المعلومات التى تعلم منها النظام؟ ومن كتب الرواية التى سيعيد إنتاجها؟ هنا يتحول الذكاء الاصطناعى من قضية تكنولوجية إلى قضية إعلامية وثقافية واستراتيجية. 

فالدول التى لا تساهم فى إنتاج المعرفة والمحتوى بلغاتها ورؤيتها الخاصة قد تجد نفسها بعد سنوات موضوعًا لروايات يكتبها الآخرون عنها.. ولهذا أرى أن التحدى الحقيقى أمام العالم العربى لا يتمثل فقط فى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعى أو الاستثمار فيها..لكن فى المشاركة الفعلية فى بناء المعرفة التى تتعلم منها هذه الأدوات. 

لأن المعركة القادمة لن تكون فقط على من يمتلك التقنية ولكن على من يمتلك القصة التى سترويها التقنية للعالم. 

وربما لهذا السبب أعتقد أن السؤال الأهم فى النصف الثانى من عشرينيات هذا القرن ليس من يمتلك أقوى نموذج للذكاء الاصطناعي؟ من يمتلك الرواية التى سيتعلم منها هذا النموذج؟

لأن من يملك الرواية اليوم هو من سيحدد عالم الغد.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط