الإثنين 15 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

كل أربع سنوات يتكرر المشهد نفسه.. شوارع أكثر هدوءًا وقت المباريات، مقاهٍ مكتظة بالمشجعين، أسر تتجمع أمام الشاشات، وأحاديث لا تنتهي عن المنتخبات والنجوم والتوقعات، فجأة يصبح كأس العالم حديث الجميع، ليس فقط عشاق كرة القدم، بل حتى أولئك الذين لا يتابعون المباريات طوال العام.

 

المونديال ليس مجرد بطولة رياضية، بل ظاهرة إنسانية عالمية، ففي عالم تمزقه الخلافات السياسية والثقافية والاقتصادية، ينجح كأس العالم في جمع مليارات البشر حول حدث واحد ومشاعر متشابهة. ربما تختلف الأعلام واللغات، لكن فرحة الهدف وخيبة الهزيمة تظل مفهومة لدى الجميع.

 

ولعل هذا ما يفسر الشعبية الجارفة لكرة القدم.. فاللعبة الأكثر انتشارًا في العالم لا تحتاج إلى تجهيزات معقدة أو قواعد يصعب فهمها، كرة واحدة تكفي لصناعة مباراة، ومباراة واحدة تكفي لصناعة قصة ملهمة يتابعها الملايين، ولهذا أصبحت كرة القدم جزءًا من الثقافة الشعبية العالمية، وأصبح كأس العالم أحد أكثر الأحداث الجماهيرية متابعة على مستوى العالم.

 

أتذكر دائمًا كيف كان كأس العالم قادرًا على تغيير إيقاع الحياة داخل البيوت المصرية، فجأة تتحول غرفة المعيشة إلى مدرج صغير، ويصبح لكل فرد في الأسرة منتخب يشجعه ورأي يدافع عنه.. الأب يراهن على الخبرة، والأبناء ينحازون للنجوم الشباب، وحتى الأم تنحاز لفريق بعينه، فيما يجد من لا يتابعون كرة القدم بانتظام أنفسهم مندمجين في أجواء البطولة، يتابعون النتائج ويتناقشون حول فرص المنتخبات في التأهل، وفي تلك اللحظات لا يكون المونديال مجرد منافسة رياضية، بل مناسبة اجتماعية تصنع ذكريات مشتركة تبقى في الذاكرة لسنوات طويلة.

 

ووسط هذا الشغف الجماعي بكرة القدم، ما زالت هناك صورة نمطية مفادها أن الفتاة التي تشجع كرة القدم حالة استثنائية أو ظاهرة غير مألوفة، وكأن المدرجات خُلقت للرجال فقط، أو أن متابعة المباريات وتحليل أداء اللاعبين أمر لا يليق بالنساء، هذه النظرة لا تعكس الواقع بقدر ما تعكس إرثًا اجتماعيًا قديمًا، فلعقود طويلة ارتبطت الملاعب والبرامج الرياضية والأنشطة الكروية بالرجال أكثر من النساء، حتى تحول هذا الارتباط مع الوقت إلى اعتقاد راسخ في ذهن البعض بأن كرة القدم شأن ذكوري بحت.

 

لكن العالم تغير كثيرًا خلال السنوات الأخيرة، وتغيرت معه خريطة جماهير اللعبة. فوفقًا لتقارير دولية صادرة عن "نيلسن سبورتس"، من المتوقع أن يتجاوز جمهور كرة القدم النسائية عالميًا 800 مليون مشجع ومشجعة بحلول عام 2030، وأن تمثل النساء نحو 60% من هذا الجمهور، كما أشارت الدراسات العالمية إلى أن 41% من سكان العالم أبدوا اهتمامًا بمتابعة كأس العالم للسيدات، مقارنة بنسب أقل في النسخ السابقة، وهو ما يعكس نموًا متسارعًا في اهتمام النساء بكرة القدم ومتابعتهن للبطولات الكبرى.

 

وربما يكون السؤال الأهم: هل النساء يشجعن كرة القدم بطريقة مختلفة؟

 

تشير بعض الدراسات الاجتماعية إلى أن كثيرًا من المشجعات ينجذبن إلى كرة القدم ليس فقط بسبب النتائج والأرقام، بل أيضًا بسبب تفاصيل القصص الإنسانية التي تحتويها كواليس اللعبة، فهناك اهتمام برحلات الكفاح التي يعيشها اللاعبون، وقصص النجاح بعد الفشل، وتأثير الرياضة في حياة النجوم، بينما يميل بعض المشجعين إلى التركيز بصورة أكبر على الجوانب التكتيكية والإحصائية وخطط اللعب، ومع ذلك، فإن هذا الاختلاف ليس قاعدة عامة، فهناك نساء يمتلكن معرفة فنية وتحليلية تفوق الكثير من الرجال، كما يوجد رجال يتابعون كرة القدم من باب الترفيه والمتعة فقط.

 

وفي الحقيقة، فإن الشغف بالمونديال لا يعرف نوعًا أو عمرًا أو خلفية اجتماعية، فالمشاعر التي تدفع طفلًا للقفز فرحًا بهدف في الدقيقة الأخيرة هي نفسها التي تدفع فتاة أو سيدة إلى التمسك بالأمل حتى صافرة النهاية، الجميع هنا يعيش الحالة نفسها، مهما اختلفت طريقة التعبير عنها.

 

ولم يعد حضور المرأة في عالم كرة القدم مقتصرًا على المدرجات أو المشاهدة من خلف الشاشات، بل امتد إلى الملاعب ووسائل الإعلام ومنصات التحليل الرياضي، وأصبحت أسماء مثل ميجان رابينو وأليكس مورجان وسام كير نماذج ملهمة لملايين الفتيات حول العالم، كما ساهم الحضور النسائي المتزايد في كسر الصورة التقليدية التي حصرت كرة القدم طويلًا داخل إطار ذكوري ضيق.

 

وربما تكمن عظمة المونديال في أنه ينجح كل أربع سنوات في كسر الكثير من الحواجز والصور النمطية، فعندما تبدأ المباريات، لا يكون مهمًا إن كان المشجع رجلًا أم امرأة، صغيرًا أم كبيرًا، خبيرًا في التحليل الرياضي أم متابعًا عابرًا، الجميع يجلس أمام الشاشة بالقدر نفسه من الترقب والحماس والشغف والأمل.

 

في النهاية، لا يختبر كأس العالم مهارات اللاعبين فقط، بل يكشف أيضًا عن قدرتنا كبشر على الالتفاف حول حلم واحد، وحين تتحرك الكرة على أرض الملعب، تتلاشى كل الفوارق الأخرى، ويبقى السؤال الوحيد الذي يشغل الجميع: من سيرفع الكأس هذه المرة؟

تم نسخ الرابط