رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

حلول «الأمن الجماعى» المطلوبة فى البحر الأحمر

 

فى الأسبوع الماضى، كنّا قد توقفنا أمام تحركات ما يمكن تسميته «محور الشر» فى منطقة القرن الإفريقى، والذى يستهدف سيادة ووحدة أراضى دول بهذه المنطقة الحيوية، فى ممارسات لا يجب أن نكتفى معها فقط بإصدار بيانات الإدانة شديدة اللهجة؛ وإنما تتطلب تدابير وإجراءات رادعة، تحفظ تخوم الأمن القومى للدولة المصرية ومَصالحها وأمن دول هذا الإقليم، عبر «حلول متعددة الأطراف» قادرة على صياغة حلول جماعية وتفكيك شبكة الصراعات المُعقدة بهذه المنطقة.
 


والواقع؛ أن الممارسات العدوانية لا تتوقف، والاستهداف لن ينتهى من هذا «المحور»، فلا يوجد أفق واضح لتراجُع كيانات مثل دولة الاحتلال الإسرائيلى، عن «تطبيعها غير المشروع» مع ما يُسمّى «إقليم أرض الصومال»؛ بل إن الأمر فى سبيله إلى مزيد من التصعيد بمغازلات جديدة من هذا الإقليم الانفصالى لدول أخرى منها إثيوبيا؛ سعيًا للاعتراف به كدولة مستقلة، فى مشهد يجعل من القرن الإفريقى؛ ميدانًا لصدام دولى وإقليمى إذا أُشعلت فيه شرارة الانفجار.

 

 

وإذا كنا نتحدث عن منطقة هى موطن لصراع النفوذ والإرادات بين قوَى إقليمية ودولية منذ سنوات، بفضل أهميتها الاستراتيجية، وحجم الثروات الكامنة فيها، وهشاشة أوضاعها الأمنية والسياسية والاقتصادية؛ فإنه لا يجب «تشتيت الانتباه» أو غض الطرف عن ممارسات لتمركز وتموضع كيانات مثل دولة الاحتلال الإسرائيلى وإثيوبيا على سواحل البحر الأحمر، على حساب سيادة ووحدة أراضى دول المنطقة؛ خصوصًا «دولة الصومال الفيدرالية»، وسط انشغال المجتمع الدولى بصراعات منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
 


من هذا المنطلق؛ نستطيع أن نتوقف أمام فعاليات عدة للدولة المصرية على الصعيد الرسمى والدبلوماسى خلال الأسبوع المنقضى، كان من بينها استقبال الرئيس عبدالفتاح السيسي، نظيريه الإريترى والكونغولى، إلى جانب نداءات مصرية بضرورة «العمل على حلول جماعية» لحوكمة أمن منطقة البحر الأحمر، ورفض تواجُد أى كيانات أو دول غير مشاطئة له على سواحله، والأهم من ذلك، سُبُل الحفاظ على كيان «الدولة الوطنية» لدول القرن الإفريقى أمام محاولات التفتيت والتقسيم.
 


ولا تنطلق أهمية هذه الرسائل والتحركات من معانيها فقط؛ وإنما من توقيتها ودلالتها، ذلك أنها تزامنت مع مستجدات قد تزيد الوضع إشعالاً فى القرن الإفريقى، وتحديدًا بَعد إعلان ما يُسمّى «إقليم أرض الصومال» بمنح الحق لإثيوبيا لامتلاك مَنفذ بحرى عبر البحر الأحمر، بَعد إكمال هذا الإقليم خطوة «التطبيع غير المشروع» مع إسرائيل، فيما يعنى أن الرّد المصرى كان حاضرًا بشكل «موقوت»، بتحركات سياسية ودبلوماسية تستهدف صياغة حلول جماعية تستثمر عامل الجغرافيا الإقليمية فى مواجهة ممارسات «محور الشر».. والسؤال هنا، كيف ستتم هندسة إجراءات الحماية الجماعية المطلوبة فى مواجهة العدوان على سيادة دول البحر الأحمر؟.

 


ممارسات «محور الشر»

الواقع؛ أن مَظاهر التهديد الأمنى الذى تتعرض له منطقة القرن الإفريقى، ينطلق من محاولات إعادة هندسة جغرافية لتلك المنطقة، من خلال المقايضة بالموقع الجغرافى واستراتيجيته لبعض الأقاليم والكيانات داخل الدول، مقابل الحصول على الدعم السياسى لها من الخارج، وهو ما يتجسّد فى ممارسات محور إقليمى يضم «إسرائيل وإثيوبيا وأطرافًا أخرى» (محور الشر)، القائمة على دعم انفصال «إقليم أرض الصومال»، أو دعم «ميليشيا الدعم السريع فى السودان»، أو محاولات السيطرة على موانئ وأجزاء من أرض دولة مثل إريتريا.
 


وحسابات دول هذا «المحور»؛ تستهدف بالأساس التموضع فى منطقة القرن الإفريقى، والحصول على موطئ قدَم عند المدخل الجنوبى للبحر الأحمر، بالقرب من مضيق باب المندب، فكان السبيل عبر نافذة «إقليم أرض الصومال» (صوماليلاند)، بالاستفادة من ميناء (بربرة) الاستراتيجى التابع للإقليم، مقابل منحه حلم الدولة المستقلة الذى يجاهد من أجلها، منذ إعلانه الانفصال من جانب واحد عام 1991 عن الدولة الصومالية.
 


نقطة التوقف هنا، فيما أعلنه الأسبوع الماضى، وزير خارجية إقليم «أرض الصومال»، عبدالرحمن طاهر آدم، حينما أشار فى مقابلة مع صحيفة «ذا ريبورتر» الإثيوبية، أن «لإثيوبيا الحق فى الوصول إلى منفذ بحرى، وأنهم على استعداد لمساعدتهم فى ذلك».
 


والواقع؛ أنّ حديث المسئول بإقليم «صوماليلاند» ليس تصريحًا عابرًا، ولكنها مغازلة لا يمكن فصلها عن موقف الاتفاق الذى وقّعته أديس أبابا مع الإقليم الانفصالى فى يناير 2024، والذى يقضى بحصول إثيوبيا على مَنفذ بحرى بميناء بربرة مقابل الاعتراف بالإقليم كدولة مستقلة، ورغم الوساطة التركية اللاحقة التى انتهت بتوقيع «إعلان أنقرة» فى ديسمبر 2024؛ فإنّ الجانب الإثيوبى لم يتراجع عن هذا الاتفاق؛ خصوصًا مع جمود المفاوضات الفنية بين مقديشو وأديس أبابا التى ترعاها تركيا.
 


وليس هذا المَسار الوحيد الذى تسعى من خلاله إثيوبيا للتواجد على ساحل البحر الأحمر، ذلك أنها تسعى أيضًا لاستعادة سيطرتها على ميناء «عصب» فى إريتريا، وهو ما يعكس التوتر السياسى بين أديس أبابا وأسمرة خلال الفترة الأخيرة، حتى إن رئيس الوزراء الإثيوبى آبى أحمد أشار فى شهر نوفمبر الماضى إلى أنّ «فقدان بلاده لميناء عصب عند استقلال إريتريا فى تسعينيات القرن الماضى، كان خطأ تاريخيًا!»، كما أنه أشار فى أكثر من مناسبة إلى هدف إثيوبيا بإقامة وحدة سياسية قائمة على الربط بين «النهر والبحر»، ما يَعنى الربط بين نهر النيل والبحر الأحمر.

محور الربط بين «النيل والبحر الأحمر»

وأمام التنافس متعدد الأطراف والأقطاب فى منطقة القرن الإفريقى، والممارسات التوسعية لـ«محور الشر» بها؛ فإنّ الضرورة تفرض صياغة مقاربات وحلولاً جماعية، تشارك فيها أطراف متعددة بالمنطقة، أو بمعنى أوضح (الحل الجماعى)، الذى تشارك فيه أطراف قادرة على صياغة مبادئ حاكمة لأمن الإقليم وتفكيك صراعاته المُعقدة.. ومن بين الرؤى المطروحة فى هذا الاتجاه، مسألة الجمع أو الدمج ما بين دائرتىّ «حوض النيل والبحر الأحمر»، بما يعزز الأمن الإقليمى الجماعى.
 


من هذا المنطلق؛ نستطيع أن نقرأ ونتوقف مع ما حدث فى القاهرة الأسبوع الماضى، وتحديدًا رسائل قمّتين رئاسيتين، جمعتا الرئيس السيسي مع نظيره الإريترى، أسياس أفورقى، ونظيره الكونغولى، تشيسيكيدى، ذلك أن المعانى التى تضمنتها كلمات الرئيس السيسي، عبّرت عن حجم الإدراك المصرى لمحاولات العبث بالأمن الإقليمى للبحر الأحمر، وآليات ومحدّدات وقف أى مشاريع توسعية فيه.. وكانت أهمها ما يلى:
 


الرسالة الأولى؛ تتعلق بمحورية التنسيق «المصرى- الإريترى» فى منطقة القرن الإفريقى، وهو ما أكد عليه الرئيس السيسي خلال لقائه مع نظيره الإريترى، من منطلق أنّ أمن واستقرار منطقة القرن الإفريقى؛ امتداد للأمن القومى المصرى، ومن أجل الحفاظ على استقرار هذه المنطقة باعتباره موقفًا مصريًا ثابتًا، إلى جانب التأكيد على دعم مصر الكامل لسيادة إريتريا على كامل أراضيها.
 


والواقع؛ أنّ قمّة القاهرة بين الرئيسين السيسي وأفورقى؛ ما هى إلا محطة من محطات التقارب والشراكة «المصرية- الإريترية»، ذلك أن الرئيس الإريترى زار القاهرة أكثر من مرّة خلال العام الماضى، كما لا يمكن فصل الدبلوماسية الرئاسية عن القمّة الثلاثية التى عقدت فى أسمرة فى أكتوبر 2024، بحضور رؤساء مصر وإريتريا والصومال، وأكدت على «التنسيق الجماعى لحماية أمن واستقرار القرن الإفريقى».
 


الرسالة الثانية؛ تتعلق بالتقدير المصرى الذى يربط بين أمن واستقرار دول القرن الإفريقى، بالأمن القومى المصرى، وبالتالى؛ فإنّ استقرار هذه الدول مصلحة مصرية أساسية، وهو الأمر الذى أشاد به الرئيس الإريترى، حينما سَجّل تقديره لما تبذله القاهرة من أجل الحفاظ على السلم والاستقرار فى تلك المنطقة وتحقيق التنمية الشاملة بدولها، وجزء من تحقيق هذا الهدف؛ هو الحفاظ على التنسيق الدائم مع هذه الدول.
 


الرسالة الثالثة؛ تتعلق بضرورة الحفاظ على أمن البحر الأحمر، وحرية الملاحة البحرية به، وذلك من خلال التعاون بين الدول المشاطئة للبحر الأحمر، ومن بينها إريتريا وجيبوتى والصومال، وهذا المعنى أكد عليه الرئيس السيسي؛ بأنّ المسئولية الحصرية لأمن البحر الأحمر؛ من حق الدول المشاطئة له، والمشاركة فى حوكمته.وهذا المبدأ الذى أيده الرئيس الإريترى.
 


الرسالة الرابعة؛ تتعلق بعد الفصل بين ما يحدث فى السودان وبين التوترات فى القرن الإفريقى، وهنا كان التأكيد «المصرى- الإريترى» على الموقف الثابت الداعى لدعم وحدة السودان وسيادته وأمنه واستقراره، وضرورة إنهاء أزمة الحرب الراهنة لاستعادة الاستقرار الشامل داخل الأراضى السودانية.
 


الرسالة الخامسة؛ تتعلق بالربط مع شواغل القرن الإفريقى والبحر الأحمر ومع حوض النيل، وتلك رسالة كانت حاضرة فى مباحثات القمّة بين الرئيس السيسي ورئيس الكونغو الديمقراطية تشيسيكيدى، والتى أكد خلالها على جملة من المبادئ التى لا يمكن فصلها عن الدائرتين، وأهمها ضرورة الالتزام بالقانون الدولى ورفض الإجراءات الأحادية بين دول المنطقة، وضرورة التحلى بحسن النية وروح التفاهم والتوافق فى حوض نهر النيل.
 


والمعنى هنا؛ هو ما أضافه الرئيس السيسي فى المؤتمر الصحفى مع نظيره الكونغولى، حينما أشار إلى أن «كل ما تريده مصر، هو الالتزام بمبادئ القانون الدولى وحسن الجوار، وتحقيق المنفعة المشتركة لجميع شعوب المنطقة، وتفادى الإضرار بأى طرف، والعمل معًا لتعظيم الفوائد والإدارة المستدامة لموارد نهرنا مصدر الحياة لنا جميعًا».

 

 

الأمن الجماعى للبحر الأحمر


نقطة التوقف الثانية؛ تتعلق بالمقاربة المصرية الداعية إلى ضرورة تحقيق «الأمن الجماعى» لمنطقة البحر الأحمر، من خلال مبدأ أساسى قائم على أن «أمن وإدارة البحر الأحمر يظلان مسئولية حصرية للدول المشاطئة له، والرفض الكامل لأية محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية فى هذا السياق أو لفرض نفاذها البحرى بالمخالفة لأحكام القانون الدولى».
 


وهذا المعنى شدّد عليه وزير الخارجية الدكتور بدر عبدالعاطى، ونظيره الإريترى عثمان صالح، فى المباحثات التى جمعتهما الأسبوع الماضى، والتى تناولت فى جزء رئيسى منها سُبُل دعم رؤية إريتريا الخاصة بإدارة البحر الأحمر، والقائمة على وحدة وسيادة الدول المطلة على هذا المجرَى الملاحى.
 


من هذا المنطلق؛ جاءت الرسالة المصرية على لسان الوزير عبدالعاطى، بضرورة «التوافق على ترتيبات وآليات فعالة لتحقيق الأمن الجماعى فى المنطقة»، إلى جانب «الإسراع فى تفعيل مجلس الدول العربية والإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن باعتباره إحدى الركائز الأساسية لتعزيز الاستقرار الإقليمى».
 


والمقصود هنا أن القاهرة تعمل على تفعيل مبادرات إقليمية، ومن بينها تفعيل التعاون الأمنى فى إطار مجلس «الدول العربية والإفريقية المتشاطئة على البحر الأحمر وخليج عدن»، وهو مجلس جرَى تشكيله بمبادرة من السعودية عام 2020، وتستند إلى ضرورة «حوكمة إدارة وتأمين البحر الأحمر»، من خلال حماية السيادة الوطنية للدول المطلة، والتعاون الجماعى لحماية المَصالح المشتركة.. وتعزيزًا لهذا التوجه؛ طرحت مصر مبادرة لتعزيز التعاون والتكامل بين الدول المشاطئة للبحر الأحمر، وهى مبادرة «السويس والبحر الأحمر» للتنمية الاقتصادية والبحرية، كخريطة طريق لتعزيز التنمية المستدامة فى المنطقة.
 


والواقع؛ أنّ المَرحلة الحالية تتطلب وضع آليات واضحة للأمن الجماعى، وفى مقدمتها تفعيل هذا المجلس فى أسرع وقت ممكن، بما يسهم فى مواجهة التحديات المشتركة وتعزيز التعاون بين دول المنطقة، لذلك أشار وزير الخارجية إلى تواصُل مصر والتنسيق مع المملكة العربية السعودية ودول البحر الأحمر بهدف تحييد منطقة باب المندب عن تداعيات الصراعات والتوترات الإقليمية، والحفاظ على أمن الملاحة البحرية واستقرار حركة التجارة الدولية.

 

 

الربط بين الموانئ


نقطة التوقف الأخرى؛ تتعلق بأهمية الربط بين موانئ دول البحر الأحمر، فى سبيل تعزيز الأمن الجماعى والمشترك لدول هذه المنطقة، وهذه واحدة من المسارات التى تعمل عليها الدولة المصرية، وكانت إحدى محطاتها الربط مع الموانئ فى إريتريا الفترة الأخيرة، وذلك بَعد التوقيع على اتفاقية التعاون بين القاهرة وأسمرة فى مجال النقل البحرى، التى جرى توقيعها فى منتصف شهر مايو الماضى، خلال زيارة وزيرىّ الخارجية والنقل المصريين لإريتريا بصحبة وفد من رجال الأعمال المصريين.
 


ويجب الإشارة هنا؛ إلى التأثير الكبير لمنطقة القرن الإفريقى والبحر الأحمر، فى حركة التجارة الدولية؛ حيث يمر منها نحو 12 % من تجارة العالم سنويًا، وتُضاعف الموانئ البحرية بالبحر الأحمر (حوالى 10 موانئ)، من الأهمية الاستراتيجية، لهذه المنطقة، وذلك بالنظر إلى ما تمثله المنطقة من حلقة ربط بين مراكز تجارية وأسواق شرق ووسط إفريقيا، ودول أوروبا وآسيا والشرق الأوسط عبر قناة السويس.
 


من هذا المنطلق؛ تأتى الموانئ لتشكل محور التنافس الدولى والإقليمى على الوجود فى القرن الإفريقى، فنجد أنّ الولايات المتحدة التى تتواجد بالمنطقة عبر مجموعة من «التحالفات البحرية الأمنية»، فى حين تستهدف الصين، توسيع استثماراتها فى الموانئ البحرية، فى إطار مبادرتها (الحزام والطريق)؛ حيث تستحوذ على «إدارة وتشغيل ميناء جيبوتى»(معروف محليًا بميناء دوراليه)، وهو أحد موانئ التصدير الرئيسة فى شرق إفريقيا، كما افتتحت فى 2018 منطقة تجارة حرة بجيبوتى (تُقدر مساحتها بنحو 48 كيلومترًا مربعًا)، فيما تسيطر تركيا على ميناء مقديشو فى الصومال؛ وفقًا لاتفاقية فى مارس 2023.
 


وبالتالى؛ فإنّ تعميم الربط بين الموانئ المصرية والإريترية بشراكات مع الموانئ المماثلة فى جيبوتى والصومال، من شأنه يُعزز مسارات الشراكة العابرة للجغرافيا ويُعزز من إجراءات الحماية لسيادة تلك الدول.
 

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط