نظامنا التعليمي في مصر ما قبل الجامعة أكبر نظام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ويخدم أكثر من 30 مليون طالب، تركز المبادرات الحالية على تحديث المناهج الدراسية، وتوسيع مدارس التكنولوجيا التطبيقية، ومعالجة التحديات النظامية مثل اكتظاظ الفصول الدراسية والتعليم الأساسي. يُعدّ نظام التعليم الجديد في مصر، المعروف باسم "التعليم 2.0" (EDU 2.0)، إصلاحاً شاملاً يهدف إلى استبدال التلقين بالحفظ بمنهج دراسي قائم على المهارات والكفاءات، ويسعى إلى تطوير أساليب التعلّم للطلاب من مرحلة رياض الأطفال وحتى سنوات دراستهم الجامعية.
وهو مؤشر إيجابي لكن ماذا أعددنا لتحديات الذكاء الاصطناعي واجتياحه القادم بشراسة؟!.. وماذا أعددنا لاستيعاب ملايين الأطفال والشباب غير الملتحقين بالمدرسة، وملايين أميّ في مصر.
مع مواجهة التعليم للتحديات العديدة، كالنقص في عدد المعلمين، وتراجع نتائج الطلاب الرسمية، وتزايد التباين في الفصول الدراسية. في الوقت نفسه، يتيح تطور الذكاء الاصطناعي فرصًا جديدة للابتكار والكفاءة والتعلم الشخصي. إلا أن النقاش حول الذكاء الاصطناعي في التعليم غالبًا ما يكون ثريًا ووجوديًا.
فبينما يراه البعض حلًا سحريًا للعديد من التحديات التعليمية، يراه آخرون تهديدًا لجوهر جودة التعليم. ولعلّ الإجابة الأكثر جدوى هي التي تأخذ وجهتي النظر.
فبدلًا من التعامل مع الذكاء الاصطناعي بتفاؤل أعمى أو خوف، ندعو إلى تبني نظرة إيجابية تجاهه في التعليم. وهذا يعني الاعتراف بإمكانيات الذكاء الاصطناعي ومخاطره، وإدراك أن قيمته التعليمية لا تنبع أساسًا من التكنولوجيا بحد ذاتها، بل من كيفية استخدامها لدعم التعلم الفعال.
أحد أبرز التحديات التي تواجه التعليم، التباين في الفصول الدراسية. تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي استيعاب هذا التباين وتخصيص التعليم لكل طالب على حدة، وتقديم تغذية راجعة هادفة، وتوفير فرص تدريبية متنوعة. ومع ذلك، ولتحقيق إمكانات التخصيص الكامل، لا بد من وضع شروط واضحة. ومن بين الشروط الموصى بها بشدة: الاتفاق على أهداف التعلم، وتوفير منصات آمنة لتطبيق الذكاء الاصطناعي بمسؤولية، وخوارزميات ذكاء اصطناعي تعكس رؤى راسخة حول التعلم والتعليم، ومعلمين محترفين يتخذون قرارات تعليمية مناسبة بناءً على البيانات المُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، ومتعلمين مُؤهلين وقادرين على تنظيم تعلمهم ذاتيًا.
يُعدّ تحقيق تعليم عالي الجودة أمرًا بالغ الأهمية لمستقبلنا، فهو يُمكّن الجيل القادم من المساهمة الفعّالة في بناء مجتمعنا. لذا، من الضروري التفكير مليًا في الأهداف التعليمية المنشودة. وتتعلق هذه الأهداف بالقدرات التي نرغب في أن يكتسبها الطلاب بما في ذلك المعارف والمهارات، مع الحرص على تنمية وعيهم بأهمية تطبيق معارفهم ومهاراتهم في الوقت المناسب وبطريقة مسؤولة.
وفي ظلّ كون الذكاء الاصطناعي جزءًا لا يتجزأ من حياة الطلاب، بات من الأهمية بمكان تزويدهم بمعرفة متعمقة في المجال ومهارات تنظيمية تمكنهم من التعامل مع الذكاء الاصطناعي بطريقة نقدية وبنّاءة.
من منظور الاحتمالات، يُمكن افتراض أن الذكاء الاصطناعي يُتيح فرصًا لتعزيز جودة التعليم إذا ما صُمّم جيدًا ووُظّف بشكل مناسب في الممارسة التعليمية. وفي الوقت نفسه، من السذاجة افتراض أن الذكاء الاصطناعي سيُحسّن التعليم تلقائيًا. إذ لا بدّ من توافر شروط معينة للاستفادة القصوى من إمكانات الذكاء الاصطناعي في تحسين جودة التعليم.
أولها سياسات تعليمية داعمة، برؤية متكاملة للذكاء الاصطناعي في التعليم وسياسات واضحة وموجهة، لا تقتصر على تحديد إمكانيات الذكاء الاصطناعي في التعليم فحسب، بل تُحدد بالدرجة الأولى ما هو مرغوب فيه من حيث دمج الذكاء الاصطناعي بشكل أخلاقي ومستدام في التعليم.
كما تشمل هذه السياسات الداعمة للمدارس ضمان وضوح قانوني بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في السياقات التعليمية، وتوفير بنية تحتية رقمية آمنة ومتاحة في المدارس، وفرص التطوير المهني لقادة المدارس، ومنسقي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والمعلمين، والطلاب، ونماذج تنظيمية مرنة تُمكّن المدارس من تغيير الممارسات التعليمية التقليدية من خلال الذكاء الاصطناعي، بل وتطوير النظام التعليمي عند الحاجة، بواسطة معلمين محترفين.
فيمكن للذكاء الاصطناعي أن يُعزز قدرات المعلمين، لكنه لا يستطيع أن يحل محلهم. من الناحية المثالية، يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون بمثابة مساعدٍ يُعزز الذكاء البشري بدلاً من أن يحل محله. عند استخدامه بوعي، يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يعمل كهيكلٍ خارجي يُساعد المعلمين قبل وأثناء وبعد التدريس. قبل التدريس، يُمكنه، على سبيل المثال، اقتراح أمثلةٍ مناسبة ومساعدة المعلمين في تصميم بيئة التعلم. أثناء التدريس، يُمكنه مساعدة المعلمين في تشكيل مجموعاتٍ مُنظمة للعمل الجماعي، وتحديد الطلاب الذين قد يحتاجون إلى دعمٍ إضافي، أو تقديم ملاحظاتٍ فورية حول المفاهيم الخاطئة الشائعة وصعوبات التعلم. بعد التدريس، يُمكن للمعلمين مراجعة لوحات المعلومات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والتي تُصور تقدم الطلاب، واستخدام الذكاء الاصطناعي للتفكير في أساليب التدريس اللاحقة لدعم تعلم الطلاب بشكلٍ أكبر، واستخدامه لمساعدتهم في تقييم أعمال الطلاب. مع ذلك، من الضروري أن يبقى المعلم هو المُتحكم. لكي يُضيف الذكاء الاصطناعي قيمةً حقيقية، يحتاج المعلمون إلى خبرةٍ مهنيةٍ مُتطورة ونظرةٍ نقديةٍ سليمة تجاه أنظمة الذكاء الاصطناعي. ينبغي للذكاء الاصطناعي أن يدعم الممارسات التعليمية لا أن يفرضها.
إذا أردنا معالجة التحديات التي تواجهها المدارس بفعالية، فلن يُجدي نفعًا فصل التعليم بشكل مصطنع عن تطورات الذكاء الاصطناعي. لا يمكننا تجاهل حقيقة أن الطلاب - والمعلمين - يستخدمون الذكاء الاصطناعي بالفعل. لتحقيق ما هو ما لا مرغوب فيه من وجهة نظر تعليمية. يمكن تطبيقه عملياً في المدارس، نحتاج إلى نقاش جوهري حول الأهداف التي نريد أن يسعى إليها التعليم، وماذا يعني ذلك بالنسبة لتقييم تلك الأهداف، وكيف يمكننا تنظيم تعليمنا في سياق الذكاء الاصطناعي. عندها فقط، سيساهم الذكاء الاصطناعي في تحسين التعليم بشكل أكبر.
واضعين في الاعتبار أن ظهور أنظمة الذكاء الاصطناعي يُمثّل قطيعةً جذريةً في التاريخ، وسيُحدث تحولًا جذريًا في كيفية قراءتنا وكتابتنا وتعلّمنا وإنتاجنا للمعرفة. ولا يُشير تسارع قدرات هذه الأنظمة إلى تقدّم تكنولوجي فحسب، بل إلى قطيعة جوهرية في مفهوم الذكاء، وكيفية خلق المعنى وتوزيعه، وكيفية السعي وراء التعليم والتحقق من صحته.



