بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
تناولنا من قبل في إيجاز تطور دين إبليس (الكابالا) وصولا لتنظيم الماسونية العالمي كتنظيم سياسي سري وسيطرته على مقاليد الحكم في بلدان العالم وتخطيطهم الشيطاني لاستمرار السيطرة وتزايدها عبر المال والسياسة وصناعة الحروب والثورات مستغلين بدهاء نقاط الضعف البشري من أهواء وشهوات لتدمير مفاهيم وقيم كل دين سماوي ونشر الفرقة والعداء بين البشر وتنمية النزعات العرقية والمذهبية في كل شعب ودين ، وخداع المتدينين من الأديان السماوية الثلاثة بأساطير ميلاد أو عودة أو نزول المسيح أو الدجال حسب معتقدات كل دين محققين أبدية العداء بينهم جميعا ، وتوقفنا عند الجنرال الماسوني الدموي (ألبرت بايك) صاحب مخطط الحروب العالمية الثلاثة والتي حدث منها حربان ونحن الآن على أعتاب الحرب العالمية الثالثة طبقا لمخططه ، وقد بدأ الإعداد للحرب العالمية الثالثة فعليا بنهاية الحرب العالمية الأولى بجدية وإصرار ، وقد هدف المخطط لإيجاد أسباب تراكبية لقيامها بين مجموعة الدول المسلمة وغير الماسونية من جهة ضد مجموعة الدول الماسونية التابعة للتنظيم الصهيوني من جهة أخرى .
ولضمان النصر للماسونية الصهيونية كان لابد من إيجاد أسباب الضعف والخلاف بين الدول العربية بتقسيمها لدويلات متناحرة عرقيا ودينيا وهو ما نجحوا في تنفيذه بدقة فيما نعرفه نحن بمعاهدة سايكس بيكو ، فبينما كان نشاط الصهيونية يتزايد في فلسطين بعد عزل السلطان عبد الحميد الثاني سنة 1908، وبسبب الفساد والرشوة في الإدارة العثمانية، كانت الدوائر الاستعمارية الأوربية ترسم الخطط السرية، فيما بينها ، لاقتسام الدولة العثمانية المتداعية ، وعقدت بريطانيا وفرنسا في 16 أيار "مايو" 1916، معاهدة سرية لاقتسام المشرق العربي فيما بينهما ، وذلك خلال الحرب العالمية الأولى بين بريطانيا وفرنسا وحلفائها من جهة والدولة العثمانية وألمانيا وحلفائهما من جهة ثانية .
وجاءت هذه المعاهدة التي عرفت باسم معاهدة سايكس ـ بيكو، نتيجة محادثات دارت بين ممثل بريطانيا (سير مارك سايكس) ، وممثل فرنسا (مسيو جورج بيكو) ، اللذين عرضا نتائج محادثاتهما السرية على روسيا القيصرية، فوافقت عليها في مقابل اتفاق تعترف فيه بريطانيا وفرنسا بحقهما في ضم مناطق معينة من آسيا الصغرى بعد الحرب ، وبموجب معاهدة سايكس ـ بيكو، قسمت بريطانيا وفرنسا المشرق العربي ـ باستثناء شبه الجزيرة العربية إلى خمس مناطق، ثلاث مناطق ساحلية هي المنطقة الأولى (السواحل اللبنانية السورية وأعطيت لفرنسا) ، والمنطقة الثانية (السواحل العراقية من بغداد إلى البصرة وأعطيت لبريطانيا)، والثالثة (فلسطين) ، ثم منطقتين داخليتين هما السورية ، و العراقية وكانت مصر قد أصبحت مستعمرة بريطانية قبلها بأكثر من 30 سنة .
وتتابعت عجلات التاريخ لتسطر تنفيذا دقيقا للمخطط بتفتيت أواصر جميع الدول العربية بإتقان فرأينا المغرب العربي ينقسم لخمس دويلات ومصر تفقد السودان وسلطنة عمان التي كانت تطل على الخليج العربي كاملة تنقسم لمجموعة دويلات متناحرة وإمارات والشام ينقسم لسوريا ولبنان والعراق تخرج منها الكويت مستقلة عنها ، وجاءت ثورة يوليو 1952م لتهدد المخطط كاملا ، ولذلك كان لابد من التدخل العسكري الصريح لسحق الكيان المصري المتنامي في عامي 1956م ثم في 1967م ، ثم جاءها التهديد الثاني من السادات عقب انتصار اكتوبر1973م وتصاعد شعبيته وعداءه لأذنابهم الدينية من الإخوان والجهاديين فكان اغتيال السادات بداية لعودة السيطرة الماسونية على مصر بالتنسيق بين آل مبارك وإخوان المسلمين على أن يتم تسليم السلطة للإخوان ببداية القرن الواحد والعشرين لتنفيذ الفصل الأخير بتقسيم مصر ، وهو ما سوف نتناوله لاحقا بالتفصيل حتى لا نتغافل عن تسلسل مخطط التقسيم أو سايكس بيكو الثانية والتي كان بطلها (برنارد لويس) وهو أحد أهم وأخطر المحطات التي يجب التوقف عندها لأننا نعيش اليوم تداعيات تخطيطه الشيطاني بكل تفاصيله .
برنارد لويس هو مستشرق أمريكي الجنسية بريطاني المنشأ ويهودي الأصل ، ماسوني وصهيوني الانتماء من مواليد 31 مايو 1916م، ولد من أسرة يهودية من الطبقة الوسطى في لندن ، تلقفته الماسونية مبكرا لظهور بوادر نبوغه فتعلم العبرية ودرس الآرامية والعربية ثم اللاتينية واليونانية والفارسية والتركية ، تخرج عام 1936م من كلية الدراسات الشرقية والإفريقية في جامعة لندن ، وتخصص في تاريخ الشرق الأدنى والأوسط حصل على الدكتوراه بعد ثلاث سنوات ، من نفس الكلية متخصصاً في تاريخ الإسلام ، ودرس القانون وحصل على "دبلوم الدراسات السامية" في 1937م ، وخدم لويس في الجيش البريطاني في الهيئة الملكية المدرعة خلال الحرب العالمية الثانية ثم في هيئة الاستخبارات في 1940م ، ثم أعير إلى وزارة الخارجية وأستاذا جامعيا حتى انتقل برنارد لويس إلى الولايات المتحدة الأمريكية فعمل كأستاذا محاضرا بجامعتي برنستون وكورنل في السبعينات ، وحاز العديد من الجوائز من قبل مؤسسات تعليمية أمريكية لكتبه ومقالاته في مجال الإنسانيات ، وقد كلف بالهجرة إلى أمريكا ليكون مستشارًا لوزير الدفاع لشئون الشرق الأوسط ، وقد حصل على الجنسية الأمريكية سنة 1982م .
وفى عهد الرئيس الأمريكي جيمي كارتر ( 1977- 1981) وضع "برنارد لويس" مشروع التفكيك حيث أسس فكرة تفكيك البلاد العربية والإسلامية ودفع الأتراك والأكراد والعرب والفلسطينيين والإيرانيين ليقاتل بعضهم بعضًا ، وهو الذي ابتدع مبررات غزو العراق وأفغانستان ، وهو صاحب أفكار القاعدة وداعش والفرق المخربة باسم الجهاد ، وقد وضع "برنارد لويس" مشروعه بتفكيك الوحدة الدستورية لجميع الدول العربية والإسلامية، وتفتيت كل منها إلي مجموعة من الكانتونات والدويلات العرقية والدينية والمذهبية والطائفية، وأوضح ذلك بالخرائط ، والتي على أساسها يتم التقسيم ، وسلم المشروع إلى (بريجنسكي) مستشار الأمن القومي في عهد جيمي كارتر والذي قام بدوره بإشعال حرب الخليج الثانية حتى تستطيع الولايات المتحدة تصحيح حدود (سايكس بيكو) ليكون متسقا مع المصالح الصهيوأمريكية ، وقد وافق الكونجرس الأمريكي بالإجماع وفي جلسة سرية عام 1983م علي مشروع برنارد لويس ، وتمَّ تقنين المشروع واعتماده وإدراجه في ملفات السياسة الأمريكية الإستراتيجية المستقبلية .
وقد كان مبرر برنارد لويس لهذا المشروع التفكيكى .. إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون ولا يمكن تحضرهم ، وإذا تُرِكوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمِّر الحضارات وتقوِّض المجتمعات ، ولذلك فإن الحلَّ السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم ، وتدمير ثقافتهم الدينية وتطبيقاتها الاجتماعية ، وعلى أمريكا القيام بهذا الدور مستفيدة من التجربة البريطانية والفرنسية في استعمار المنطقة لتجنُّب الأخطاء والمواقف السلبية السابقة ، ولذلك فإنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلي وحدات عشائرية وطائفية ، ولا داعي لمراعاة خواطرهم أو التأثر بانفعالاتهم وردود أفعالهم ، ويجب أن يكون شعار أمريكا في ذلك (إما أن نضعهم تحت سيادتنا أو ندعهم ليدمروا حضارتنا) ويجب عند احتلالهم أن تكون مهمتنا المعلنة هي (تدريب شعوب المنطقة علي الحياة الديمقراطية) وخلال هذا الاستعمار لابد أن تقوم أمريكا بالضغط علي قيادتهم الإسلامية دون مجاملة ولا لين ليخلصوا شعوبهم من المعتقدات الإسلامية الفاسدة ، ولذلك يجب تضييق الخناق علي هذه الشعوب ومحاصرتها ، واستثمار التناقضات العرقية ، والعصبيات القبلية والطائفية فيها .
وقد قسم المخطط جميع الدول العربية والإسلامية لدويلات وعلى رأسها مصر التي كان مخططا لها أن تنقسم إلى خمس دويلات ، دولة إسلامية سنية في القاهرة والدلتا يحكمها الإخوان ودولة للمسيحيين في الغرب من أسيوط حتى الإسكندرية ودولة للنوبة من قنا وجنوبا ودولة للبدو في غرب وجنوب سيناء ودولة فلسطينية على شمال سيناء بعد ضمها إلى غزة ، وتقسيم العراق إلى 3 دويلات دولة شيعية في الجنوب حول البصرة ودولة سنية في وسط العراق حول بغداد ودولة كردية في الشمال والشمال الشرقي حول الموصل علي أجزاء من الأراضي العراقية والإيرانية والسورية والتركية والسوفيتية سابقًا ، وقد تم بالفعل تقسيم العراق وتحويله إلى 3 دويلات سنية وشيعية وكردية بناء على ما يسمى بالفيدرالية ، وتقسيم سوريا إلى 4 دويلات هي دولة علوية شيعية علي ساحل البحر المتوسط ودولة سنية في منطقة حلب ودولة سنية حول دمشق ودولة الدروز في الجولان ولم يترك المخطط دولة عربية دون تقسيمها أو إدخالها في تقسيم جديد مختلف في إطار الفوضى الخلاقة التي أعلنتها (كوندليزا رايس) منذ سنوات مضت.
وبالفعل تم بدء تنفيذ المخطط فعليا بالحرب الإيرانية العراقية ثم تدمير برجي التجارة التي أدارت المخابرات الأمريكية عمليته كاملة لتكون مبررا لما يليها من احتلال ، ثم صنعت حرب الكويت كاملة وأعقبها احتلال العراق وتدميره وتقسيمه تحت ادعاءات الديمقراطية وامتلاك العراق لأسلحة نووية ، ثم اشتعلت فوضى المتأسلمين في سوريا وتونس وليبيا واليمن حتى وصلوا للجائزة الكبرى مصر والتي بدأ الإعداد لها منذ اغتيال السادات في بداية ثمانينات القرن الماضي وكاد المخطط أن يحقق قمة نجاحه باحتلال أمريكي وأوروبي وإسرائيلي لمصر على غرار مسلسل ليبيا لولا تنحي مبارك المفاجئ والذي أجهض مخطط التدخل الصهيوني تحت ستار حماية الشعب من مبارك وجيشه ، ليبدأ فصل جديد من حروب معقدة وشرسة ومريرة بين مجموعة من أجهزة الاستخبارات الغربية وبعض الإقليمية والعربية العميلة من جهة والمخابرات المصرية وحدها من جهة أخرى ، لتسجل صفحات التاريخ (دروسا جديدة سوف تدرس بتفاصيلها وعبقريتها في جميع مدارس المخابرات في العالم لقرون طويلة قادمة) وذلك على حد قول ثعلب المخابرات الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) وهو ما سوف نستعرضه بتفاصيله الخطيرة لاحقا ..



