بقلم : عاصم حنفى

عاصم حنفي
سجدت لله شكرًا.. والأخبار تزف إلينا خبر تعرض نائب رئيس مجلس الدولة للاعتداء من البلطجية فى وضح النهار.. سرقوا سيارته والفلوس والمحمول.. غموا عينيه وتركوه فى الأحراش حتى الفجر.. وحتى تمكن من الوصول إلى النيابة ليحرر بلاغا بالواقعة!
سبب سعادتى.. أن سيادة المستشار الكبير تعرض لما نتعرض له يوميًا نحن أبناء الشعب بالكامل.. والحادث يؤكد أننا متساوون فى مواجهة البلطجة.. والمساواة فى الظلم عدل كما يقولون!
الخيبة أن سعادة المستشار ليس قاضيا عاديا.. هو المستشار حسين بركات عضو اليمين بالدائرة الأولى بالمحكمة الإدارية العليا.. وهى الدائرة التى حكمت بحل مجلس الشعب مؤخرًا.. دائرة قضائية شجاعة أصدرت حكمها فى مناخ ساخن عاصف.. لم تهب المظاهرات والوقفات الاحتجاجية خارج المحكمة.. أصدرت حكمها الشجاع ورزقها على الله!
فى جميع بلاد الدنيا.. وعلى وجه الخصوص البلاد الديمقراطية التى نتشبه بها.. فإن القاضى هو الأصل والفصل.. يوفرون له الحماية المخصوصة.. عنده حراس أشداء.. على اعتبار أنه عرضة للتعدى والتحرش من قبل الخارجين على القانون.. أو من المتهمين الذين يقفون أمامه فى المحكمة.. الذين يعتقدون أنه بإرهاب القاضى فربما يستطيعون إجباره على إصدار أحكام على هواهم.
وفى حالة الاعتداء على المستشار حسين بركات.. سوف نفترض مثلاً.. أن الجناة من البلطجية العاديين.. والمستشار كان فى طريقه إلى بيته بمحافظة القليوبية.. فاعترضه الجناة وسرقوا سيارته بما تحوى من أوراق خاصة تتعلق بقضايا مهمة.. ومن المؤكد أن الأمن لو أراد لقبض على هؤلاء الجناة خلال ساعات واستعاد الأوراق المهمة وأعاد للأمن هيبته المفقودة.
ولكن افترض سعادتك.. مجرد افتراض.. أن الجناة ليسوا من البلطجية.. افترض أن لهم علاقة بالحكم القضائى بحل مجلس الشعب.. وأن الاعتداء هو نوع من الثأر.. أو أنهم أرادوا تلقين المستشار درسا.. ليكون عبرة لزملائه من القضاة.. وحتى لا تتكرر تلك النوعية من الأحكام الرادعة ضد جماعات سياسية بالذات.. فماذا عن الأمن فى هذه الحالة.. هل يستطيع القبض عن الجناة.. أم أنه سوف يبتعد عن الشر ويغنى له؟!
إن القاضى هو القدوة والمثل.. والمستشار حسين بركات هو مستشار حقيقى.. وليس مستشارًا من إياهم.. الذين يطلقون على أنفسهم اللقب كنوع من المباهاة.. وإذا كنا نسعى حقا لإعلاء القيم وترسيخ المبادئ ومحاربة الفساد.. فلنبدأ من هنا.. وعلينا بتوفير الحماية للقضاة.. وعلينا بإنصافهم.. لأنه من الظلم أن يحكم القاضى بالعدل.. وهو يعانى الفاقة والعوز ويمد يده ويستلف فى آخر الشهر!
أما مجموعة الجناة.. الذين سرقوا القاضى.. فهم يتمتعون طبعا بذكاء فطرى.. هم أبناء الذين خرموا التعريفة ودهنوا الهوا دوكو.. هم يعرفون أنهم يسرقون قاضيا كبيرًا لا حول له ولا قوة.. ولو كان واحدا منهم تجرأ وسرق زلمكة أو بى إم دبليو مملوكة لواحد من الكبار والسادة الأغنياء الجدد لقامت الدنيا ولم تقعد.. وستعود السيارة قبل آخر النهار.. لكن سرقة سيارة مستشار تدخل فى باب الجرائم العادية.. وهم يعرفون أنه لن تتحرك جهة واحدة للبحث فى الملابسات.. مع أن الاعتداء على مستشار فى البلاد الديمقراطية يمكن أن يقيل الحكومة.. أما عندنا.. فقل يا باسط!!



