بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
في زخم الأحداث الجارية خلال السنوات الأخيرة محليا وعالميا وما يصدر من تصريحات وهرتلات فكرية ولفظية في مختلف المجالات والمحافل تصل إلينا عبر وسائل الإعلام بمختلف نوعياتها وتبعياتها وجدتني مجبرا لاستعراض منطقية المعتقدات البشرية على كوكب الأرض والتي تشكل ثقافة وفكر البشر ، وعجبا وجدت أن عقول الغالبية العظمى من البشر تتمتع بقدور كبيرة من المحدودية وضيق الأفق تصل لحدود السذاجة بل وربما البلاهة والعته والتغييب ، وهي بلا شك متعمدة بإصرار ممن يملكون توجيه وإدارة دفة الفكر والثقافة في العالم ، ولكنها تبدو تلقائية متفشية كالنار في الهشيم بين الغالبية من البشر حتى ولو كانوا من أصحاب الدرجات الأدبية والاجتماعية والسياسية بل والعلمية المتقدمة والتي قد تصل لمستويات الماجستير والزمالة والدكتوراه وربما الأستاذية في علوم بعينها ، وربما كان هذا واضحا بمنتهى البساطة فيما زلنا نعانيه ونتعامل معه من أساتذة جامعات وأصحاب درجات علمية رفيعة ولكنهم ما زالوا مقتنعين بأفكار ومعتنقات العته الماسوني وجماعاتهم المختلفة كالليبراليين والثوريين والإخوان والسلفيين والوهابيين والصوفيين والشيعة بمختلف درجاتهم وأطيافهم بل ومؤمنين أنه حقيقة وحق والتزام مقدس لا فكاك منه ، وليس هذا بغريب ولا عجيب لو تذكرنا أن هناك علماء بلغوا أرقى مستويات العلم ولكنهم لا يجدون حرجا أو غرابة في تقبيل يد المرشد أو الأمير وحذائه وآخرون يعبدون البقر أو النار أو الشمس أو الهواء ومنهم من يرفضون فكرة وجود (الرب) جملة وتفصيلا ويصرون على مقولة (ربي هو ما أملكه في جيبي) وما أكثرهم في بلاد الجنس الأصفر (الصين واليابان وكوريا وتوابعهم) ،
ولا شك أن الارتقاء في مستوى الدرجة العلمية أو الأدبية لا يعني بالضرورة الارتقاء في مستويات الثقافة الإنسانية والتي تعني فهم وإدراك معان حركة الحياة في إطار ناموس الكون ، فالثقافة موهبة رفيعة القدر وتتمثل في القدرة على ربط العلم ومجريات حركة الحياة بناموس الكون ، وهي منحة ربانية لا يمكن بلوغ درجاتها العليا بالتعلم فقط ، ولكن يمكن إدراك بعضها بالإصرار على فهم العلوم وربطها بحركة الحياة بمنهج تطبيقي شامل ومختصر ، فالثقافة هي القدرة على فهم ناموس الكون في ظل معطيات الأحداث وحركة الحياة وتطور العلوم المختلفة وربطها تلقائيا ببعضها لتعطي فكرة عامة ومختصرة وربما من خلال تدقيق تفصيلي في مجال بعينه فتدل على مقتضى الحكمة من حركة الحياة للبشر والمخلوقات وارتباطهم بخلق الكون وحركته واتجاهات تطوراته المستقبلية ، وبالتالي فليس شرطا أن يكون المثقف متعلما بل كثيرا ما نصادف أشخاصا على درجة عالية من الثقافة الإنسانية ولكنهم أميون لا يقرأون ولا يكتبون بأية لغة ، وربما كان أشهرهم ذلك الأعرابي الذي قال (الأثر يدل على المسير ، والبعرة تدل على البعير ، فكيف بأرض ذات فجاج وسماء ذات أفلاك لا تدل على وجود الخلاق العظيم) .
وبالقطع هناك تفاوتا كبيرا بين البشر في قدراتهم النفسية والعقلية والاجتماعية والمرتبطة أساسا ببيئة التربية والتعليم منذ الصغر والتي تكون متشابهة ومتقاربة في المجتمع الواحد ولكنها تختلف من مجتمع لآخر ومن بيئة حضارية لأخرى ، ولكن هذا التفاوت والاختلاف من المؤكد أنه في حدود قدرات التأقلم الفطرية للإنسان وهو ما أثبتته نتائج التطور الكبير في وسائل الاتصال والتواصل بين الشعوب في السنوات الأخيرة فضلا عن تزايد حجم الهجرات البشرية بين شعوب العالم ، والتي قد لا تغير فكر وثقافة الشعوب فقط بل هي قادرة على تغيير ملامح البيئة الأصلية تدريجيا مثلما يحدث اليوم في الدول الاسكندينافية والتي تعاني من تناقص السكان الأصليين في مقابل تزايد نسب المهاجرين إليها وهو ما يولد موجات ثانوية من محاولة تقليص تأثيراتهم الفكرية والثقافية مثل صرخات الاستغاثة من مخاوف تحول أوروبا للإسلام في غضون عقود قادمة ومحاولات البعض الإساءة للمسلمين والإسلام ، ولكنها مع الماسونية والصهيونية العالمية وصلت لحدود التآمر والتخطيط لخلق وتدعيم جماعات إرهابية تحت مسميات إسلامية لمقاومة انتشار المد الإسلامي في العالم ، بل وتنفيذ مخطط تطهير الشرق الأوسط من المسلمين تمهيدا لنزول أو عودة المسيح ، ولكن من المؤكد أن السنوات الأخيرة وفي ظل التقدم التكنولوجي السريع قد شهدت تغيرات جذرية في فكر وثقافة كثير من البلدان وصلت لظهور تكتلات لمجتمعات جديدة بثقافات وفكر مختلف عن السكان الأصليين تتميز بفكر وثقافات متطورة تحكمها تغيرات توافقية لقيم وثقافة مع كل من المهاجرين والمجتمع الأصلي وقيمه المتوارثة .
وعلى قدر ما كانت هذه المجتمعات الجديدة في بلاد مثل الولايات المتحدة مصدرا للتوتر وانتشار الجريمة وصراعات السيطرة بين عصابات السود والإيطاليين والآسيويين في أحياء بعينها كجنوب بروكلين ، أو بعض تجمعات الغجر في جنوب فرنسا ، وما يخشونه من تجمعات اللاجئين العرب والسوريين في أوروبا إلا أن هذه التجمعات الغريبة دوما تكون سببا في تغيير وتطوير ثقافة الشعوب سواء المهاجرة أو الأصلية بدرجة كبيرة بل وتساهم في تصحيح الكثير من المفاهيم المغلوطة والمبنية على الجهل بالآخر ، والتي يعاني منها الغرب وأمريكا تجاه المسلمين والعرب بوجه خاص ، حيث تتفشى معتقدات تصف العرب بالبرابرة المتخلفين وتصم المسلمين بالإرهاب وانعدام الضمير والأخلاق وهي صفات سعت الماسونية والصهيونية العالمية من أجل تثبيتها وتأكيدها عبر قرون طويلة خاصة بعد سقوط الأندلس وما استتبعها من محاولات مستميتة لقادة ومفكري الغرب لتشويه المسلمين والعرب من أجل محو ذكراهم من تاريخ وذاكرة الأوربيين خاصة لو اكتشفنا أن بعض مراجع المؤرخين الأوروبيين عقب سقوط الأندلس كانت تعاير الأوروبيين وملوكهم بأن المسلمين هم من علموهم النظافة والطهارة بل والاستحمام قبل أن يعلموهم قيم الأخلاق الكريمة وآداب التعامل ومعان الشرف والحياء والمروءة والرفق بالبشر والحيوان والنبات فضلا عن جميع أساسيات العلوم البحتة والتطبيقية كالطب والهندسة والكيمياء والرياضيات والتي وصلت لأسس وتطور علم المصفوفات التي هي أساس علوم الحاسبات الآلية .
وفوق كل هذا لا ينكر المحايدون في الغرب أن المسلمين قد علموا الأوروبيون أسمى وأرقى مبادئ الحياة البشرية والتي كانت وما تزال سببا في حضارتهم وتقدمهم حتى اليوم ، فقد علموهم أن مهمة الإنسان التي خلقه الله من أجلها هي إعمار الدنيا ، وأن إفساد الدنيا جريمة في حق البشرية وحق خالقهم وتستحق أشد العقوبات ، فأصبحت مبادئ يربون أبناءهم عليها ويحاسبون أطفالهم على حجم انجازاتهم لبلادهم وأوطانهم منذ صغرهم مع عدم الاستهانة أو السخرية من أي عمل مهما كان صغيرا لأنه إضافة لحضارة وتقدم وطنه ، وهو ما فقده المسلمون في بلادهم عندما قبلوا تزوير دينهم وارتضوا الادعاء بأن العبادة هي في تأدية فروض ومناسك ومراسم ومظاهر والتي فرضها الله فقط لضمان استقامة الإنسان في أداء مهمة الإعمار للأرض والدنيا من حوله ، فأنكروا مهمة الإعمار واعتبروها وسيلة للعيش وتحصيل الرزق متشبهين بالأنعام والحيوانات فتخلفوا وتصارعوا على المكاسب الشخصية وسقطوا وهانوا على الدنيا حتى أصبحوا كغثاء السيل .
فإذا كان المسلمين قد زوروا المهمة التي خلقهم الله من أجلها وانقسموا لأكثر من سبعين فرقة (وكل حزب بما لديهم فرحون) وكان من المفروض أنهم أرقى وآخر من تلقوا تعليمات سماوية من ربهم ليقودوا الدنيا لخيرها كقدوة لهم ، فلا عجب أن نرى حتى من لا دين له يرفض الإسلام حتى ولو كان يعبد البقر ويسجد للشمس أو يعبد بوذا أو يدعي أن لله ولدا وزوجة وشريكا في ملكه ، ولكنه من حقه أن يرفض إتباع هؤلاء المسلمين البرابرة والإرهابيين المتخلفين والمدعين أنهم أصحاب الدين الحق وهم لا يرقوا لمستوى القدوة في سلوكياتهم وعاداتهم ، ولذلك لست ألوم صديقي الأوروبي عندما يقول في تهكم واضح ، سيدي كيف تأمرني أن أتبع إسلامكم وأصبح مثلا من الشيعة فأقطع جسدي وأجساد أطفالي وأتلطخ بالدم وألطم وأشق ملابسي وأرقص عاريا بالطين على رأسي لمجرد تخليد ذكرى مقتل رجل مقدس كان أجدادهم سببا في قتله ، وأضيف له ببساطة من حقك سيدي أن لا تتبع دين بشر يرتضون بالإهمال والقذارة وتلويث وتدمير شوارعهم ومنافعهم العامة وتخريب بلادهم ووسائل مواصلاتهم ويقتلون بعضهم البعض باسم الدين ويحترفون الرشوة والاختلاس والسير في الممنوع والكذب والضلال والبهتان ويستحلونه ويحللونه فيما بينهم بلا أدنى عقل أو ضمير .
تلك هي الحقيقة المؤلمة والتي لا جدال فيها .. أننا ندعي .. ولكننا لسنا قدوة حسنة أو محترمة لما ندعيه ، بل ونساهم جميعنا في تفاقم سوء أحوالنا وانحدار فكرنا وثقافتنا ونساعد الماسونية العالمية في تدمير فكر وثقافة البشر بطمس الثقافة والفكر الإسلامي الذي صنع حضارة حكمت الأرض لأكثر من 1000 سنة ، فكلنا مجرمون في حق الله أولا ثم في حق أنفسنا لإصرارنا أننا جميعا قضاة لغيرنا دون أن يحاسب كل منا نفسه .



