بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
سنوات ترحل من عمرنا تطارد بعضها بعضا .. ولكن ترى ما شكل حصادنا كبشر الذي نخرج به من عام 2015م أو عام النقاهة والذي سوف نودعه بعد ساعات قليلة ، وما هو أبلغ أوصافه في كلمات موجزة ، وما هي محتوياته المبهجة والمحزنة ، وماذا ترك لنا من هموم ومهام نحملها في قطار العام الجديد 2016م ، ولنصارح أنفسنا بالسلبيات ولكن دون تشاؤم أو إحباط فالبشر صنعة الأمل ولولا الآمال ما كان للبشر ماض وتاريخ قد صنع حاضرهم والذي جاءنا لنبني فيه أساسا لغدنا ومستقبل أجيالنا ، وقد مرت شهور هذه السنة سريعة ربما بدت وكأنها أسرع من سابقاتها الأربعة وذلك لتراجع الفوضى والإرهاب والأحزان كثيرا بل وكثير من مشاكلنا المزمنة ، وربما لتسارع الأحداث وغرقنا في تدفقها المتدافع على مدار الساعة وربما بالدقائق خاصة في الأحداث العالمية والإقليمية ، وربما لأننا نسينا أو نود أن نتناسى ما تعرضنا له عبر السنوات الماضية وكيف كنا قاب قوسين أو أدنى من المصير السوري أو الليبي أو العراقي بالتبادل ، وهي حقيقة لا ينكرها صانعوها والعاملين عليها والعابثين بمقدرات الشعوب في منطقتنا العربية .
ولو اخترنا أن يكون الحصاد مرا في بدايته فلن نستطيع أن ننسى أننا قدمنا أكثر من 300 شهيد من القوات المسلحة والشرطة وغالبيتهم في سيناء ، ولا نقول أنهم راحوا ضحايا للإرهاب الأسود ولكن نقول الحقيقة أنهم دفعوا ثمن أن نحيا في أمان بلا توتر أو قلق ، نكتب كلمات وننقد ونتجادل بل وبعضنا يسب ويلعن وهو يحتسي فنجان قهوته أو يتجرع رشفات مشروبه المفضل من كوبه (المج الخصوصي) في تمنع المتنطع وتأفف المستخفف ، راحوا وتركوا خلفهم يتامى وأرامل وثكالى وذكريات نفوس طاهرة عجل الله بأجلها من أجل من تركوه خلفهم ، ومن الحصاد المر أيضا والذي لا يخفى إلا عن مغيب أو جاهل تلك الهجمة البربرية لكل أشكال الفحش والتي تفجرت في مصر بداية من انحدار أخلاقيات البشر في الطرقات والبيوت إلى أفلام السوبكي المتدنية الأخلاق والمستوى إلى أغاني التوك توك التي وصلت مستويات (سيب إيدي وما بلاش من تحت يا حودة) ، وانتقالا لتعمد نشر الرقص والعري وهز المفاتن في برامج ومسابقات للفن والأصوات والأجساد ومذيعين ومذيعات فقدوا حتى الحد الأدنى من الحياء بل قل من الشرف والمروءة وكأننا نسهر يوميا في عدة ملاهي ليلية فاحشة في وقت واحد عبر الفضائيات وحدث ولا حرج .
ومن أمر الحصاد ليس ما تتسابق فيه البرامج الحوارية من نشر وتضخيم السلبيات فقط بل وما تنتقيه لتنقله للبيوت على أنه متفشي في المجتمع من جرائم قد لا تحدث مرة في العقد أو حتى القرن ، بل ووصلت الوقاحة لأن قال أحدهم في تفاخر ممقوت (نحن من نصنع الخبر حتى من الوهم ونصنع أثره ونحوله كيفما شئنا لصالح من يدفع أكثر) وكأنهم يعملون لحساب أجندات عميلة للوصول بالمشاهد لانعدام الثقة وفقدان الأمل والإحباط ، حتى أن أكثرهم شرفا وضميرا يعتبرها سبوبة ومصدر رزق لابد من اقتناصه ولو على جثة شعب بأكمله ، وناهينا عن المتحزلق والمتفزلك ومن يفترض من خياله أشياء واعتبارات ويبني عليها جبال من كوارث ومصائب محتملة ومنتظرة ويحلل ويفسر ثم يتهم ويتهجم ويتنطع ويتمنع حتى يصيب مشاهديه بالغثيان والاكتئاب دون أدنى ضمير أو شرف مهني .
ومن الحصاد المر أيضا هو تفشي الفصام النفسي بين الغالبية العظمى من المجتمع ، فهم عندما يتكلمون يخيل لك أن تجلس بين الملائكة والقديسين والحكماء الأطهار وهم ينتقدون ويسبون الفساد والمفسدين والمرتشين واللصوص ويضعون الحلول لكل المشاكل والمعضلات السياسية والاقتصادية والمجتمعية ، ولكن .. عندما تتابعهم في حركة حياتهم اليومية لابد وأن يفجعك ممارساتهم الميكيافلية البشعة بكل ألوان الفساد والفوضى والرشوة والواسطة والاختلاس واقتناص حقوق الآخرين على أنها فرص والسير في المعاكس في كل شيء دون وجل أو تردد ، ويتبادلون الأدوار حسب موقع كل منهم الزمني والمكاني ولو لدقائق بلا حياء أو مروءة ، ومن تبعيات هذا الحصاد المر هو تفشي انعدام الحياء بين البنات والنساء بل والرجال والشباب ، حتى أن أحدى السيدات الأوربيات منذ أيام ونحن نودعها في مطار القاهرة قالت وهي في منتهى الخجل (آسفة لو سببت ملاحظتي هذه حرجا لأحد ولكن .. لماذا رأيت في شوارع مصر وفي أسبوع واحد مصريات شبه عاريات يرتدين البنطلونات التي تصف أجسادهن بدقة فاضحة أكثر مما رأيت في أوروبا في سنة كاملة رغم أن مصر هي رأس الإسلام وبلد الأزهر والعفة والطهارة كما كنا نعرفها ونسمع عنها) ، ولست أدري هل فقد الرجال نخوة الرجولة حتى نرى والدا لا يستحي وهو يعرض مفاتن ابنته للعيون ثم نعود ونشكوا من تفشي التحرش أو جرائم الشرف الاجتماعية ، وناهينا عن احتراف العملاء والخونة نشر الشائعات وبناء الأكاذيب الملفقة وقدراتهم على خداع الملايين من البسطاء والمغيبين والجهلاء ، ولا نستطيع أن ننكر استمرار الكثير من مسلسلات الفساد في المصالح الحكومية والمدارس والمستشفيات والمحاكم وأقسام الشرطة التي تخطت (فيزيتة) الزيارة لمحتجز أو ضريبة إدخال الطعام والاحتياجات حتى وصلت لفرض إتاوات من الأمناء على سكان العمارات المواجهة لقسم الشرطة في نفس الشارع وعلى سائقي التاكسيات أو العربات المحملة بأشياء للوصول لأبواب العمارات عبر المنطقة المغلقة أمام القسم وبتوصية من ضابط القسم أو المباحث ( شوفوهم بحاجة ومشوا حالكم) ، وناهينا عن كم العربات التي ما زالت مسجلة على ذمة سبت الخضار ومشاوير الهانم مرات الباشا وتوصيل الأولاد للمدارس والنادي والأقارب ، وكذا تعيين فلان بن فلان دون الالتزام بقواعد أو قانون في مؤسسة لا يوجد بها تخصصه وضم مدة خدمته السابقة الخاصة ، مع استمرار التجديد بعد سن المعاش لرؤساء شركات ومؤسسات متهمون وبالأدلة والمستندات بسوء استغلال الوظيفة والسلطة والاختلاس وإهدار المال العام والفشل في الإدارة رغم تغيير الوزراء أكثر من مرة وعلم كل وزير سابق ولاحق بكل الأخطاء والمخالفات وكأن الجميع مصرون على استمرار الخراب والتدمير ، وفي النهاية هي تفشي سوء الأخلاق بين فئات شعب ولابد من التدخل لعلاجها بشتى الوسائل .
أما الحصاد المبهج فلا شك أن السيسي نجح في بناء سياسة خارجية متميزة وعالمية وصلت بنا لعضوية مجلس الأمن ورئاسة ثلاثة من لجانه أهمها لجنة مكافحة الإرهاب ، وناهينا عن نجاح تنفيذ قناة السويس الجديدة بعائداتها الاقتصادية بل وقيمتها الإستراتيجية العسكرية الأهم ، وكذا ارتفاع ترتيب قواتنا المسلحة خلال هذا العام من المرتبة الثالثة عشر للمرتبة الثامنة على مستوى العالم خاصة بعد نجاحات مكافحة الإرهاب وتدعيم تسليحه بأكثر من مائة مليار دولار ، ولا ننسى نجاح الدولة في القضاء على مشاكلنا المزمنة بداية من رغيف الخبز والمواد التموينية وضبط الأسعار ، وتوفير الوقود والكهرباء وشبكة طرق عالمية بلغت 3200 كم ، وأكثر من نصف مليون وحدة سكنية منتهية بالإضافة لرفع الحد الأدنى وضبط الحد الأقصى لمعظم فئات الدولة مع ارتفاع الاحتياطي النقدي لأكثر من 17 مليار دولار مما سمح لمصر للارتقاء مرتين خلال العام في التقييم الاقتصادي الدولي ، مع قدرة مالية صلبة وواعية استطاعت مقاومة الصمود أمام كل مؤامرات الصهيونية والعملاء لضرب الجنيه المصري فضلا عن تطوير خمسة مطارات وعشرة مستشفيات كبرى وتطوير معظم مراكز التأمين الصحي وتحسين شبكة المياه والغاز والسكك الحديدية والنقل الداخلي والمترو وهي إنجازات حقيقية غير مسبوقة عبر عقود ثلاثة ماضية ، وأخيرا بداية العمل في المحطة النووية المصرية متزامنا مع أكبر اكتشافات للبترول والغاز الطبيعي في المنطقة وافتتاح مشروع المليون ونصف فدان بالفرافرة وهو صرح كبير وإضافة تاريخية وكل هذا في مجمله هو توفيق من الله تعالى لجهود مخلصة من فئات محدودة تمسك زمام الأمور في هذا الوطن .
لاشك أننا سنحمل في رحلتنا للعام الجديد كل حصادنا المر والتي على رأسها مخططات الصهيونية والماسونية العالمية لاجتياح مصر واغتيال السيسي وحصار الشعب المصري وتفتيته وعرقلة مسيرته للتقدم والنهوض مع كثير من المشكلات المصنوعة بأيدي صهيونية كمشكلة سد النهضة وحلايب وشلاتين وتهديدات داعش من ليبيا وإصرار أمريكا على دخول داعش لسيناء وتسليمها لليهود ، فضلا عن عدد كبير من شركات ومؤسسات الدولة المتعثرة والفاشلة بلا عمد أو بتعمد ، ولا ننسى الكم الهائل من قضايا الإرهاب والتخريب والتي لم تحسم بسبب بطء العدالة المملة الغير ناجزة وبخلاف آلاف قضايا النهب والاختلاس وإهدار المال العام وتعمد تخريب المؤسسات والتي ما زالت قيد الإيقاف لحين توفير القضاة والمحاكم والسجون ، وأخيرا ورغم كل ما نعانيه وما نحمله معنا لعام جديد ، فمصر تعد من أكثر دول العالم أمانا واستقرارا وحتى بعد ثورتيها المتعاقبتين وتعرضها لمؤامرات الفوضى الخلاقة عبر سنوات خمسة ماضية فما زالت القاهرة أكثر استقرارا وأمانا وحياة من نيويورك وباريس ولندن وبرلين وروما فضلا عن عواصم إقليمية كثيرة .



