رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : علي مقلد

الحديث عن كون تنظيم "داعش" ومن على شاكلته من التنظيمات الإرهابية باعتباره مؤامرة ،من قوى دولية ضد العرب والمسلمين ،تحليل ساذج يرقى إلى حد الجريمة فى حق الأمة العربية والإسلامية،إذ أنه يقفز من جذور الأزمة الحقيقية ،إلى أطرافها وفروعها ومخرجاتها،ويبعد بالمشكلة عن أصولها،ومن ثم تضيع الطريق المستقيم نحو التشخيص الجيد والعلاج الحاسم ،ربما يكون في اتهام الآخرين بالتآمر علينا إراحة لنا ونفض أيدينا من كوارثنا ،والارتكان المهين إلى "كربلائية الضعف والمظلومية"  وترك مصائرنا لغيرنا يخطط لنا ويرسم مستقبلنا،في حين أن التنظيمات الإرهابية على مختلف مسمياتها صنيعة ثقافتنا وتاريخنا ومورثنا الذى اختلط فيه البشري بالمقدس والثابت بالمتغير ،وصنعنا من ذلك الخليط أصناما وشخوصا يستحيل الاقتراب منها أو نقد أفكارها .. ومن ثم يجب علينا إعادة صياغة الأسئلة بشكل آخر ربما يفتح لنا أبوابا للحلول ،والسؤال الأهم في ظني :هل "داعش" بدعة في التاريخ الإسلامي ؟!!!


في الحقيقة "داعش" وأخواتها ليست بدعة .. بل كانت قديمة قدم التاريخ الإسلامي فهي موجودة منذ الرعيل الأول من المسلمين ،وإن كانت بمسميات مختلفة ولكنها بأطروحات مشابهة ،فداعش فكرة يتخندق في داخلها أنصارها باعتبارهم "قادة الدين" وأنهم أولى الناس بالإسلام وأنهم مؤمنون وغيرهم ليسوا كذلك ، بالمخالفة لنص الآية {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}،ثم يطغى أنصار الداعشية على الناس فيسلبون إيمانهم ويستحلون دمائهم وأعراضهم وأموالهم بالخلاف للآية " لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ " .


 داعش ... كانت في حادثة "يوم الدار"، أولى الفتن التي وقعت في الدولة الإسلامية، وبداية لأحداث جسيمة،ما زلنا نجتر مرارتها وتوابعها وآلامها إلى اليوم ،فقد أدت تلك الحادثة إلى مقتل الخليفة عثمان بن عفان في سنة 35 هـ،عندما قرر البعض الثورة على الخليفة الثالث ،وحاصروا داره ونزعوا عنه إيمانه ،ثم أردوه قتيلا ،من ساعتها وتفجرت  شلالات الدم ونبتت أشجار الفتنة وتكاثرت وتجذرت ،ثم توالت فكرة داعش فى الانتشار فظهرت طوال خلافة علي بن أبى طالب ،ولعل القارئ للتاريخ يعرف حجم الجرائم التى ارتكبت تحت مزاعم الذود عن حياض الدين ،وكل فريق يرى نفسه المؤمن وغيره كافر حلال الدم والمال والعرض ،فظهر الخوارج ،والقرامطة والحشاشين ،والإباضية ،و ثورة الزنج وغيرها العشرات من الحركات التي رفعت شعارات براقة لكنها فى الحقيقة كانت تبحث عن موطئ قدم لنفسها فى السلطة والحكم ،وعندما كان يقدر لإحدى هذه الفرق الوصول ولو لفترة وجيزة وفى منطقة جغرافية صغيرة الوصول للسلطة فإنهم كانوا يرتكبون المجازر فى حق مخالفيهم وخصومهم ،حتى المعتزلة قادة الاستنارة فى عصرهم عندما وصلوا للحكم أذاقوا مخالفيهم ويلات القتل والسجن .


إذن "داعش" وليدة تراثنا وثقافتنا ،وعلينا الجرأة للقول بذلك والبحث عن العلاج الناجع الذى يجتث تلك الأفكار الهدامة من جذورها ،ويدحض مزاعمها، حتى لا يأتي الأخر المعادي ويستغل ذلك ضدنا لنهب ثرواتنا وتشويه صورتنا وتفكيك منطقتنا ،إذا أردنا الحل ،علينا بمواجهة المرض واستئصال الأفكار السرطانية المتجذرة فى التراث بدلا من معالجة الأعراض التى توحشت وفشلنا فى مواجهتها طيلة أربعة عشر قرنا من الزمان.... ليس المطلوب أيضا جلد الذات ولكن علينا نقض أفكارنا القديمة ،حتى نميز بين الخبيث والطيب ،فترك الخبيث جانبا فقد كان ابنا لزمانه ومكانه وغير ملزم لنا وليس حجة علينا ،وننمى الطيب ونؤسس عليه فكرا حداثيا يستلهم ما فى القديم من عبر وما فى الحديث من قوة وتطور ،لنخطو كما خطى غيرنا نحو الغد ،فحالتنا رغم مرضها المزمن تظل قابلة للشفاء إن أحسنا التشخيص ،واستجبنا لوصفات العلاج وإن كانت مرة وموجعة .

تم نسخ الرابط