بقلم : علي مقلد
بليت مصر في السنوات الأخيرة، بما يمكن أن يطلق عليه "ديكتاتورية المحبطين" ،هؤلاء المحبطون باتوا يملئون الدنيا ضجيجا ،وشعارهم الأبدي "أنا لا شيء يعجبني" وكلما رأى أحدهم خطوة إيجابية في أى اتجاه حتى وإن أشاد بها العالم كله ،بحث بهمة ونشاط في إيجاد سلبيات تلك الخطوة وتشويهها وتشويه القائمين عليها ،ليثبت لنفسه أولا ،ثم لـ "أولتراس المحبطين" المنشرين في عوالم " السوشيال ميديا" أنهم على صواب، وأن غيرهم مخطئ بالطبع ، وأن المخالفين لهم "عبيد ،وجهلة ،وعوام.... إلخ " ففي تلك الرؤية السوداوية لجوقة المحبطين،راحة لأنفسهم،وتنصل من المسئولية ،وإلقاء اللوم والعتب على أوهام أن ثمة قوى مهيمنة ومسيطرة ،تحول دون تحقيق أحلامهم السياسية والفكرية والثقافية والاقتصادية.
هؤلاء المحبطون يتحدثون آناء الليل وأطراف النهار عن الحرية ،وهم أبعد ما يكونوا عن أبسط مبادئها ،وكأن الحرية هي حريتهم ،في فرض أفكارهم وسلوكياتهم على الآخرين، فعندما كان نفر من هؤلاء المحبطين كمثال ،يتظاهر في أحد الشوارع أو الميادين ،يصادر المكان لنفسه ،ويرفض السماح للآخرين بالمرور منه أو معارضة أفكاره وسلوكياته ،فمثلا يرى أن تمام الحرية أن يغلق "مجمع التحرير" كما حدث مرات كثيرة ،في حين أن المواطن صاحب المصلحة ،الذي يرتاد ذاك المكان الحيوي ،ليس له الحق أو الحرية في قضاء مصالحه ،التي ربما يتوقف عليها مستقبله – و أنا شخصيا أعرف بعض المواطنين ضاعت عليهم تأشيرات سفر أو تعطلت مصالح عاجلة لهم بسبب إغلاق المجمع- وإذا اعترض المواطن على هذا الثوري الهمام ،لم ينج من لسان الثورجية وربما من "السنج والمطاوي " التي بيد بعضهم.
كذلك يرى المحبطون أن من حقهم تكرار فعل الخطأ دون أدنى اعتذار أو حتى اعتراف بذنب ،فمثلا كانوا يلومون على نظام حسني مبارك أنه "قام بتربية الإسلاميين في حظائره" وأنه داس علي بقية التيارات السياسية ودفن الكفاءات منها وجرف الثقافة والمجتمع ،فلما وصل المحبطون لصدارة المشهد تحالفوا مع "الإسلاميين" رفقاء الميدان ،ساعتها اتحدت فاشية المحبطين مع الفاشية الدينية وأذاقوا البلاد والعباد الويلات ،وتفننوا فى تكميم أفواه معارضيهم بالترهيب والتخويف والتخوين ،وهددوا الشعب ،وأصدروا قوانين لعزل بعض السياسيين الذين خافوا من شعبيتهم ،مع أن أبسط حقوق الإنسان ألا يعاقب بدون جرم .... ولما خرج الشعب ليذود عن حياض وطنه وعن مستقبل أبنائه ،خرج المحبطون بدلا من الاعتراف بالذنب والندم على ما فعلوه ،وراحوا يتهمون شعبا بأكمله بأنه غير وطني وأنه مغرر به ،وبدلا من أن يصطف هؤلاء المحبطون مع بقية الشعب لإعمار ما فسد ،عادوا مرة آخري للتحالف مع الإرهابيين، ولنشر الكراهية والفوضى والإحباط بين الناس... تحت مزاعم أنهم يستعيدون ثورته المسروقة.
يقول علماء النفس في التعريف المبسط للإحباط "هو مجموع مشاعر مؤلمة، كالإحساس بالضيق والتوتر والغضب والعجز والدونية، وينتج عن وجود عائق ما يحول دون إشباع حاجة عند الإنسان أو حل مشكلاته،وأن الكثيرين يعانون من الإحباط دون أن يعرفوا ذلك، الأمر الذي يجعلهم عاجزين عن مواجهة مشاكلهم ويفقدهم الثقة بأنفسهم،وحدد بعض المختص في الصحة النفسية خمسة علامات للمرض منها ،أولا، الحزن الشديد: فأول علامات الإحباط هي الشعور بالحزن الشديد، أو حين يحس الإنسان في غالب الأحيان أن لا شيء في حياته على ما يرام،وهذا النوع من الحزن لا ينفع معه عزاء، فتجد الإنسان المحبط منغلقاً على نفسه دائماً وغير قادر على استقبال أية أفكار إيجابية،ثانياـ أفكار سوداء كل صباح: الإنسان المحبط يستيقظ كل صباح وهو يتوقع حصول أشياء سيئة خلال يومه.
ثالثا ـ غياب الرغبة وتقلب المزاج: يُعتبر غياب الرغبة في أي شيء علامة من علامات الإحباط. فالإنسان الذي لا يُعاني من الإحباط قد يحس بنوع من الضيق بسبب التعب في العمل، لكنه يشعر دائماً بأن هناك حوافز أخرى تنسيه هموم الحياة، كالعطل والخروج والحفلات. أما الإنسان المحبط فلا يرغب في أي شيء ولا يرى أي حافز في حياته،رابعاـ الانتقاص من الذات: يدل فقدان الثقة بالنفس على الشعور الشديد بالإحباط. ويتجلى الانتقاص من الذات في الإحساس الدائم بالفشل في الحياة العملية والأسرية، الإنسان المحبط يشعر أنه لا يستحق الحب والسعادة،خامسا فقدان الشهية واضطرابات في النوم والإحساس الدائم بالتعب والقهر،ويقترح خبراء النفس على من يعاني من تلك الأعراض زيارة طبيب نفسي ، لتشخيص المرض وعلاجه واسترجاع لذة الاستمتاع بالحياة.
إذا طبقنا ما يقوله علماء النفس على كثيرين ممن يتصدرون المشهد السياسي والإعلامي ،والذين يرون أنهم نشطاء وشباب ثورة،وكفاءات سياسية دفنتها الأنظمة المستبدة في السابق، ..... إلخ سنجدهم مرضى بالإحباط وأن ديكتاتوريتهم وأصواتهم العالية ومصادرتهم لحريات وحقوق الآخرين واتهامهم للأغلبية الساحقة من الشعب بأنهم عبيد ، وأن أي شخص يتولى منصبا في البلاد دون رغبتهم أو هواهم فهو غير كفء ،ومتهم في ذمته ووطنيته،يدل على أن هؤلاء تمكن منهم المرض بشكل ربما يستعصي على العلاج ،وبات لا يجدي معهم الحوار السياسي ،بل على الدولة أن تتكفل بعلاجهم .... ربما يكون في شفائهم الخلاص للبلاد.



