رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : علي مقلد
 
خمس سنوات مضت ،لم تفلح في محو ذلك اليوم من ذاكرتي ،إنه يوم السبت 29 يناير 2011 ،فما شاهدته من خراب ودمار أفقدني القدرة على النطق لساعات طويلة،وأحدث في القلب جروحا لم تندمل بعد ،وكانت تلك المشاهد سببا رئيسيا في موقفي الواضح والمعلن ممن يطلقون على أنفسهم "شباب الثورة"، خاصة أنهم ساهموا عن جهل أو عمد أو خيانة ،في قذف الوطن مذبوحا في حجر تيار الفاشية الدينية ،ثم اتخذوا موقف المتفرج لا هم استطاعوا مواجهة حشود الإسلاميين التي خرجت من جحورها "كافرة" بالوطن وتسعى لهدمه وإحلال نموذجها الذي عملت من أجله لسنوات طويلة في سراديبها السرية ، ولا استطاع هؤلاء الشباب  أن يجذبوا الشارع الغاضب لصفوفهم ،وراحوا يتعاركون تارة على قيادة "الثورة" وتارة على حصصهم في التمويلات المشبوهة ،وراح بعضهم يفبرك تقارير منسوبة لجهات أمنية ضد رفقائه لإلصاق تهمة العمالة للأجهزة الأمنية،وانقسموا وتشظوا لمئات المجموعات ،حتى اشتعلت الفوضى وعم الدمار والخراب.
 
قبل ذلك اليوم بأربع وعشرين ساعة ،كانت هناك "جمعة الغضب" قضيتها متابعا للأحداث عبر الشاشات ،وأنا أشاهد جيوش البلطجية وهم يعيثون في الأرض فسادا ونهبا وسرقة وقطعا للطرق ،وحرقا لأقسام الشرطة بشكل أثار الفزع والرعب في قلوب الناس ،زاد من المرارة لدي الكثيرين-  وأنا منهم – أن يحتسب مهاجمي أقسام الشرطة بالثوار والشهداء من قبل منصة ميدان التحرير، وما زال البعض يتحدث عن حرق مؤسسات الشرطة وبعض المنشآت ،باعتباره عملا ثوريا ساهم في نجاح "25 يناير"  ،لدرجة أن منصة التحرير كرمت من قاموا بتفجير خط الغاز في سيناء وسط تهليل وتكبير الحضور .
نعود لـ "سبت الخراب"  إن جاز التعبير ،نزلت من بيتي متوجها كالعادة إلى عملي ،وكانت الصدمة ،فمن رأي ليس كمن سمع ،فالخراب ورائحة الحرائق في كل مكان ،أبواب المحلات والشركات محطمة ،كمائن الشرطة والمرور مشتعلة بالنيران ،الخوف والرعب في عيون الناس ، شارع جامعة الدول العربية ، كأنه خارج لتوه من الحرب ... أكملت سيري حتى كورنيش النيل بالقرب من مبني الإذاعة والتليفزيون ،كل الطرق مقطوعة ،المنشآت التي نجت من "جمعة الحرائق" موصدة  ،سيارات مشتعلة في كل مكان،وأصحاب سيارات الأجرة والتاكسي اختفوا من المشهد.. وأنا أسير مترجلا على غير هدى، لا أعرف إلى أين أذهب ،حتى عملي كصحفي مكلف بمتابعة الأحداث فقد قيمته وأهميته ،فأي عمل يفكر فيه الإنسان ،وهو يرى أن الزمن توقف بوطنه بل عاد للوراء كثيرا وكأن  احتلال دهم البلاد بليل ونهب خيراتها وترك الأرض وراءه محترقة.
 
بيد أن الكارثة الكبرى التي لا تزال مشاهدها بأدق تفاصيلها ماثلة أمامي إلي اليوم وربما لسنوات قادمة ،هي منظر نهب وسرقة "أركاديا مول" وقد تعرض ذاك المبنى لأعمال نهب وسرقة استمرت من يوم السبت 29 يناير حتى يوم الخميس 3 فبراير.... ما أن وصلت إلى المكان حتى رأيت العشرات من البلطجية واللصوص مسلحين بالسنج والسيوف وبعضهم يحمل أسلحة نارية - في الغالب مسروقة من أقسام الشرطة المقتحمة في الليلة السابقة- كانوا يتعاملون مع الناس بعنف وشراسة ولا أحد يجرؤ على الاعتراض ،وإمعانا في الفجور ،جلب اللصوص "عربات كارو" لتحميل المسروقات، وقد قدرت خسائر هذا المبنى وحده فقط بنحو 6 مليارات جنيه حسب بعض التقديرات وهناك من يذهب لأكثر من ذلك.
 
بالطبع حدث ذلك فى كثير من المنشآت  بطول مصر وعرضها ،ولكني أحكي عما رأت عيناي ،،كل هذه الفوضى العارمة، كان وطني يئن تحت وطأتها ،ومتصدري مشهد "25 يناير" ينشدون في الميادين أغان النصر والحرية،وتلاحق جحافلهم سيارات وأفراد الشرطة في كل مكان ثم يقولون أن الشرطة لم تؤمن البلاد ... كل ذلك عشناه،ومطلوب منا أن نصفق لكل ناعق ، يلوك بلسانه بعض الشعارات الجوفاء عن "العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية" ،كل ذلك ومطلوب منا أن ننسى ما ارتكب في حق الوطن من جرائم .
 
لم ينته يوم 29 يناير حتى رأيت ما هو أبشع على المستوى السياسي ،فالخسائر الاقتصادية وإن كانت موجعة ومؤلمة فإنها مقدور عليها ،لكن الأنكى من ذلك عندما شاهدت سيارات نقل بإحجام مختلفة  قادمة من المحافظات المجاورة للقاهرة ،وهي محملة بشباب من التيار الإسلامي مسلحين بالعصي والشوم والسنج وهم يهتفون "إسلامية إسلامية" ويخربون كل ما تأتي أيديهم عليه في الطريق ويثيرون الرعب في صفوف الناس، ليفسحوا لهم الطريق ، فقد شعروا ساعتها ،أنهم اقتربوا من إعلان دولتهم المنتظرة.. لكن هذه الجحافل القادمة من ركام التاريخ ،ما أن وصلت الميدان حتى استقبلها "الثوار " بالهتاف والتهليل ... ذاك المشهد دفعت مصر ثمنه غاليا من دم أبنائها من الجيش والشرطة والقضاة والمدنيين علي يد هؤلاء الإرهابيين الذين كانوا ذات يوم "رفقاء ميدان" للثوار .
 
توالت الأيام بعد ذلك والأخبار تأتي من كل مكان في أرجاء البلاد محملة بالحرائق والسرقات والنهب والخراب ،وقطع الطرق ... كل ذلك ومتصدري المشهد يتنقلون من فضائية لآخري يتحدثون عن بطولات مزيفة ومواقف مصطنعة.
 
في النهاية نقدي لـ  "25 يناير" لم ولن يكون دفاعا عن النظام الذي كان قائما قبلها ، فقد بات رهن محاكم القضاء ومحاكم التاريخ ،وسوف يحاسب - ولو بعد حين - عما فعل ، وسوف يذكر ما له وما عليه ،،،لكن "25 يناير" ستبقى من ناحية أخرى عملا بشريا ، ساهم فيه البعض عن جهل أو عمد ،بحسن نية أو بسوئها ،حدث ليس له حرمة أو قداسة ،وإن وضع في القوانين والدساتير ،ولم يعد ملكا لأحد ،بل جزءا من التاريخ ،علينا تقييمه بعيدا عن المناوشات والمزايدات ،لمعرفة الايجابيات والسلبيات،حتى لا تتكرر مشاهد الفوضى مرة أخرى ،ولعل انصراف الناس عن الاحتفال بالذكرى الخامسة لتلك الأحداث وخوفهم من تكرار "أيام الفوضى" يؤكد أن الناس التي خدعت من قبل ،أدركت معنى ومغزى ما حدث.
 
تم نسخ الرابط