بقلم : علي مقلد
يفترض في السياسي أن يكون صاحب رؤية إستراتيجية للمستقبل ،نابعة من معرفته بالماضي والحاضر ،ودرايته بتاريخ وجغرافية موطنه ،ومحددات أمنه القومي ،وأيضا بمكونات شعبه وبتاريخ وأهداف الأطياف السياسية التي يسعى للتنافس معها ،على قيادة البلاد نحو غد أفضل ،وهذا أمر بديهي ،أو يفترض أن يكون هكذا ،لكن في بلدنا المتخم بمتصدري المشهد السياسي ،فالأمر مختلف تماما ،حيث يتخبط السياسيون – إلا من رحم ربي- ذات اليمين وذات اليسار ،وسط ضبابية في الرؤية ،وتشوش في الأفكار،وخلل في المبادئ ،تخبط يجعلهم يتحالفون مع "الشيطان" على حسب قول بعضهم، لتحقيق مكسب انتخابي أو مصلحة وقتية أو منفعة شخصية ،دون النظر أبعد من موضع أقدامهم لخطورة ما أقدموا عليه.
ربما يرجع ذلك إلى أن معظم التيارات السياسية ،ليس لديها كوادر بالمعنى الحرفي، بل أن الغالبية دخلت دهاليز السياسة من باب الصدفة أو الإحباط أو لأن قريب له أو صديق يمتهن السياسية فقلده أو زامله في مهنته، أو لأنه يجالس بعض مدعي السياسة على المقهى ،ثم جاءت "زفة الميادين" لتقذف في وجوهنا بمئات ،ممن يزعمون ،أنهم نشطاء وسياسيين وثوار ،بل وبعضهم يحبذ أن ينعت بالمفكر ،هكذا دفعة واحدة ... لذلك وجدنا أن بعض التيارات التي يفترض أنها مدنية "ليبرالية أو يسارية" ،انبطحوا – ومازالوا – أمام تيار اليمين الديني،دون أن يرمش لهم جفن ،أو يشعروا بفداحة الذنب ،في أنهم كانوا – ولا يزال بعضهم- سببا في استئساد جماعة الإخوان الإرهابية على الدولة وعلى الشعب ومؤسساته ،فقد تعاون هؤلاء المنبطحون- عن جهل أو قصد- مع الإخوان قبل "25 يناير" وأثنائها وبعدها، فقبل تلك الأحداث كان يدافعون عن الإخوان بشراسة ويصفون رجالها بالأبطال ، ويصطفون معها في خندق واحد ويشاركون الجماعة كل فعالياتها ،بل كان يتبارون في خطب ودها والصلاة وراء مرشدها كلما حان استحقاق سياسي أو نقابي ،وتحول مكتب إرشاد الجماعة في منيل الروضة بمصر القديمة لكعبة السياسيين الذين يدعون أنهم دعاة للمدنية ، ظنا منهم أنهم بذلك يعارضون أو يتحدون نظام حسني مبارك ،في حين أن الجماعة نفسها كانت تتحالف مع "الحزب الوطني" وتستخدم "المطايا" لتحسين شروط التفاوض وعقد الصفقات،وعندما اندلعت الأحداث في 2011 ،أعلنت الجماعة في البداية أنها لن تشارك في أية فعاليات ،فلما تأكدوا أن النظام بات قاب قوسين أو أدنى من الانهيار ،نزلوا بحشودهم للميادين ،وهناك وجدوا "المطايا" يرحبون ،ويفسحون المنصات لقادة الجماعة للحديث عن بطولاتهم الزائفة، وتوجيه الميادين ونشر المزاعم ،واستمر التحالف وعقد الصفقات ،وفرح بعض من يزعمون أنهم مدنيون ويساريون وليبراليون بدخول "البرلمان" ضمن تحالف الإخوان وتحت رايتهم ،ثم جاءت الانتخابات الرئاسية ،وكان ما كان من تحالف "المطايا" مع الإرهاب ،حتى وصلت الجماعة الفاشية لسدة الحكم وسط تهليل وتكبير ومباركة هؤلاء "المطايا" ... بالمناسبة ،هذه الكلمة ليست سبة بل هي حقيقة ما حدث، فقد امتطت الجماعة فعلا وقولا ،القوى المتحالفة معها حتى أخذت منهم غرضها، ثم ركلتهم وسبتهم وسفهت آراءهم ،وهم اعترفوا بأن الجماعة "ركبت على ثورتهم".
هؤلاء "المطايا" ارتكبوا خطيئة كبرى،عندما وضعوا أيديهم في يد جماعة إرهابية تاريخها ملطخ بالخيانة والدم ،وهي خطيئة لا يكفي معها الاعتذار ،بل اعتزال العمل العام كله- ولو لبعض الوقت- إن كان في وجههم بقية من حياء ،لأن مصر دفعت ضريبة غالية من دم أبنائها ومن عرق شعبها ،لمواجهة تلك الخطيئة التي ارتكبها هؤلاء الحمقى، الذين تعانوا مع تيار الفاشية الدينية ،ظنا منهم أن الجماعة قد تقبل بهم في دولتها الجديدة ،وغاب عنهم أن تاريخ الإخوان واضح وأدبياتهم معلنة، منذ تأسيس الجماعة على يد حسن البنا في العام 1928 ،هي جماعة تسعى إلى فرض رؤيتها على الجميع حتى تصل لحلم "أستاذية العالم" لكن السياسيين عندنا لم يقرءوا التاريخ، أو قرءوا ولم يفهموا ،أو فهموا وخانوا ،المحصلة كانت واحدة ،وهي إلقاء مصر في حجر الإخوان تحت إدعاء أنهم "فصيل وطني " و"رفقاء ميدان"... نعم ، يجب على من تحالف من القوى السياسية مع الجماعة الإرهابية ،أن يعتزل العمل العام ، تكفيرا عن سيئاته في حق المجتمع ،وهذه أقل عقوبة ،فمن الوارد أن ينخدع رجل الشارع العادي في تيار سياسي بعينه وسط بريق الشعارات وحلاوة لسان المبشرين به وإتقانهم التقية والكذب ،لكن من العيب أن ينخدع السياسيون الذين يطالبون بحقهم في قيادة البلاد، بشعارات جماعة معروفة بتاريخها الفاشي وطموحها الثيوقراطي،فإن كانوا تحالفوا عن جهل فيكفي ما ذقناه بسبب جهلهم ،وإن كان عن عمد فاعتزالهم وعزلهم أقل عقوبة على مشاركتهم في الجرم .
بيد أن سكوت الشارع عن محاسبة "المطايا" أغراهم بمواصلة "الاستنطاع" السياسي ، ومواصلة الظهور في كل مناسبة ،أو بدون مناسبة ،للإدلاء بدلوهم في كل شاردة وواردة، كأن بيدهم مقاليد الأمور وعندهم فصل الخطاب في كل القضايا ،بل راح بعضهم يواصل إدمانه القديم ،في الانبطاح أمام الإخوان ،فتارة ينادي بالمصالحة مع هؤلاء الإرهابيين و احتوائهم مرة أخرى ،وتارة يردد مزاعمهم وأكاذيبهم وينشر شائعاتهم عن الوطن ،وتجد صفحات هؤلاء "المطايا" معبأة بأخبار كاذبة ،مذاعة بواسطة اللجان الإليكترونية للجماعة الإجرامية ،دون أدنى محاولة لتمحيص لتلك الأكاذيب و الشائعات ،فكل ما يهم "المطايا " هو تشويه الدولة أو مكايدة النظام ،دون أدنى شعور بالحرج أو المسئولية ... ونسوا أو تناسوا أن التنافس مع النظام القائم أو حتى الصراع معه ،مهما كانت أوجه الخلاف،ومسببات الفرقة ،لا تبرر بأي حال التحالف مع جماعة إرهابية مازالت تمارس القتل والحرق والخيانة.... سئلت ذات يوم عن تفسير مشاركة بعض الليبراليين والاشتراكيين مع الإخوان في نشر الفوضى ،فقلت : ربما الممول واحد.



