بقلم : علي مقلد
ربما يعتقد البعض أن هزيمة الإخوان والإطاحة بهم من سدة الحكم، وانصراف المواطنين عن "نشطاء السبوبة" و"ثوار التمويل الأجنبي" ،أنهى الحرب الشرسة والممولة إقليميا ودوليا على مصر ، لكن الشواهد كلها تؤكد أن المعسكر المعادي للدولة ،صحيح أنه خسر عدة جولات في تلك المعركة ، لكنه لم يتلق الضربة القاصمة القاضية بعد ، لذلك تخندق هؤلاء الشراذم في أماكنهم لالتقاط الأنفاس ومواصلة حربهم ضد الوطن ،تنفيذا لمن يحركهم ويمولهم أو انطلاقا من إحباط وعداء مرضي بات مزمنا ، وبدءوا في استخدام سلاحهم المفضل "حرب الشائعات" ،لنشر الإحباط وإثارة القلاقل وشحن الرأي العام ضد مؤسساته ،وتأليب المجتمع الدولي ضد الوطن ،بشكل احترافي ممنهج ،يؤكد أن ثمة أياد معادية تدير هذا الملف من أجل إسقاط البلد في وحل الفوضى والتفتت والتشرذم.
فقد بات أمر بديهي أن نصحو كل يوم على شائعة جديدة، يتم بثها عبر وسائل التواصل الاجتماعي من قبل المعسكر المعادي خاصة جماعة الإخوان وأنصارها في الداخل والخارج وكذلك من قبل "نشطاء اليورو والدولار" ، ثم يتلقفها المغيبون والمحبطون والجهلة ،فتسري كما النار في الهشيم ،وتتحول الكذبة إلى واقعة ، لها شهود وأنصار وجوقة مدافعين ومناضلين من أجلها ،وتدشن باسمها "جروبات" و"هشتاجات "على السوشيال ميديا ،ثم تتكفل بعض وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة عن جهل أو عمد، في توطيد تلك الشائعات ونشرها باعتبارها أخبارا مؤكدة ،وللهروب من الملاحقة القانونية يتخفون وراء المصادر المجهولة ،حتى تضيع الحقائق وسط هذا الكم الرهيب من الأكاذيب والإدعاءات ،وعندما تظهر الحقيقة وتفند تلك الأكاذيب ،وتظهر الحقائق جلية للناظرين ،يلجأ "ثوار الشائعات" - إن جاز التعبير- إلى سلاح التشكيك والسخرية ولي عنق الحقائق، لإثبات صحة أكاذيبهم أو إثارة الشك في قلوب الناس .
يقول جوزيف جوبلز (وزير الدعاية النازي)، وهو أحد أبرز من وظفوا واستثمروا وسائل الإعلام في حرب الشائعات "اكذب واكذب واكذب ،حتى يصدقك الناس"،وتلك القاعدة يتم تطبيقها حاليا في مصر من قبل المعسكر المعادي للدولة- وأنا هنا أقصد المعادين للدولة المصرية والمتآمرين على كيانها ووحدتها وتماسك نسيجها الوطني ،ولا أقصد بالطبع معارضي النظام ،فلا يوجد نظام مهما كانت وطنيته ونجاحه بدون معارضين وخصوم سياسيين - ، والراصد لما حدث في مصر خلال السنوات الخمس الأخيرة سيجد نفسه أمام طوفان من الشائعات والأكاذيب ،تحولت بفعل الميديا والشبكة العنكبوتية لحقائق مؤكدة ،وأي محاولة لتمحيصها أو تدقيقها أو تكذيبها ستبوء بالفشل أو تجد صعوبة في إقناع الناس بعكس ما رددوه عن جهل وعمد طيلة السنوات الماضية.
وقد احترفت جماعة الإخوان منذ زمن بعيد إطلاق الشائعات ضد الدولة وخصومها السياسيين بهدف زعزعة الاستقرار وتشويه المنافسين،خاصة فيما يتعلق بالأعراض والسمعة ،وقد رأيناهم وهم يتحدثون عن "رفقاء الميدان" باعتبارهم شواذ ومخنثين وعاهرات ،لكن رفقاء الميدان تناسوا كل ذلك وما زالوا مطايا للجماعة وأبواقها الإعلامية،يرددون مزاعمها وينشرون شائعاتها كأنها حقائق لا لبس فيها ولا مراء ، كما امتهن بعض "مرتزقة السياسة" تلك الحرفة أيضا ،حتى أنهم تفرغوا لها ،وراح هؤلاء النشطاء يطلقون الأخبار المكذوبة والوقائع المفتعلة لإرباك الشارع ،وتصدير صورة منافية للواقع للخارج ،ولعل ما حدث في شائعة "الاختفاء القسري" ،يؤكد أن القضية ليست في شباب مغيب محبط يلوك لسانه بعض الأكاذيب التي سمعها دون تمحيص أو تدقيق ،بل الأمر أكبر من ذلك بكثير ،فعلى حين غرة ،غرد الهاربون في الخارج على "تويتر" حول القضية ،وفي خلال ساعات تبعتهم جوقة الممولين والمشبوهين سياسيا ،ثم انتشر الموضوع في وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية ،وبات التعامل معه كأنه أمر واقع ،وتم نشر قصص لبعض الأشخاص على أنهم مختفين قسريا ، مما دفع منظمات حقوقية للتقدم بطلبات وبلاغات عن تلك الوقائع ،ثم تبين أن هذه الأسماء لمتورطين في قضايا عنف وإرهاب وبعضهم محكوم عليه في قضايا وأهله يزورونه في السجن ، كما أن بعض المختفين قسريا ،اتضح أنهم هربوا من بيوتهم والتحقوا بتنظيمات إرهابية في الداخل والخارج،ومع ذلك ما زال المعسكر المعادي للدولة يستخدم مصطلح "الاختفاء القسري" كأنه حقيقة لا تقبل النقاش،بل ويطالب بتدخل دولي للتحقيق في تلك الوقائع المزعومة.
ثم واقعة أخرى متعلقة برسام الكاريكاتير "إسلام جاويش" ،فالموضوع برمته كما حكاه هو بنفسه ،أن القضية تتمحور حول ،قيام الشرطة بتنفيذ ضبط وإحضار صادر من قبل النيابة العامة ، لشخص آخر متهم بإدارة موقع إخباري بدون ترخيص ،لكن تحول الأمر بفعل صناع الشائعات ،كأن الدولة جيشت أجهزتها لمواجهة الرسام الشاب ،وتم تصوير الأمر كأنه اعتقل بسبب رسومات مسيئة للنظام،وعندما خرج إسلام ،وقال ما حدث له وأنه ليس ضد أحد ولم يسئ يوما لأحد وأن نقده لبعض الأمور حق كفله الدستور وأنه استخدم هذا الحق دون الإساءة لأحد ،هاجمه "ثوار الشائعات " بقوة لأنهم كانوا يريدون منه ،أن يؤمن على أكاذيبهم ، ومن قبل ذلك كانت شائعات كثيرة بعضها يتعلق بالأمن القومي للبلاد وبعضها يتعلق بقضايا عمالية وصحية ... وسوف تستمر تلك الحرب طويلا فالمعسكر المدفوع من الخارج لن يستسلم بسهولة،كما أن الرأي العام ما زال ينقصه الوعي التام لكل ما يحاك لوطنه.
ثم كانت واقعة الشاب الإيطالي "جوليو ريجينى"، الذى تم العثور على جثته يوم الأربعاء الماضي، ملقاة في أول طريق مصر - إسكندرية الصحراوي، لتفضح أؤلئك المعادين للدولة،ففي حين يتولى فريق من البلدين التحقيق في الحادث المروع ،استبق "ثوار الشائعات" النتائج ،وأعلنوا أن الشاب قتل تحت وطأة التعذيب وأن أسبابا سياسية وراء الحادث ،بل أن بعضهم ذهب إلى أبعد من ذلك ،ودعا الأوربيين بعدم السفر إلى مصر لأن مصر تقتل أبنائها وضيوفها ،ورفع بعضهم لافتات أمام السفارة الإيطالية بالقاهرة تؤكد مقتل الشاب على يد مؤسسات الدولة ،وهذه الأفعال ليست من قبيل المعارضة من قريب أو بعيد ،بل هي خيانة ،دعونا نسمي الأشياء بأسمائها ،لكن الخونة لهم صوت لا يزال مسموعا عند بعض المحبطين والجهلة والمغيبين .
كل ذلك يؤكد أننا أمام حرب ممنهجة تتطلب مواجهة حاسمة وحازمة ،ويتحمل بعض المسئولين عن تواطؤ أو جهل جزاءا كبيرا من انتشار الشائعات عبر التباطؤ في تفنيد الشائعات والرد عليها بسرعة وإتاحة المعلومات أمام الرأي العام ،فلا يصح أن تنتشر الشائعات حول قضية بعينها في أحد قطاعات الدولة لعدة ساعات وأحيانا لبضعة أيام ،والمسئول عن هذا الملف متراخ ومتكاسل عن الرد فتوضيح الحقائق رغم قسوتها إلا أنها تجفف منابع الشائعات وتخرس المتربصين بالبلاد،فضلا عن أنها تخلق الثقة بين مؤسسات الدولة والشعب ،هذه الثقة هي الصخرة التي تتحطم عليها قنابل شائعات الداخل والخارج.



