الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

مين فاهم حاجة .. ؟؟ عبارة استنكارية تكررت أمامي كثيرا في الآونة الأخيرة ومن فئات ومستويات متباينة وهو ما يعني تفشي حالة التشتت التي يشعلها ويثريها وينفخ في نيرانها إعلام الفضائيات المخرب لفقدانه البوصلة وربما الانتماء والولاء إلا للدولار ومن يدفع أكثر كشعار ومبدأ لا يتنازل عنه صناع هذا الإعلام الموجه بحماقة أو بمكر وتآمر لا يخفى عن أكثر البشر سذاجة وإحسانا للظن ، بل والعجيب أنهم هم من نبهونا لذلك بصراعاتهم واتهامهم لبعضهم البعض ، بعد أن تجاوز التنافس على قاعدة المشاهدين حدود الأمانة والمصداقية فأصبحت صراعاتهم المجردة مريرة وشرسة من أجل  المال والشهرة فأسقط الإعلام من أبجدياته مهمة صناعة الفكر والثقافة وأهدر إستراتيجية الارتقاء بالوعي المجتمعي والحرص على قيمه ومستقبله حتى وصل الحال بكثير منا أن يسأل نفسه ومن حوله (مين فاهم حاجة .. ؟؟) .

ولا شك أن هذا السؤال (مين فاهم حاجة .. ؟؟) .. يمثل مرحلة مجتمعية فاعلة ويمكن أن تكون إيجابية لو أحسن استغلالها ، ولكنها شديدة الخطورة لانتشارها على سطح الفكر والوعي في المجتمع المصري كعدوى نفسية عقلية تخلق حالة من الوجوم والدهشة والتي يصنعها ويستغلها الإعلام المتدني وبعض أياديه العميلة بهدف تحويلها إما لفوضى وخراب جديد على النمط السوري أو الليبي أو حتى اليمني أو العراقي  أو على أقل التقديرات لحالة من التبلد واللامبالاة ثم السقوط في مستنقعات الإلهاء المخططة لإحباط وتفشيل أية جهود للخروج بمصر من حالة الفوضى والتشرذم التي أعقبت الثورتين بهدف تشتيت الجهود الفردية والحكومية المبذولة لإنقاذ العقل المصري وتوجيه قدراته وإمكانياته لصالح مستقبل التقدم والتطور المنشود وتقويم سلوكياته الاجتماعية لتتناسب مع معدلات وأساليب التطور .

ولا أدعي كذبا لو قلت أن المصريين محاصرين بإحكام وشراسة بين أضلاع (مربع التخريب الإعلامي) والذي تمثل أضلاعه مجموعة من المتناقضات المتناغمة الضرر والمخططة إعلاميا باحترافية عالية التقنية الفكرية والعملية ومحددة النتائج مسبقا ، فالمواطن المصري محصور ما بين .. برامج إخبارية وحوارية والتي تستهدف تشتيت المفاهيم وترسيخ الإحباط كحالة عامة بحجة عرض مختلف الآراء والتوقعات والتحليلات بواسطة إعلاميين يتعمدون بقصد أو بغير قصد تكرار الترويج لأخبار كاذبة أو مغلوطة سواء بحسن النية كسبق إعلامي يستثمرونه لزيادة قاعدة المشاهدة أو بمنتهى العمالة وسوء النية وموجه بأجندة عميلة للإثارة ونشر الإحباط والملل واليأس للمشاهد ، أو بانتقاء الموضوعات والضيوف في البرامج الحوارية التي تلهب اهتمام المشاهد ثم تشتت فكره ووعيه وتنقل له حالة الشك في كل ما يسمعه ويراه ، وبين .. برامج استعراض وكشف السلبيات في المجتمع والتي تعد بطريقة مبهرة ومفزعة توحي بتفشيها وخطورة السكوت عليها بهدف شد انتباه المواطن وإقناعه بأنه لا أمل ولا حلول إلا بالثورة والتمرد والعصيان والخراب ، وبين .. برامج الترفيه بداية من تمجيد الغناء والرقص والعري والإباحية ورعاية مواهبها ونشر فواحش الكلام والأفعال بين المصريين بحجج مواكبة العصر والشارع ، وبين .. الدراما المصرية بمختلف صورها التي لا تعرض إلا الانحرافات كالمخدرات والنساء والبلطجة والجريمة والفساد والإرهاب وكأنه كل هذا أصبح متفشيا ونمط حياة يومي ومطروح في كل بيوتنا ليل نهار .

فما بين الخبر والأحداث وتفجيرها ، وبين السلبيات وتضخيمها وتفجيرها ، وبين الترفيه بالسقوط وإسقاط القيم ، وبين الدراما الهابطة بتعمد وترصد (وهو ما نسميه مربع التخريب الإعلامي) ، يسقط المواطن المصري ضحية الإعلام بمختلف وسائله وعلى قمة أدواته فضائياتنا المصونة التي تحاصرنا في بيوتنا على مدار الساعة ، وتقلب الحقائق وتزيف الواقع وتضخمه وتبث فكر الإباحية بكل صوره السياسية والاجتماعية والاقتصادية بل والفكرية والدينية في مؤامرة شديدة الإحكام والشراسة تفقد الحكيم رشده وتتركه فريسة للحيرة والتشتت وفقدان القدرة على منطقية فهم ما يدور حوله وما سوف تؤول إليه مصائر البشر في بلادنا وربما العالم أجمع ،  وهو ما يستدعي وقفة سريعة للتصدي لهذا السيل الجارف من الإهدار والضياع والتشتت ، ليس فقط بواسطة الأجهزة المعنية بمراقبة الإعلام ولكن لابد من تصدي الدولة بإستراتيجية واضحة وفاعلة وبواسطة مؤسسات سيادية واعية ومحددة الأهداف والرؤى ، قبل أن تصبح الأمور وتبعاتها خارج نطاق السيطرة ، وليذهب كل معترض أو عميل بدعاوى الحرية والإبداع والديمقراطية للجحيم ، ولنا فيما تفعله وتتبناه دولا متقدمة مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا في إعلامها بل وعلى شبكات التواصل الاجتماعي من مراقبة ومحاسبة حاسمة وقاطعة للوقاية من الإرهاب أسوة وقدوة سباقة وفاصلة ، ويكفي المقولة والتصريح الأشهر والتي كرره العديد من رؤساء وزعماء الغرب في مناسبات مختلفة كديفيد كاميرون والرئيس الفرنسي (عندما يتهدد الأمن القومي فلا تحدثوني عن حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية) ، ولهم كل الحق في ذلك وكفانا ما سمعنا وشاهدنا من حماقة وغباء متعمد وتشدق وعويل عن حقوق الإنسان لمجرم يخطط ويهدد ويقتل الأبرياء دون أدنى اعتبار أو اهتمام لحقوق الإنسان المقتول والمصاب والمروع بلا ذنب أو جريرة سوى أنه مواطن مسالم يرفض الاستقطاب والاتجار بالدين أو مكلف بمهمة حماية أمن وأمان البشر .

ولذلك لابد أن نضع الأمور في نصابها قبل فوات الأوان ، فلا حرج ولا تحسب ولا اعتبار لمن يهدد أمن المواطن المسالم ، ولا احترام لمن ينشر فكرا أو ثقافة هابطة ، ولا حقوق ولا كرامة لمن ينشر أخبارا كاذبة أو يزور مفاهيم وفكر المواطن ولا تهاون ولا سماح لعرض وتضخيم أحداث فردية ، ولا تغافل عن الإباحية وهتك الحياء وتخريب القيم ، ولنضع الإعلام تحت الرقابة ، فلا حرية بلا حدود ولا ديمقراطية بلا قيود ولا حقوق بلا واجبات ، وإلا فسنجد أنفسنا كشعب ودولة مجبرين على الانزلاق في الفوضى تباعا بتزايد وتفاقم حالة السيولة الأخلاقية والنفسية والمجتمعية التي تهدد المجتمع بمزيد من التفكك والتشتت وتثري فكر الفوضى وتمهد لإعادة مصر لمسار مخطط التقسيم والخراب ، وهو ما أعتقد أن الدولة والتي أعني بها النواة الصلبة التي أنقذت مصر من الوقوع في منحدر التقسيم والخراب سابقا ، لابد وأنها تعي جيدا ما أقول ، بل وأدعي أنهم يعلمون ما هو أكثر وهو ما يصنع حدود الصورة الكاملة والواضحة بمشتملاتها المختلفة ، كالقضية (250 أمن دولة عليا) التي يجب فتحها ومحاسبة مجرميها علنا لأن الأمر بلغ مرحلة يحتاج فيها للحسم والحزم لاتخاذ ما يلزم من خطوات جادة لإحكام السيطرة على المؤسسات وعلى رأسها الإعلام المنفلت بلا رابط أو ضابط .

نعم .. ندرك أن ما تردى وفسد في عقود لن يستقيم في شهور ولا سنوات ، ونعم .. نوقن أن الفساد قد نخر في نفوس المصريين حتى أصبح معتادا ومستساغا بل وأحيانا نمارسه كنمط حياة ، ونعم .. لسنا ملائكة ولا قادرين على أن نتغير بين عشية أو ضحاها .. ، ونعم .. نعرف أننا مستهدفين ويتربص بنا من دمر غيرنا وما زال يتآمر علينا ، ونعرف أن بيننا مغيبين جهلاء متنطعين باسم الدين وشعارات الحرية والديمقراطية والثورية ويقودهم كالقطان عملاء وخونة وطامعين وفشلة ، ونعرف أن مفاهيم الدين قد تم تزويرها وتحريف معانيها في عقول وقلوب الجميع حتى أصبحنا أكثر من سبعين فرقة وجماعة متنافرة ومتناحرة ولا أمل فيمن يقتات بالدين ، ونعم .. تعلمنا أن هموم الوطن ومشكلاته أكبر من أن يحتويها شخص أو فئة أو جماعة ولابد من تكاتف الجميع ، ولكننا نوقن أن السيسي الذي تحمل عبئا ثقيلا تنوء به الجبال هو رجل أمين وصادق وقوي وخلوق ولديه رؤيا رائعة لمستقبل أفضل ، ونعلم أن لديه أولويات وأسبقيات تبعا لحجم وزوايا رؤياه للحقائق والمعلومات والتهديدات والطموحات ، ولكن .. من المؤكد أننا كشعب نرى ما لا يراه ونلمس نبضا وألما وتفاعلا قد لا يستطيع رؤيته أو تقدير أبعاد خطورته خاصة وأن ما يحدث هو تخريب للعقول والقلوب ولذلك يجب أن يوقف كل مخرب ومتجاوز عند حدود احترام عقول ونفوس البشر ومقدراتها ، ويجب على من آتاه الله الملك ... بعد أن نزعه الله من غيره ، أن ألا ينسى .. أن عرش مصر تكليف قبل التشريف ، ومسئولية قبل السلطة ، ورعية هو راعيها ، وأمانة سيسأل عنها أمام ملك الملوك .

تم نسخ الرابط