الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

لماذا .. يذهب السيسي لآخر الدنيا ولبلاد مشرق الشمس حاملا هموم وطنه المرهونة بطموحاته في غد أفضل والمتوجة بأكاليل عشقه لأرضه وشعبه ؟؟ ، و لماذا اختار السيسي هذه الدول الثلاث تحديدا لتكون زيارته لهم تباعا ؟؟ ، هو سؤال يطرح نفسه لمن لا يعرف ولا يستطيع فهم إستراتيجية الدولة التي يشكك فيها البعض وينفي وجودها البعض الآخر ويثق في وجودها وجدواها الغالبية العظمى من هذا الشعب الكادح ، وهو أيضا سؤال لمن يريد أن يستوضح ملامح المستقبل كما يراها السيسي الحالم بمصر كدولة عظمى في غضون سنوات .

برغم تفاوت عدد السكان بين هذه الدول الثلاث (128 مليون / اليابان - 52 مليون / كوريا - 18 مليون / كازاخستان) ولكن تلتقي الدول الثلاث في مزايا مشتركة هي الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي وارتفاع معدل التنمية والتقدم العلمي خاصة اليابان وكوريا ، وتمتاز كازاخستان بأنها أكبر دولة مصدرة للنفط والحبوب في آسيا فضلا عن تقدمها في مجال الفضاء أما اليابان فهي القوة الصناعية الأكبر في العالم وتتبادل المرتبة الأولى في تصنيع السفن مع كوريا الجنوبية التي تحقق أعلى معدلات النمو سنويا في آسيا منذ أكثر من عقد كامل وتشترك اليابان وكوريا الجنوبية في تطور ورقي البرامج التعليمية ، حيث يعتمد التعليم في كل منهما على إستراتيجية التربية قبل التعليم والتي تبدأ منذ سن الحضانة والتعليم المنزلي وحتى نهاية التعليم الإلزامي (الإعدادي) مع الاهتمام الكبير بالتعليم الفني والصناعي ، كما تمتاز اليابان بعدد الجامعات الوطنية والخاصة الكبير والتي تبلغ 820 جامعة  منها 730 جامعة وطنية ، بالإضافة للعناية الفائقة بالبحث العلمي ماديا ومعنويا ، ويراقب التعليم في الدول الثلاثة هيئة سيادية بمسميات متقاربة مثل المعهد القومي للتربية

وبالتالي فإستراتيجية الزيارة للدول الثلاث كما هو معروف تدور حول الاستفادة من برامج التعليم والتربية في المقام الأول ولذلك كانت من أبرز الاتفاقيات التي وقعت هي تدريب وتعليم مائة ألف شاب مصري في مختلف مجالات العلم والتكنولوجيا  فضلا عن سبل تدعيم التعاون المشترك اقتصاديا وسياسيا وثقافيا مع هذه الدول الثلاث ، وهو ما يبرع فيه الرئيس السيسي ببساطة وتلقائية صنعت الفارق الكبير من الثقل السياسي للدولة المصرية اليوم عنها فيما مضى من عقود سابقة في إطار صناعة وتدعيم دوائر جديدة وضرورية للأمن القومي المصري في المراحل الحرجة الحالية والمستقبلية ، ولذلك وبعيدا عن المقارنات الزمنية والشخصية فالدولة المصرية اليوم تسير بخطى ثابتة وواضحة للعالم نحو دولة عصرية قوية ومستقرة ذات مصداقية وقدرات خلاقة وواعدة ، وهو ما يدفع دولا عظمى للدخول مع مصر شراكة إستراتيجية حتى ولو كانت في إطار إعادة تشكيل موازين القوى الدولية على المدى القريب والبعيد .

وبعيدا عن مهاترات الإعلام ومجلس النواب والأزمات المفتعلة والمخططة والعته المتفشي وشتات الفكر المصري المتعمد والموجه لابد أن لا ننسى أن هناك واجبات وطنية ملحة على هذا الشعب بمؤسساته المختلفة للتناغم والتوافق ومواكبة الجهود الحثيثة والدءوبة للدولة والمتمثلة في جهود وحركة ونشاطات الرئيس السيسي ، والتي لابد منها لتفعيل كل جهد خارجي يبذله هذا الرئيس ، وهي واجبات تبدأ من الفرد والأسرة وتنتهي بأعلى المؤسسات السيادية لتغيير وتطوير معدلات الأداء البشرية بما يتناسب مع طموحات وآمال هذا الشعب في مستقبل أفضل ، وهو ما لن يكتمل إلا بالتصحيح والارتقاء بكثير من المفاهيم الأساسية والتي تعرقل انطلاق هذا الشعب في آفاق التطور والرقي ، وأول هذه المفاهيم بل وعلى رأسها المفاهيم الدينية المغلوطة لأننا شعب يقدس الدين وينصاع لمفاهيمه حتى وهو لو اختلف معها أو خالفها بدوافع الرغبات والشهوات أو الغواية والتطرف أو الانحراف ، وأبسط وأخطر هذه المفاهيم التي يجب أن نصححها هو معنى العبادة والتي هي تأدية مهمة العبودية لله والتي خلقنا من أجلها والتي استحققنا عليها سجود الملائكة والتي هي ببساطة (إعمار الأرض كخليفة لله عليها) ، ولنعلم أطفالنا وأبناءنا معنى قدسية العمل والعلم كمهمة مقدسة ووحيدة كلفنا بها الله عز وجل فقد خلقنا الله ومنحنا الحياة فقط لنعمر الأرض بالعلم والعمل والكد والاجتهاد ، وأن من لم يعمر الأرض أو أفسدها فهو عدو لله وملعون وله أشد أنواع العقاب من ربه في الدنيا والآخرة ، وهي حقيقة مؤكدة وثابتة بآيات القرآن الذي زورنا مفاهيمه ، ولنوضح لأبنائنا زيف وبهتان وضلال تجار الدين ، وأن الفروض والمناسك والشعائر ما هي أفعالا شخصية كلفنا الله بها لضمان استقامة الإنسان في إعمار الأرض بالعمل الصالح ، فلا إيمان بلا عمل صالح ، ولا صلاة لمن لم تنهاه صلاته عن الانحراف في إعمار الدنيا ، وسعيك لقضاء حاجة أخيك هي خير لك من اعتكاف شهر في مسجد رسول الله ، والإنسان الكادح لرعاية غيره (أعبد) أكثر عبادة لله من المنقطع للصلاة والصيام والذكر في مسجد رسول الله وأن الله محاسب كل منا على عمله وسعيه في الحياة الدنيا (وأن سعيه سوف يُرىَ) أي سوف يراجع ويحاسب عليه ، وأن الإنسان بلا إضافة صالحة يهديها للحياة والدنيا وغيره من البشر كل يوم لا فائدة فيه والحيوان خير منه .

ولا شك أن .. تصحيح مفهوم الغرض من خلق الله للبشر وعودته لأصله وحقيقته من أجل إعمار الأرض بالعلم والعمل سوف يغير الكثير من سعي الإنسان المصري وأسلوب تعامله مع الحياة ، خاصة لو صححنا مفاهيم أخرى بجانبها مثل مفهوم الغرض من السعي في الحياة الدنيا ، والذي هو سعي فقط من أجل الإعمار للأرض ، والذي نصر بغباء وحماقة أن ندعي أن السعي هو على الأرزاق رغم علمنا وترديدنا أن الأرزاق مكفولة ولن تموت نفس قبل أن تستوفي رزقها ، وأن الرزق يطلب صاحبه مثل أجله ، وأن الإنسان مقدر له رزقه ولن ينال سواه مهما فعل ، ولن يستفيد من رزق مهما وصله منه إلا ما قدره الله له ، وتلك مفاهيم لابد وأن تغرس في نفوس أبناءنا لو شئنا أن نقوم سلوكياتنا ومجتمعاتنا لتتواكب وتدفع عجلة التقدم لمستقبل أفضل .

وأخيرا .. لا محل للادعاء بأن ما نقوله هو كلام في الدين بمفهومه القاصر والمحدود ، فسلوكيات البشر تبنى على معتقدان نفسية شخصية مكتسبة من البيئة والمجتمع ، وما سقطت حضارة المسلمين التي سادت الدنيا لأكثر من ألف سنة إلا بعد أن زوروا المفاهيم الأساسية والرئيسية في حياتهم ، بل وزوروا معنى الدين نفسه وحصروه في الفروض والحدود وهو في الحقيقة أسلوب حياة ، فلكل مخلوق في الكون دينه الشخصي المبني على معتقداته وقناعاته النفسية ، ولن نصحح مفاهيم الدين ونقوم الخطاب الديني قبل أن نعترف بأننا أصحاب مفاهيم دينية مزورة وبالتالي فنحن لدينا خطاب ديني فاشل وقاصر ، وإلا ما انقسم المسلمين إلى أكثر من سبعين فرقة وجماعة متناحرة وفاشلة ومتقاتلة كما تقول المستشار الألمانية ميريكل (رغم أن الصين والهند وغيرها لديهم مئات الأديان واللغات والعرقيات ولكنهم يعيشون في سلام ، ولكن المسلمون أصحاب اللغة ودينا والأرض والتاريخ الواحد يقتلون بعضهم بعضا) ، وهو اعتراف ربما نكون مخيرين فيه أن نفعله اليوم أو نكابر ونؤجله لمصالح محدودة وضيق أفق متوارث ولكننا غدا في القريب العاجل سوف نكون مجبرين ونحلم بالمستحيل بعد سقوط قدراتنا على إقناع العامة بمصداقية مفاهيم الدين كأسلوب حياة قويم ، لنكرر ما حدث للمسيحية في الغرب والشرق وأصبحت طقوس للميلاد والوفاة والزواج فقط .

تحية من القلب للدولة المصرية وعلى رأسها الرئيس السيسي فإن لم نستطع أن نفرق بين النفاق وإعطاء كل ذي حق حقه فلا خير فينا في أنفسنا أو لبلادنا ، وأمل كبير أن يفيق كل مصري لما نحن مقبلين عليه من حتمية تغيير مفاهيمه الشخصية ، خاصة بعد أن أصبحت أيامنا القادمة معارك من أجل البقاء خاصة ونحن نعاني ونقاوم كدولة وشعب مختلف مخططات الإفشال والتخريب المتعمد من الخارج وعملاء الداخل ، ولا محل لليأس أو الإحباط والتواكل والسخرية والاستهزاء ، كما أننا لسنا نحمل ضمانات الجنة لأحد ، ولكننا .. خلقنا الله لنسعى ونحاول ونكد ونتعب ونعلم ونتعلم ونعمل نجتهد لنصلح دنيانا لأنفسنا وأبناءنا من بعدنا ، ولنا أجورنا على نوايانا وما نفعله ونقوله من الله في الدنيا وفي الآخرة لو كنا نؤمن أن هناك حساب في الآخرة ... والله غالب على أمره ..

تم نسخ الرابط