بقلم : علي مقلد
أي مراقب محايد لما يحدث في مصر طيلة العقود الأربعة الأخيرة، سوف يخلص إلى نتيجة ، ربما تكون صادمة ومفاجئة ،مفادها أن الدولة المصرية غير جادة في الحرب على الإرهاب ، قد يكون ذلك بحسن نية أو بسوء تشخيص لأصل الداء ، صحيح أن الدولة منذ مقتل الرئيس الراحل أنور السادات ،وهي تواجه حملة السلاح من الجماعات الإرهابية بحسم عن طريق مؤسساتها الأمنية فقط ، وقد حققت في ذلك نصرا مؤزرا في معاركها المتتالية، رغم فداحة ما دفعته من دماء أبنائها ، وأنا على يقين أنها ستنجح في معركتها الحالية في القضاء على التنظيمات الإرهابية في سيناء وبقية المحافظات ، لكن في اللحظة الفارقة التي ستذهب فيها المؤسسات الأمنية لالتقاط الأنفاس وشرب أنخاب النصر على جثة أخر إرهابي ، سيولد إرهابي جديد يعيد الكرة مرة أخرى.
حروب الكر والفر بين المؤسسات الأمنية وبين الجماعات الإرهابية ،كلفت مصر الكثير وسوف تكلفها في مقبل الأيام ما لم تتعاطي الدولة مع المشكلة بعلاج أصل الداء وليس أعراضه ، وذلك لأن المؤسسات الأخرى المنوط بها تجفيف منابع الإرهاب في مراحل تطوره ونموه التي تسبق الخروج على المجتمع وحمل السلاح ، لم تقم بدورها في الحرب على الإرهاب ،وراحت تتخذ دور المتفرج على تلك المعركة التي تدور رحاها بين الطرفين ،بل أن هذه المؤسسات - بعضها أو أغلبها حتى لا نقع في داء التعميم – منقسم بين مؤيد للدولة وبين مؤيد للإرهاب ،وتقاعست مؤسسات ثانية عن دورها ،وتعاملت مؤسسات ثالثة ،بطريقة العميل المزدوج ،قلوبهم مع الإرهاب وسيوفهم الصدئة مشهرة مع الدولة، لكنها غير مجدية ،بل أن الإرهاب اخترق معظم المؤسسات وصار الإرهابيون طابوا خامسا بداخل الصف الوطني .
أولى هذه المؤسسات التي لم تؤد دورها في الحرب على الإرهاب، كانت المؤسسة الدينية الرسمية "الأزهر والإفتاء ووزارة الأوقاف"، ودعونا نتحدث بصراحة ، فعندما تكون الدولة مهددة بالانهيار ،تكون المجاملات جريمة ، والسكوت عن قول الحق خيانة... نعم الأزهر بروافده في "الإفتاء والأوقاف" ، مقصر من ثلاث جهات على الأقل من وجهة نظري ، كان تقصيره الأول ، أنه رضي بالهزيمة طيلة العقود الماضية أمام تيار الإسلام السياسي بكافة فصائله ، فاستأسدت تلك الجماعات عليه وسلبت منه المساجد والزوايا وهمشت دوره في الشارع ، وقد رأينا في ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم وبداية القرن الجديد ، كيف انتشرت الجماعات الإسلامية مثل الجراد ،في الشوارع والمساجد والزوايا،و شرائط الكاست وصفحات الجرائد وشاشات التليفزيون ،وراح الناس يأخذون الفتوى والمشورة ورأي الدين من مشايخ السلفية وبقية الجماعات ، وذلك بسبب تقاعس الأزهر نفسه،حتى تحول دعاة الأزهر- إلا قلة – إلى مجرد موظفين يؤدون عملهم برتابة وبتكرار ممل ، ثم تقاعس الأزهر ثانيا، في تفنيد أراء المتطرفين وأشياعهم واكتفى بفعل ذلك- إن فعل- في دهاليز مؤسساته ومؤاتمراته، دون أن يخوض المعركة بجدية دفاعا عن الدين والدولة ، بل ساعد الأزهر دون أن ينوي ، في دعم قوى التطرف بسكوته عن تنقية مناهجه من مخلفات عصور الظلامية، بل حارب كل فكر أراد المساس بالتراث البشري الذي صار مقدسا.
ثم كانت الطامة الكبرى أن الأزهر تضامن مع القوى الرجعية في مواقف كثيرة ضد دعاة التجديد والحداثة والتنوير ،وخرجت من أروقة الأزهر فتاوي رسمية وشخصية ،اتخذها الإرهابيون تكأة في مواجهة التحديث وقتل وسجن المفكرين ، والأمثلة موجودة وحاضرة في ذهن الجميع ،لذلك فالأزهر مطالب – قبل غيره – وعلى وجه السرعة والعجلة ، بأن يؤدي دوره المأمول في الذود عن حياض الدين والدولة ، ذلك قدره ولن يسمح له بالتقاعس مرة أخرى ،وأعتقد أن رجاله المخلصين لن يرضوا بذلك ،وعليهم أن يجددوا خطابهم ويواجهوا بعزم وعزيمة الأفكار الضالة ،وألا يكونوا سندا للإرهاب والرجعية والتعصب ... وإن غضب الأزهر مني ، فعذري أن بلدي أهم من أية مؤسسة مهما كانت قيمتها وحجمها وتاريخها.
هناك أيضا المؤسسة التعليمية التي فشلت بكل مستوياتها في تطوير منتجها ، فتلقفته يد الإرهاب وزرعت فيه أفكارها المسمومة، فمدارسنا العتيقة باتت بعيدة كل البعد عن سياق العصر ،في كل شئ ،وما زالت تعتمد عن طريقة الحفظ والتلقين على غرار "الكتاتيب" القديمة ، دون أن تضع خطط لبناء عقلية نقدية قادرة على مواجهة الأفكار البالية ،كما فشلت في إخراج منتج قادر على مواكبة العصر ،فكانت النتيجة أنها تفرز كل عام آلاف العاطلين المحبطين ،الذين يصيرون كالعادة وقودا في نيران الإرهاب .
ثم نأتي للمؤسسات الثقافية ،وهي أيضا تقاعست – رغم حالة الصخب والضجيج - عن دورها واكتفت نخبها بالجلوس في الأبراج العاجية ، دون الاحتكاك بالواقع المعاش ،وتركت هذه النخب الشارع فريسة سهلة للإسلاميين، واكتفى هؤلاء المثقفون بالتنظير ،والنضال عبر الفضائيات والندوات معدومة الحضور ، وتأليف كتب رغم أهمية بعضها لم تصل للمتلقين لسبب أو لآخر، وفي القلب من تلك المؤسسات الثقافية كانت مؤسسات الإعلام بأطرافها المتعددة ،وهي أيضا فشلت في مواجهة الإرهاب بل انساقت في كثير من الأحيان لاتخاذ مواقف قوى التطرف بل والدفاع عنها بحجة الرأي والرأي الآخر ، ثم تورط الإعلام في ترديد شائعات الإرهابيين ونقل رسائلهم لقواعدهم ، بشكل يثير الشكوك في نوايا أو عقلية القائمين على تلك المؤسسات، ناهيك عن فشل المؤسسات الحزبية والتيارات السياسية المدنية في استيعاب الأجيال الجديدة ، حيث تفرغت الزعامات التقليدية- إن صح التعبير- في تلك الأحزاب والتيارات لمعاركها الصغيرة والرخيصة في كثير من الأحيان ،وخلدوا للتكاسل واجترار ماض مصطنع وبطولات مزيفة ،تاركين الشارع لكل مخرب من الداخل والخارج .
بيد أن سوداوية المشهد ، لا يصح أن تلقي بنا إلى دائرة اليأس بقدر ما تدفعنا إلى ضرورة خلق اصطفاف وطني حقيقي دون مجاملة أو تزيف مواقف ، اصطفاف تقف فيه كافة مؤسسات الدولة على قلب رجل واحد، في الحرب على الإرهاب دون خنوع أو ميوعة أو خيانة أو تكاسل ، حتى نستطيع أن نقفز خطوة أوسع ، نحو مستقبل خال من التطرف والإرهاب،أما التقاعس وعدم مراجعة الذات ،وإنكار الواقع والاتكاء على مقولة "ليس في الإمكان أبدع مما كان" ، فسوف يكلفنا كل يوم دما جديدا يراق على أرض مصر من دم شهدائها الأبرار الذي يضحون بأرواحهم ، لأن غيرهم تقاعس عن أداء واجبه على النحو المطلوب.



