بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
ربما يظن البعض أن الكلام هنا من وحي الدين من منظور خدعة إبليس الكبرى بتقسيم البشر والدنيا طبقا للعلاقات بمسمى وملامح القرب من الله ، وربما لأننا ننسى أو نتغافل أن حقيقة (معنى الدين) والتي تختلف عن كل ما نعرفه ونظنه بل وما تعلمناه في دور العلم أيا كانت جنسياتها ودياناتها ، ونتناسى أن الدين هو أسلوب ممارسه الحياة بكل تنوعاتها وتداخلاتها ، وأن لكل بشر في الكون دينه ، فالدين باختصار هو طبيعة المعتقدات النفسية التي يمارس هذا البشر حياته على الأرض ومع غيره من الخلق وفقا لها ، فيظهر دينه كسلوك وأسلوب حياة ، ومرة أخرى وبعيدا عن مهاترات السياسة والتغييرات الوزارية وبيان الحكومة وسقوط مفاجئ وآخر منتظر للبعض ، وقريبا جدا من حربا شرسة يخوضها الجيش المصري في سيناء لتطهيرها بعد صبر طويل وثمن فادح دفعه هذا الشعب بدماء خيرة أبناءه ، وبحسم وقوة يسمونها (مفرطة) لأنها فجعت المتآمرين في أذنابهم وكلابهم من العملاء والمرتزقة والمغيبين ، وفي زخم العته الإعلامي المتحالف مع التآمر المفضوح لرموز الفشل والعمالة الصهيونية الماسونية ، وفي تجاهل لسلاسل الفضائح والفواحش الإعلامية ، نستكمل الحديث عن الإنس والجن بحذر ورجاء أن لا نسقط في هراءات التخاريف البشرية المتأصلة في موروثاتنا الفكرية والثقافية ،
نعم سادتي الكرام الجن عالم موجود وقد خلقه الله قبل الإنسان {وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ }الحجر27 ، وتدل قصص القرآن أن الجن كان مستخلفا على الأرض قبل الإنس ففسد فيها وسفك الدماء ولم يعتبروا بتهديد الله ووعيده الذي يكرره سبحانه وتعالى لنا من بعدهم بقوله تعالى .. {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ }فاطر16 ، فسلط الله عليهم ملائكته فطردتهم لخراب الأرض ، ثم أعلن الله قراره للملائكة {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }البقرة30 ، ليبدأ أول مشهد تاريخي للبشر يسطره الله في (15) خمسة عشرة آية متتالية في سورة ص بقوله تعالى .. إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ{71} فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ{72} فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ{73} إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ{74} قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ{75} قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ{76} قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ{77} وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ{78} قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ{79} قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ{80} إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ{81} قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ{82} إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ{83} قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ{84} لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ{85} قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ{86} إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ{87} .
واستكمالا لفصول الملحمة كما نتابعها في آيات القرآن فقد كان إبليس ملكا مقربا بل يقال أنه كان يلقب بطاووس الملائكة قبل أن يتحامق ويكفر بقيومية الله ويطرد من رحمته ، بل ويقال أنه كان أكثر الملائكة عجبا من نبوءة كانت تتردد في الملأ الأعلى أن ملكا مقربا سيكفر بقيومية الله ويطرد من رحمته ، وهنا يجب أن نصحح مفاهيمنا القاصرة في مسمى الملائكة ، فالملائكة ليست اسما لفئة من الخلق كما يخطئ البعض بل هو لقب يطلقه الخالق سبحانه على من يرقى بإيمانه وعمله ويصبح مقربا من ربه أيا كان فئة أو نوع خلقه ، ولذلك يقول لنا الله سورة الزخرف .. {وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ }الزخرف60 ، فالملائكة هم خلقا من مختلف فئات وأنواع الخلق مقربين من الله ولكل منهم مهمة حسب خلقه وقدراته ، ويبدو والله أعلم أن إبليس عندما خلق الله جسد آدم من طين استكثر أن يكون وهو صاحب (الجسد الناري) ممن يسجدون لهذا المخلوق الضعيف والأدنى مرتبة في خلق جسده (طين) ، وغفل إبليس حماقة وجهلا وتعنتا عن أن أمر السجود لآدم لم يكن مطلقا لجلال نوعية جسده ، ولكنه كان تبجيلا واحتراما لمهمته الكبيرة كخليفة لله على أرضه ، وربما كان غيرة وحسدا وحقدا محموما لتكليف هذا المخلوق الجديد بمهمة كانوا هم الجن مكلفين بها من قبله وفشلوا فيها ، فرفض السجود بل وأقسم ليغوين هذا المخلوق وذريته ما داموا أحياء على الأرض ، ليثبت لله أنهم غير جديرون بمكانة الاستخلاف على الأرض أو السجود له ، فأقسم الله له قائلا ( وعزتي وجلالي لأغفرن لهم ما استغفروا) ، وهو ما أنزله الله آيات تتلى في كتابه العزيز إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها بقوله تعالى .. {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }الأنفال33 ، بل وقال حتى للمسرفين في الذنوب والمعاصي .. {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }الزمر53 ، بل ومن كرم الله أنه قرر لنا صراحة .. {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً }النساء48 ، بل وزاد البشر من كرمه فجعل الاستغفار سببا في زيادة الرزق والمال والأهل والولد والقوة والمتع في الدنيا وسببا في رحمة الله وحبه ووده للمستغفرين ، ولذلك يحرص إبليس وذريته أن يمنع ابن آدم من الاستغفار بشتى الوسائل والطرق ، ولذلك أيضا أمرنا رسول الله وشدد علينا في الإكثار والتكرار للاستغفار ولو بدون ذنب نعلمه ، حتى قال العلماء والعارفين أن الله يرزق ابن آدم الندم والاستغفار على ذنبه حتى وهو يفعله ، فمن رزقه الله الاستغفار ومر بخاطره فليبادر به قبل أن يشغله شيطانه ويخسر غفران الله ورحمته ، فالله لا يرزق العبد الاستغفار إلا إذا كان قد شاء أن يقبله منه .
ولذلك فنحن ما زلنا خاضعين لمسلسلات ممارسة الحقد الزمني من (إبليس) أبو الجن وذريته على آدم وذريته ، وما زلنا ننزلق في غواياته التي تتوافق مع شهواتنا وفتن الدنيا ، وأكبر دليل هو ما نراه اليوم في الدنيا من كفر وشرك ومكر وحروب وفتن وتآمر وانحلال وانحراف ليست كلها إلا نتاج طبيعي لطاعتنا لإبليس وذريته ، بل ومن العجيب والخطير أن قمة نجاح إبليس في غواية البشر لا تتمثل في حجم الانحراف والخراب على الأرض بقدر ما تتمثل في القناعة الكبيرة والثقة المطلقة لدى الغالبية العظمى من البشر بعدم وجود الشياطين أو عدم غوايتهم لهم أو وسوستهم المستمرة ليل نهار ، حتى أن الكثيرون يعتبرون هذا سبا وإهانة لهم غير مقبولة ، وهو قمة نجاح إبليس وهو ما يمكنه وذريته من الشياطين من التمكن من البشر وهم غافلين ومستسلمين تماما ، حتى أننا نرى الكثيرين منا ينكرون وبقوة وثقة لا مثيل لها بل ويتهكمون ويسخرون من حقيقة استمرار المؤامرة التي يديرها إبليس صاحب دين (الكابالا) والتي تطورت منذ زمن نوح عليه السلام لتفرز للعالم فرسان المعبد في القرون الوسطى ثم تنجح في التحكم بمصائر البشر بواسطة تنظيمها السري الملقب بالماسونية ، والتي صنعت أخيرا الإمبراطورية العظمى الملقبة بالصهيونية العالمية ، والتي تتحكم حاليا في إدارة الغالبية العظمى من دول وبلدان العالم وعلى رأسها أمريكا وإسرائيل والغرب وكثير من دول الشرق باختلاف دينهم ومللهم تحت مسميات لنظم وآليات متنوعة ، بل ويكاد معظم البشر يجمعون على إنكار نجاح إبليس في تزوير التوراة والأناجيل وبث الضلال والبهتان وتزوير مفاهيم القرآن ، بالرغم من وضوح النتائج والتداعيات بتقسيم العالم لفئات وفرق وجماعات متناثرة ومتحاربة ومتآمرة على بعضها البعض.
ولم يقف إبليس عند حدود التفرقة بين البشر بشغلهم بأهوائهم وكبر نفوسهم وصراعاتهم حول الدنيا ومكاسبها ، بل وللأسف تخطت إستراتيجيته خطوطا حمراء في ناموس الكون لتتحدى الله في قوانين خلقه ، حتى أصبحت قرابين الخضوع لإبليس من الشذوذ الذي تعافه الحيوانات تعد حرية ومتعة يتباهى بها بعض البشر ، وأصبحت ممارسة هدم بنيان الرب (القتل) وتخريب الدنيا ونفوس وعقول البشر هو عنوان التقرب من الله باسم الدين ، حتى أصبح أبالسة الإنس والجن اليوم يظنون أنهم قادرون عليها بنجاحهم في خداع كثير من النفوس والعقول واستعبادهم للغالبية من أتباع الدين السماوي الأوحد أيا كان مسماهم (مسلمين أو مسيحيين أو يهود) ، { .. وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }يوسف21 ، ولأن الخالق العظيم لا يغفل عن خلقه ، ولأن كل خلقه هم عياله ويحبهم سواسية فقد علمنا الله الكثير لنحمي به أنفسنا من شياطين الإنس والجن ، خاصة وأن كل منا كما ولد وحده ، سيموت وحده ويحاسبه ربه وحده ، فكل منا مسئول عن نفسه وحياته وعمله ، فلابد وأن نعي ونتعلم كيف نعبر الدنيا بسلام وأمان من شياطينها ولا تغرقنا أحداثها وفتنها فنخسر كل شيء ، وبالتالي فلا فكاك من إبليس إلا بالعلم ومعرفة كيف يسيطر الملعون على ابن آدم منذ ولادته وربما قبلها وكيف يوسوس له وكيف يغويه ، وكيف ومتى يكف عن غوايته وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..



