بقلم : علي مقلد
يصحو العام وينام كل ليلة تقريبا ، على خبر مأساوي مفاده أن ثمة تفجير قام به "إسلاميون متشددون" هنا أو هناك ، ضد بشر مسالمين لا ذنب لهم ولا جريرة ، إلا أن حظوظهم التعسة جعلتهم في موقع يضم قتلة مجرمين يعتقدون أنهم ينصرون الله بقرابين الدم ، وتنتشر صور الأشلاء والمصابين في فضاء الإعلام الدولي مصحوبة باللعنات على تلك النوعية من البشر،لكن "المسلمين الوسطيين" يستقبلون تلك الأخبار بلا مبالاة أحيانا وبالتبرير أحيانا أخرى ، أو يفاجئك بعضهم ، بأن ما حدث من قتل لأبرياء ثأرا لقتل أبرياء آخرين بيد آخرين ليس لهم علاقة بالضحايا بالأساس،ويتناسون أن القصاص في الدين يكون من القاتل نفسه ،وليس ثأرا جاهليا يقتل البشر على الدين والهوية والعرق ،كأننا في غابة لا يحكمها سوى "فقه البداوة" وعصبية القبائل.
كل يوم أيضا نصحو على رجل دين يزعم أن هؤلاء الإرهابيين متآمرون ، وأنهم صنيعة أجهزة مخابرات معادية تدبر مؤامرة كونية للقضاء على الإسلام ، ويتناسى هذا الشيخ وأمثاله بحسن نية أو بسوء قصد أن الإرهاب يكمن في التراث الديني نفسه ،وهذا الذي يزعم أن الإرهاب مؤامرة ، هو نفسه يذكر في خطبه ودروسه بفخر واعتزاز ، كيف سطت جيوش الأوائل على مقدرات الشعوب غصبا وقهرا ،ويحكي لمريده عن ضرب الأعناق وحز الرقاب الذي حدث بين مسلمين ومسلمين في حروب الفتن دون أن يرف له جفن أو يقول عن الطرفين أنهم قتلة وأن الدين أرقى وأسمى من أن يفرض بالسيف والرمح وأن من فعلوا ذلك كانوا طلاب دنيا ،فبسكوته عن قولة الحق ألصق أفعال هؤلاء وأولئك بالدين نفسه ... هذا الذي يزعم أن ثمة مؤامرة وهو نفسه درس ويدرس تقسيم الفيء والغنائم والسبايا بين أمراء الحروب المقدسة ،دون أن يفصل بين حقيقة الدين وأطماع البشر في مقدرات جيرانهم .
متى يدرك هؤلاء "العميان" عن حقائق الأمور أن سكوتهم عن اقتلاع جذور التطرف والإرهاب من كتب التراب ،سوف يجرف الجميع،فاستمرار المتطرفون الإسلاميون في مسيرة القتل والتدمير والتخريب لكل شئ تطوله أيديهم ،ربما يؤدى يوما ما إلى تجريم الإسلام نفسه كدين وعقيدة ،وربما تصدر بعض البلاد المتضررة قرارات تمنع المسلمين من العيش على أرضيها ،فلا أحد يقبل أن يستضيف بشرا هم من وجهة نظره- بسبب أفعال بني جلدتهم- مجرمون محتملون، وربما لن تسكت المجتمعات المتحضرة على انتهاك حضارتها من جماعات قادمة من بيداء التاريخ ، ولعل ما يحدث من أنصار اليمين المتطرف في بعض الدول الذين يعلنون صراحة عداوتهم للإسلام والمسلمين ،بداية لما هو أكبر وأخطر .
إذن لا حل أمام رجال الدين الإسلامي وفي القلب منهم رجال الأزهر إلا أن يشمروا عن سواعدهم ،ويخلعوا عنهم أردية "اللامبالاة " ويعلنوها صريحة مدوية أنه لا تراجع عن تنقية التراث ونقده ونقضه ،فهل يفعلوها من أجل الدين نفسه وليس من أجل شيء آخر ، أم أنهم أدمنوا قدسية نصوصهم فلا يريدون عنها بديلا ، إن تجديد الخطاب الديني بات فريضة الساعة، فهل يدرك رجال الأزهر اللحظة الفارقة دون أن تأخذهم العزة بالإثم ، فيقللون من أهمية تلك الفريضة ، ويتكئون على أنهم على خير ما يرام وأنهم أدوا ما عليهم ، وأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان ،ويتركون جماعات الإرهاب تغرف من شبابنا الجيل بعد الجيل ،وتقذف بهم في آتون حرب هلامية ممتدة ضد البشرية جمعاء،فهذه الجماعات ترى أن الله لم يخلق مؤمنين سواهم ،ولا يحق لأحد العيش على الأرض إلا في معيتهم ووفق أهوائهم وهو صاغر، لكن هذه الجماعات لا تجد كبير جهد في تجنيد الشباب وشحنهم للموت والقتل والعيث في الأرض فسادا، فما على دعاتها سوى الاغتراف من الكتب التراثية التي يدرسها الأزهر وغيره من المؤسسات الدينية ،ويقول للمغررين هاكم دينكم الحق وهذا صراط الله المستقيم ،وأن تلك المؤسسات وعلمائها شيوخ سلاطين.... فهل يجددون خطابهم أم أن حركة التاريخ وصيرورة الحياة سوف تقذف بهم إلى الهامش ،وساعتها لن يسمع أحد لتجديدهم أو ندائهم ،فهل يفعلوها أم أن تيار "التجديد أصلا حرام " لا يزال هو السائد والسيد والمسيطر.
ولأن شر البلية ما يضحك ، أتذكر أنني صليت ذات يوم ، وراء أحد الشيوخ وكان الرجل يتحدث برقة وعذوبة عن سماحة الإسلام طيلة خطبته ،وكيف تعامل الإسلام في عصوره الذهبية مع المخالفين ،بل وسماحة الدين مع الأعداء أيضا ،وراح يسرد قصصا وحكايات مسلية لدعم كلامه ،لكن قبل أن ينهي خطبته ،طلب من المصلين أن يرفعوا أكف الضراعة ،لعلها تكون ساعة إجابة ،ثم راح يدعو الله وهو خاشع ، على كل الطوائف والملل والمذاهب بأن يحصهم عددا ويقتلهم بددا ولا يغادر منهم أحدا ، وأن يجمّد الدم في عروقهم ويبّس أوصالهم وييتم أطفالهم ويرمل نسائهم ويشرد رجالهم ،ويجعل ديارهم خاوية، والمصلون الوسطيون يأمنون وينتظرون من الله الإجابة .. بعد الصلاة قلت له ضاحكا وساخرا : يا مولانا أبشرك بأن الله لم ولن يستجب لدعائك ، فلو أنه استجاب لما دعوت به أنت ومريديك ،ما جعل على الأرض من دابة .



