بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
عجبا لابن آدم منذ بداياته على الأرض وهو يعلم أن إبليس (أبو الشياطين) هو عدوه اللدود والأبدي ، {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً }الإسراء53 ، ورغم ذلك يتصاعد نجاح إبليس وذريته في الاستحواذ على معظم البشر ، بل والأغرب أن يقيم إبليس مملكته الأرضية معلنا نفسه ربا لها فيخضع له كثير من البشر ويصل بهم الحال لعبادته وطاعته على حساب كرامتهم على الأرض ، ويصدق إبليس في تعهده لله تعالى {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً }الإسراء62 ، ويخدع إبليس الأوائل من البشر بإنشاء أول جماعة صوفية تبحث في ذات الله العليا والتي سميت بـ (الكبالا) أو القبالة ، والتي أغرقت أتباعها فيما يدعونه بالتفكر في الله لفهم ذات الله العليا والذوبان والاتحاد مع النور العلوي للإله الأعظم ، وابتداع معان مختلفة لحروف الكلام لتحقيق الوصل مع الذات العليا بعيدا عن عامة البشر ، وهي نفس مبادئ وأسس الصوفية الحديثة والتي تتواجد في كل من اليهودية والمسيحية والإسلام بنفس مفرداتها تقريبا ، ولكل فئة منهم أمير أو شيخ أو ولي لله هو وسيلة الأتباع لتحقيق الرغبات والشهوات ومغفرة الذنوب وتوزيع النفحات ، والغريب أن هذا متفشي في ربوع مصر وبلدانها كالنار في الهشيم ، وبعضهم هؤلاء الأمراء يزوج ويطلق ويغفر الذنوب في الجلسة الواحدة بكلمات وإشارات من يده ونفحات يدفعونها بالآلاف والملايين ولا عجب أن تضم هذه الأتباع وزراء وعلماء ومهندسين وأطباء وقضاة ومن مختلف فئات المتعلمين بل وبعض من علماء وعامة الأزهريين ، ولا عزاء لأي للمتأسلمين .
بل ومن العجيب مثلا أن تجد الصوفية تطل علينا بمفاهيمها وشطحاتها الفكرية كل فترة لتعلن حقيقة المذهب بل والديانة التي تتجاوز اللغة والدين والجنس مثل قصيدة (حديث الروح) التي غنتها أم كلثوم وهي قصيدة صوفية كتبها بالباكستانية الشاعر الإبراهيمي الصوفي الباكستاني محمد إقبال ، يناجي فيها ربه باكيا سابحا في الملأ الأعلى متنقلا في (عروجه) الروحي ورحلته السماوية بين مناجاته وشطحاته عن الإسراء والمعراج في صور بلاغية تتوافق مع أفكاره الصوفية مختلطة ببشريته وتخيلاته وظنونه عن الملأ الأعلى ، لتظل الصوفية أولى مراحل وأسس الانحراف عن دين الله في كل مذهب ودين سماوي والتي لا يرى العامة وضعاف الإيمان والعلم والفهم فيها عيبا بل يرونها ميزة وتفردا عن غيرهم من البشر ، ويدافعون عنها بكل قواهم المستمدة من عمق تملك إبليس من نفوسهم الضعيفة الفهم والإيمان ، وبالتأكيد لهم أعذارهم فهم غارقون يتشبثون بأي ملة وأفكار ومعتقدات تشعرهم بالقرب من المجهول حتى ولو كانوا لا يعرفون حقيقة ما يتورطون فيه من شرك صراح يصل بكثير منهم لمراحل الكفر بقيومية الله عليهم ، وهو ما يسعى له دوما إبليس الملعون للسيطرة على البشر بخداعهم واستدراجهم بشتى الطرق والوسائل خاصة ما تهوى وتحن له نفوسهم .
ولا عجب بالقطع أن يسيطر إبليس على البشر بتقسيمهم لفرق وجماعات ومذاهب وملل ، ويحلل لكل منهم شهوات ونفسه ورغباته في اختراع دين خاص بكل منهم في إطار معتقدات شيطانية لفرقة أو جماعة بعينها ، وهو ما نجح فيه بتقسيم المسلمين منذ بداياتهم إلى شيعة وسنة وصوفية ثم قسم كل فرقة منهم لعشرات الفرق والجماعات ، والتي انتهت في القرن الماضي لأشهر تقسيمات الماسونية الدينية وأكثرها قوة وسلطة متمثلة في الوهابية والإخوان واللتان خرجتا عن عباءتهما كثير من الفرق صاحبة المسميات المختلفة مثل السلفية والجهادية والتبليغ والدعوة والجمعيات الشرعية وأنصار السنة ، والتي جمعت ملايين التابعين من الجهلاء والعامة والباحثين عن القرب من الله ومجد الإسلام الضائع في غياهب الجهل والتخلف مستغلين افتقار المتعلمين لفهم ناموس الكون فسيطروا على قطاعات كبيرة من الشعوب في مختلف بلدان العالم ، تحت قيادة وتوجيه قيادات الماسونية العليا والذين يتميزون في حقيقتهم بكفرهم بكل دين ، بل ومنهم أعلام وعلماء وقادة في مختلف الفرق والمذاهب تسجد لإبليس وتمارس طقوس الشذوذ والكفر الشيطانية في المحافل الماسونية ، والتي نجحت في السيطرة على معظم حكومات العالم وأجهزة مخابراتها واقتصادياتها وإعلامها .
ولو عدنا لعلاقات وتعاملات الشياطين مع الفرد البشري منا ، لتوقفنا عند ثوابت لا تقبل الجدال ، فالقرين لا يملك سوى الوسوسة منذ الولادة وحتى موت قرينه من الإنس فهي مهمته الوحيدة معه مدى حياته ، وغالبا ما ينجح القرين الجني في السيطرة على الإنسان بخداعه وإقناعه بعدم وجود الشياطين وأن كل ما يرد على فكره وخاطره هو عبقريته وفهمه وقراراته الغير مسبوقة وسرعان ما يقع الإنسان فريسة سهلة بتصديقه هذا الخداع الساذج ، خاصة لو كان هذا يتوافق مع غروره وكبر نفسه وحوله منافقون ومخادعون من مصلحتهم أن يصنعوا منه مسخا أحمقا ، فيقنعونه بأنه متميز أو عبقري ولا مثيل له بين البشر ، فيسقط فريسة سائغة بين يدي قرينه الذي يسلمه سعيدا بحمقه لنهايته المحتومة بخسارة كل شيء عند موته أو قبل موته ، والأمثلة كثيرة وأقربها مرسي العياط ورفاقه من أذناب الماسونية وأتباعها المخلصين من قيادات الإخوان المسلمين ، وكثير من قيادات السلفية الجهادية وبعض الصوفية ، وبالطبع معظم قيادات الليبرالية ونشطاء السبوبة والحرية وحاملي مشاعل الديمقراطية وحقوق الإنسان تبعا لمن يدفع أكثر والباحثين عن هدم المجتمعات والدول والأمم وتقسيمها وتدمير مؤسساتها وقواها المختلفة ، فالكل ضحايا وعبيد برغباتهم وشهواتهم لإبليس وجنوده .
فالأمر ببساطة لا تعقيد فيه ، فكل ما يفسد حياة البشر ويدمر حياءهم وأدبهم أو يقسمهم ويفرق شملهم ووحدتهم ويعطل تقدمهم وتطور حياتهم فهو تحت رعاية إبليس وخدامه من شياطين الإنس والجن ، ولذلك يعد أكبر نجاح لإبليس هو تفريق وتشتيت قوى البشر ووحدتهم وإفساد حياتهم وتخريب بيوتهم وبلادهم وأبناءهم وبناتهم تحت مسميات براقة مثل الفن والإبداع والجمال والثورة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان مستخدمين أحدث أساليب الخداع والكذب والشائعات والتضليل والتزوير للحقائق والتضليل بأيدي وألسنة أتباعهم المنتشرين في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة وشبكات التواصل وما أكثر المنحرفين والخونة في كل مكان وزمان ، فالشياطين تستغل ضعف الإنسان وغرقه في مشكلاته ومعضلاته ومعاناته وشهواته على مدار الساعة لتلهيه عن سقوطه المتتالي في أيديهم واقترابه من الهاوية .
ولا شك .. أننا لابد وأن نعود لمجردات الأمور في التفريق بين الحقائق والأكاذيب ، وما بين السلوك القويم وبين الخضوع لإبليس وجنوده وعبيده من شياطين الإنس والجن ، فلا نسمح لأنفسنا بالسقوط في أيدي الشياطين وخدامهم من الدجالين والنصابين على مختلف صورهم ، فالذئب لا يأكل من الغنم إلا القاصية ، فلا تسمح لنفسك أن تغرد خارج السرب بعيدا عن أصحاب القلوب السليمة من البشر ، والذئب لا يأكل إلا الشاردة ، فلا تسمح لنفسك أن تنزلق في شذوذ الفكر أو الانحراف تحت مسميات التطور والمدنية ، فعلى سبيل المثال لا الحصر .. ألم يسقط المجتمع المصري بامتياز في عهر البنطلون اللاصق والملتصق بأجساد البنات والسيدات فيعرضون أجسادهن بالتفصيل المقزز تقليدا للغرب وبعض الفنانات والمذيعات ، وبالتدريج اعتادت البنات والنساء على عهر النفس واستباحة بل والاستمتاع بعرض مفاتن أجسادهن للعيون بحثا عن زوج أو لمجرد التمتع بشهوات متبادلة ، وبالتدريج أيضا سقطت نخوة وكرامة وشرف الرجال وتحول إنكارهم ورفضهم للسقوط في الاعتياد ثم الانشغال بممارسة التمتع بمشاهدة أجساد النساء والبنات أشباه العاريات مستسلمين لخيالات وشهوات وفساد للنفوس ، وكل هذا في النهاية هو إشغالات مقصودة ومستهدفة لقتل الهمم وتثبيط النفوس تحت مسميات الحرية والمدنية ، وكل هذا في حماية مستميتة من الشياطين من محترفي ومحترفات العهر الأنثوي كفرصة لإعلان الشرف الزائف ، ثم يعودون ليشتكوا من تفشي الزنا والاغتصاب والفواحش واللواط والمخدرات والجرائم الاجتماعية ، ولكن يبدو أننا ننسى أو نتناسى أن ثوابت ناموس الكون لا تتغير بانحراف نفوس البشر وشياطينهم مهما تقدم بهم الزمن.
ولست معاديا لأحد ولا أعني شخصا بعينه فجميعنا خاسر ويدفع الثمن غاليا ، ولذلك لابد من رصد النجاحات الباهرة لإبليس وشياطينه من الجن والإنس كنتيجة مباشرة لغفلتنا وصمتنا على تمادي الشياطين في سيطرتهم التدريجية على مقدرات أمور حياتنا ، ولا خاسر سوانا خاصة وأننا استمرأنا كثيرا مما تمليه علينا نفوسنا المنزلقة في الانحرافات وما تحميه وتشجعه وتنشره بيننا شياطين الإنس والجن ، ونحن غافلين أو مستسلمين أو مستمتعين حسب درجات انحراف كل نفس منا ومستويات سقوطها في أحضان إبليس وأتباعه والذي تحميها وترعى تفاقمها فينا ممارساتنا للكذب على أنفسنا باحتراف ، واستباحتنا للخداع والتضليل والبهتان وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ...



