الأربعاء 17 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد يوسف العزيزى

كشفت أزمة الأرز وارتفاع أسعاره عن حالة التخبط التي تواجهها الحكومة ممثلة في وزارتي الزراعة والتموين باعتبار الأولي مسئولة عن زراعته وفقا لمتطلبات الاستهلاك وتوريده ، والثانية مسئولة عن توفيره في منافذ البيع للمستهلك بأسعار مقبولة وفي استطاعة المشتري ، ويبدو أن الوزارتان تعمل كل واحدة منهما بمعزل عن الأخرى ولا يوجد تنسيق بينهما .


نعلم أن الأرز سلعة إستراتيجية مثل الخبز لمحدودي الدخل عموما ، وأن استهلاك الفرد من الأرز في مصر يصل إلي أكثر من 44 كيلو جرام في العام وهي نسبة تفوق المعدلات العالمية في استهلاك هذه السلعة ، ونعلم وتعلم قبلنا الحكومة أن إنتاج كيلو واحد من الأرز يستهلك كمية مياه تعادل أضعاف ما يستهلكه كيلو آخر من أي سلعة أخري ، ونعلم وتعلم قبلنا الحكومة أننا نعيش مرحلة فقر مائي تحتاج إلي حلول جديدة ومبتكرة في طرق الري واستنباط محاصيل لا تحتاج مثل هذه الكميات من المياه ، ونعلم أن محصول الأرز يكفي احتياجاتنا ويفيض جزء منه يتم تصديره للخارج بما يوفر جانبا من العملة الصعبة التي نعاني من عدم توافرها هذه الفترة مما نتج عنه ارتفاع أسعار العديد من السلع الإستراتيجية خصوصا الدواء وألبان الأطفال !


رغم أن الحكومة تعلم كل هذه البديهيات حدثت أزمة الأرز وقل المعروض منه وارتفع سعره ونحن مقبلون علي شهر رمضان حيث يرتفع معدل الاستهلاك في كل شيء .. فماذا يعني ذلك ؟


ذلك يعني ببساطة أن وزارة التموين تغافلت عن قراءة الأزمة حتى وقعت وهي – من المفروض – لديها مؤشرات توضح كميات السلع المخزنة ، وكميات الاستهلاك المطلوب ، ومؤشرات ارتفاع الطلب بالقدر الذي يتيح لها عدم الوقوع في هذه الأزمات مسبقا ، ويعني أن مافيا تجار الاستيراد ما زالوا قادرين علي تحقيق أعلي المكاسب حتى لو صنعوا الأزمة ليستفيدوا منها وذلك تحت سمع وبصر وسماح بعض المسئولين في هذه الحكومة ، ويعني أن استمرار وجود كبار تجار الاستيراد في الغرف التجارية وقربهم من مراكز صنع القرار سوف يضع الحكومة دائما تحت رحمة هذه الأزمات فلا تجد بديلا عن فتح الاستيراد لأي سلعة لها بديل مصري وعندنا منها ما يكفينا ليحققوا أعلي مكاسب ممكنه ، ويعني أن وزير التموين لا يملك القدرة علي مواجهتهم ومحاسبتهم !


فجأة وكأن رمضان داهمنا علي غرة .. كما تعودنا دائما أن نتحرك في ربع الساعة الأخير من الوقت ، فاكتشفنا أن هناك نقص في الأرز فارتفع سعره طبقا لنظرية العرض والطلب ويجب مواجهة الأمر حتى لا تنكشف الحكومة ، فكان الحل الأيسر والأسهل والمريح هو استيراد 80 ألف طن من الأرز ، وكنا للأسف قد صدرناه منذ أشهر قليلة .. نستورد في عز أزمة الدولار .. خيبة ودليل تخبط وغياب رؤية وافتقاد قاعدة معلومات وبيانات في دولة تعيش أزمة منذ سنوات !
الأخطر هو تصريح وزير الزراعة الذي تبرأ من الأزمة وغسل يديه وقال : التجار لعبوا بوزير التموين مشيرا إلي أن بعض التجار والشركات خزنوا الأرز والسكر لتعطيش السوق ثم بيعهم قبل رمضان بأسعار عالية .. وزير الزراعة علم ولم يبلغ .. مصيبة في تضامنية وزراء الحكومة .. حدث ذلك وأجهزة الرقابة بوزارة التموين تغط في نوم عميق !


الحكاية تحتاج قرار سيادي من الرئيس – وهذا قدره -  خصوصا عندما يتعلق الأمر بغذاء المواطنين وبالسلع الإستراتيجية .. تعليمات أو قرار أو توجيهات أن تتولي هيئة السلع التموينية استيراد هذه السلع من الخارج ليقل الوسطاء وتتراجع الأسعار ويتوقف الفساد الذي لا يمكن مواجهته إلا بهذه الطريقة ويكون الأمر كله تحت إشراف الأجهزة الرقابية .. تستطيع الحكومة أن تحقق هامش ربح تنفق منه علي المشروعات الأخرى التي تخص الغلابة في هذا البلد .. مواجهة الفساد ومافيا الاحتكار قضية أمن قومي لا تقل أهمية عن مواجهة الإرهاب حتى لا تضيق صدور البسطاء وأصحاب الحاجات في الوطن ..


 من الأمن القومي ألا تتحكم فئة قليلة لا تجاوز أصابع اليدين في قوت الشعب ومصيره .. وتحيا مصر
 

 

تم نسخ الرابط