بقلم : سهام ذهنى
«متمردة» كان عنوان العمود الأسبوعى لزميلتنا «سلوى الخطيب» منذ حوالى 35 عاما.. نعم.. قبل هذا العمر كله كان لها عمود أسبوعى سبقت فى المداومة عليه غالبية الطلبة والطالبات فى كلية الإعلام على صفحات جريدة «صوت الجامعة» التى كنا نقوم بتحريرها نحن طلبة كلية الإعلام فى ذلك الوقت بإشراف الكاتب الصحفى الكبير «جلال الحمامصى» الذى كان يعلمنا التحرير الصحفى بضمير، وكان يتحمل مناقشاتنا واختلافنا معه فى الرأى بديمقراطية وإيمان حقيقى بالحق فى الاختلاف الذى لم يكن أبدا يفسد للود قضية.
كان عمود «متمردة» بقلم «سلوى الخطيب» هو من أنجح الأعمدة فى الجريدة وقتها، ومن أكثرها جرأة وتفاعلا مع مختلف القضايا التى كانت تشغل الشباب والوطن فى تلك الفترة عقب حرب 1973 وزمن بدايات الانفتاح الاقتصادى.
كنا أصدقاء فى الجامعة، ودخلنا معا مجلة «صباح الخير»، كنانشترك فى الكثير من الأحلام، ونشترك فى ترجمة تلك الأحلام معا على الورق عبر تحقيقات صحفية نكتبها معا، وأعترف أننى قد تعلمت عبر اشتراكنا فى تحريرها الكثير من سلوى الخطيب. وهى تحقيقات فتحت فيها مجلة صباح الخير وقتها لنا الصفحات بحماس من العملاق الراحل «عمو حسن فؤاد» ــ كما كنا نحب أن نناديه ــ وبتشجيع باقة من المتحمسين لنا وللشباب وللطازج من الأفكار فى مدرسة مجلتنا هذه العريقة.
فى تلك الأيام كان العبقرى «بليغ حمدى» يدندن يوميا عبر الإذاعة مع الفنانة الصاعدة وقتها «عفاف راضى» مقدمة لمسلسل يومى كانت كلمات الأغنية فيه تقول «سلم سلم /مد إيدك ياحبيبى خد سلامى/ بينا نحلم نحلم/ احلم ياحبيبى معايا/ عيش أحلامى»، وكانت أيدينا فى ذلك الوقت ممدودة لمن يحمل أحلاما كأحلامنا فى غد أفضل للوطن، أحلاما بسيطة حول أن يتمنى الأطفال فيكون من الممكن أن تتحقق لهم الأمنية، كنا نحلم بالعدل والكرامة، وكنا ندافع عن أحلامنا بحيوية.
تفجرت هذه الذكريات فجأة وتمددت هنا عبر هذه السطور أثناء قيامى بترتيب مكتبى، واكتشافى أننى فى يوم 27 يناير 2011 أيام الثورة وقبل جمعة الغضب بيوم واحد مدت لى الصديقة العزيزة «سلوى الخطيب» بكتابها الجديد وقتها «غربة الأحباب»، قفزت من الفرحة فى ذلك الحين، وقررت أمامها أن موهبتها لم يتم مقابلتها بعد بما تستحقه من مكانة، مع ذلك ولأن اليوم التالى وقتها كان يوما مرتقبا، فقد وضعت الكتاب فى الدرج، ثم كان ماكان من انشغالنا جميعا فى الميلاد الجديد للأمل على أرض الوطن، ومن محاولاتنا بالإمساك بالحلم وتحويله إلى واقع، وبينما اكتمال تحقيق الحلم يواصل التعثر تصادف أن عثرت على الكتاب، ووجدت بين صفحاته سطورا عن الحلم تتساءل فيها سلوى الخطيب: «من اخترع الحلم؟ ومن سرقه؟».
ثم تضيف على لسان إحدي شخصيات «غربة الأحباب» قائلة: «من أغراه أن يحلم بالعدل والحرية، بشوارع واسعة يغسلها نور الشمس فى الصباح، يحرسها نور القمر فى المساء، يسكنها الأمان، وتزقزق على أشجارها العصافير، ومن حكم عليه أن يقطع طريق الألف خطوة، وعندما تلوح النهاية تهاجمه الأيدى وتدوس عليه الأقدام، وتسد عليه الطريق وتسحبه إلى نقطة البداية مرة أخرى».
وإذا بكلماتها تفجر فى وجهى ملامح مما كان وأكواماً مما صار، وتساؤلاً ضريراً حول كيف بعد كل ما جرى نحاول التشبث بأهداب القدرة على مواصلة الأحلام.



