الثلاثاء 03 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر

بعد سلاسل متعاقبة وطويلة من البحث والدراسة العلمية لعلماء الغرب والشرق خاصة في العقود والسنوات الأخيرة ، لم يعد الصيام مجرد طاعة وممارسة لمنسك فرضه الله ، ولم يعد عملية إرادية يجوز للإنسان فعلها أو عدم فعلها ، فقد أثبت علماء الطب الحديث بعد أبحاث دقيقة ودراسات علمية مدققة على الوظائف الفسيولوجية لجسم الإنسان وخلاياه بل وجيناته الوراثية المنتقلة لأولاده وأحفاده ، أن الصيام هو نظام طبيعي يجب على جسم الإنسان أن يمارسه حتى يستعيد نشاطه وقدرات وظائفه الحيوية بكفاءة ، بل ثبت أن الصيام ضروري وبشدة لصحة الإنسان تماما مثل التنفس والحركة والطعام والنوم وهو أحد أسرار اعتلال أجسام ملايين البشر دون سبب ظاهر ، ليصدق حديث رسول الله {صوموا تصحوا} ، ويقول العلماء أن الصوم يساعد الجسم على تسريع عملية الهدم للتخلص من الخلايا القديمة وهي عملية تتباطأ باستمرار تناول الطعام لشهور متعاقبة ، ولذلك يحتاج الجسم للتوقف عن الطعام يوميا لفترة تعادل نصف ساعات اليوم أثناء استيقاظه ، حتى يعتاد الجسم أن يهدم كما كبيرا من خلاياه القديمة ويعيد بناء الجديدة بدلا منها بمعدلات أسرع وأنشط ، وهو ما يعيد لأجهزة الجسم نشاطها وحيويتها ومعدلات أدائها العالية فضلا عن بناء خلايا أكثر قوة وحيوية مما اعتاد على بناءها طول الشهور ما قبل الصيام ، ويعد صوم شهر من السنة خلال النهار هو الصيام المثالي ، بل ومن العجيب أن صيام الأيام القمرية (13 ، 14 ، 15) يعد من أفضل أنواع العلاجات الطبية المتقدمة لأكثر من 75% من الأمراض المعتادة والمعروفة ، وهو ما دفع كثير من مراكز الأبحاث أن تضع القرآن وأحاديث نبي الإسلام (محمد) محل دراسات علمية دقيقة ، بل وهو سبب إسلام كثير من العلماء الذين توقفوا عند سنة صيام ثلاثة أيام في الشهر وهو ما يسمى بصيام الدهر كما يقول رسول الله "من صام من كل شهر ثلاثة أيام فذلك صيام الدهر، فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه العزيز .. {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }الأنعام160 ، وهو ما يدفع كثير من عامة المسيحيين خاصة المصريين وبعض رجال الدين والعلماء غير المسلمين أن يمارسوا الصيام مع المسلمين في رمضان .

ولا شك أن كثيرا من العلماء والمثقفين من غير المسلمين يرون في الصيام تجربة نفسية قوية وسامية ترفع من معدلات السمو النفسي أو الروحي كما يسمونها ، وبعضهم يمارسها كطقوس تهذيب وترويض للنفس وتجديد للنشاط الذهني والروحي كما يقول عميد الصحفيين الكولومبي (توم برنر) ، وقد عرف الصيام تاريخيا لدى النصارى فهم يصومون كل سنة أربعين يوما وقد كان صيامهم قديما بالامتناع عن الأكل والشرب تماما والإفطار كل يوم (24 ساعة) مرة واحدة عند ظهور النجوم كصيام اليهود ، ولكنهم قصروه على الامتناع عن أكل كل ذي روح وما ينتج منها ، كما لديهم صيام الفصول الأربعة بصيام ثلاثة أيام من كل منها ، وكذلك صيام الأربعاء والجمعة تطوعا ، وقد سبقهم اليهود بالصيام شهرا كاملا والإفطار بظهور النجوم وما زال الأصليون منهم يفعلونه ، وصيام يوم عاشوراء يوم نجاة موسى من فرعون ، وكذلك اليوم التاسع من أغسطس في ذكرى خراب هيكل أورشليم ، ولكن اليهود المعاصرين لا يصومون سوى ستة أيام في السنة ، وقد عرف صيام ثلاثة أيام من كل شهر كصوم تاريخي منذ عصور نبي الله نوح حتى فرضه الله شهرا كاملا هو شهر رمضان ، ومن مراجعة كتب التاريخ وأسفار العهد القديم والجديد رأينا أن قدماء اليهود كانوا لا يكتفون في صيامهم بالامتناع عن الطعام والشراب من المساء إلى المساء، بل كانوا يمضون الصيام مضطجعين على الحصا والتراب في حزن عميق  ، وفي سفر الخروج أن موسى   كان هناك عند الرب أربعين نهارًا وأربعين ليلة لم يأكل خبزًا ولم يشرب ماء ، وفي إنجيل متى أن المسيح صام أربعين يومًا في البرية ، وجاء في كلام النبي حزقيال أن صيامه كان عن اللحوم وما ينتج عن الحيوان ، وكان النبي دانيال يمتنع عن اللحوم وعن الأطعمة الشهية مدة ثلاثة أسابيع ، وجاء في الترجمة السبعينية أن داود قال {ركبتاي ضعفتا من الصوم ، ولحمي تغير من أكل الزيت}، كما يعتبر الصيام منسكا مقدسا لدى كثير من أصحاب الديانات الأخرى كالبراهمة والبوذيين في الهند والتبت ، ومن طقوسهم في نوع منه الامتناع عن تناول أي شيء حتى ابتلاع الريق لمدة أربع وعشرين ساعة، وقد يمتد ثلاثة أيام لا يتناولون كل يوم إلا قدحًا من الشاي، وكان قساوسة جزيرة كريت في اليونان القديمة لا يأكلون طول حياتهم لحمًا ولا سمكًا ولا طعامًا مطبوخًا ، وجاء القرآن ليشير إلى لطيفة رائعة، ويوقفنا عند حكمة ظاهرة في قوله سبحانه .. { .. كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} البقرة: 183، لتكون إشارة تذكر وتؤكد أن أمة بني آدم هي أمة واحدة .. {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }يونس19 ، وأن أركان الدين الخالص لله كانت وما زالت واحدة ولكن البشر حرفتهم الأزلية هي الضلال والبهتان وتبديل دين الله وتغييره بما تمليه عليهم شهواتهم ورغباتهم وإغواء ووساوس إبليس لعنه الله.

ومنذ أن عرف المسلمون رمضان وهو له حظوة واحتفالية خاصة في النفوس خاصة لدى المصريين أصحاب زهوة الحضارة المدنية عبر آلاف السنين ، فقد فتح عمرو بن العاص مصر في عهد عمر بن الخطاب سنة (20هـ - 640م) ، وعرف المصريون أول مراسم إحياء أيام وليالي رمضان والتي كانت مقتصرة على إحياء ليالي الشهر الكريم بقراءة القرآن الكريم وأداء الفرائض والعبادات والإقبال على المساجد للصلاة والتعبد ، وكان المسلمون يحبون استضافة الفقراء والمحتاجين إلى موائد إفطارهم وسحورهم عملا بتوصية رسول الله ، وأقبل الناس على إحياء الليالي العشر الأخيرة من شهر رمضان بقراءة القرآن والصلاة والعبادة والاعتكاف بالمساجد ، كما كانوا يجتمعون في ليلة القدر يقرأون القرآن ويدعون الله سبحانه وتعالى حتى مطلع الفجر، أما في ليلة العيد فكانت المساجد تضاء بالشموع والقناديل ويتجمع المسلمون داخل المساجد لوداع الشهر الكريم وإخراج زكاة الفطر إلى الفقراء والمحتاجين ، والفاروق عمر بن الخطاب هو أول من أمر بإنارة المساجد في ليالي رمضان حتى يستطيع المسلمون أداء صلاة التراويح وإحياء ليالي رمضان ، ولكن المصريين دوما كان وما زال لهم شأن آخر مع كل شيء ، فبعد انتشار الإسلام في مصر وإسلام الغالبية العظمى من أهلها عبر قرن كامل من الزمان ابتدع المصريون وسائل الاحتفال برمضان وأعياده وجعلوا منه موسما للفرحة والبهاء والروعة ، ففي عصر الدولة الطولونية في القرن الثالث الهجري ، اهتمت الدولة بعمارة المساجد وإنارتها وتزيينها في رمضان كما اهتمت بالعمال اهتمامًا كبيرًا بتخفيف ساعات العمل في هذا الشهر ، وتابع من بعدهم سلاطين وملوك الدولة الإخشيدية تدبير وإرسال النفقات في أول رمضان لعمارة المساجد وتزيينها مثل ما كان يفعله بن طولون ، وفى عهد الدولة العباسية، جرت العادة بإغلاق محلات الخمور وحظر بيعها ، وأما الدولة الفاطمية فقد اهتمت بهذا الشهر بشكل خاص ، إذ اعتبر الفاطميون أن شهر رمضان مناسبة لترغيب المصريين في المذهب الشيعي ، فأقاموا احتفالات غير مسبوقة ، وكان إذا أقبل الشهر، يطوف القضاة على المساجد، لتفقد ما تم إجراؤه من إصلاح وفرش وزينات ، وتشير العديد من المراجع إلى أنه في غرة رمضان كان الخليفة الفاطمي يهدى إلى جميع الأمراء وغيرهم من المواطنين، أطباقًا مملوءة بالحلوى ومعها صرة من نقود ذهبية ، وفي العصر المملوكي، كان المحتسب يعرض على السلطان والعامة أحمال الدقيق والخبز والسكر والغنم والبقر المخصصة لصدقات شهر رمضان ، وجرت عادة سلاطين المماليك على استدعاء القضاة والفقهاء إلى قلعة الجبل، لقراءة صحيح البخاري طوال شهر رمضان ، وفى دولة المماليك البحرية كان يقرأ البخاري طول الشهر في الجامع الأزهر ، ويختم في ليلة القدر في حفل كبير يدعون فيه لأولى الأمر بالتوفيق بحضور القضاة الأربعة ، ويتم توزيع الهبات عل العلماء والفقهاء ، وهو أحد أسرار قدسية البخاري الممتدة حتى اليوم والتي خفت حدتها في عهد أيام الدولة العثمانية فكان التجار في محلاتهم يتلون القرآن ، ويوزعون الخبز على الفقراء، وفى الليل تزدحم المقاهي بالناس لتناول القهوة والتدخين ، وكانت المساجد الصغيرة تقفل بعد صلاة التراويح ، فيما تظل الجوامع الكبيرة مفتوحة طوال الليل ، وأما في العصر الحديث، ففي القرن التاسع عشر الميلادي، كانت الدواوين الحكومية تعطل ماعدا الخارجية والضبطية والجمرك وتصدر الأوامر بذلك منذ منتصف شهر شعبان ، بشرط أن تكون هذه الدواوين قد أنجزت عملها ، وقد أصدر محافظ القاهرة أمرًا في منتصف شعبان عام 1273هـ، 1856م، بتعليق الزينة ، وإقامة مهرجان مرتين في رمضان ، واتخاذ اللازم لإحضار الزينة والألعاب النارية ، وفى عهد الملك فاروق، كان يطلب من الحكومة كل عام أن يكون الاحتفال برمضان بالغًا أقصى حدوده ، ويصدر تعليمات بمنع بيع المنكرات في المحلات العامة بالميادين الكبرى ، وكان هناك ما يسمى بالمأدبة الملكية ، تسع ألف شخص ، يتزاحم عليها الآلاف من الشعب الفقير ، وحاليًا يجرى الاستعداد في بعض المحافظات قبل رمضان بثلاثة أشهر ، حيث تبدأ ربات البيوت بتدبير اللحوم والطيور والمخزونات لشهر رمضان، ومنذ منتصف شعبان تبدأ معظم المحافظات بتجهيز الإنارة والزينة، والفوانيس لتعليقها في الشوارع، ويشارك في ذلك الأطفال والشباب  ، وما أروع رمضان في شوارع وأزقة وحواري مصر العتيقة ، فمن لم يرى نهارها وليلها في رمضان فما شهد رمضان في عمره ، ومن لم يسعده حظه بالإفطار في حضرة من مزارات أهل البيت أو حول الجامع الأزهر والغورية والخان وبيوت التاريخ ، فما ذاق روعة رمضان ، ومن لم يخرج صدقاته وزكاته في رمضان فما ذاق في عمره روعة رضا الله وكرمه على عباده ...

تم نسخ الرابط