بقلم : د. داليا مجدى عبدالغنى
سمعت بالمصادفة أحد الأشخاص يتحدث بتباهي أمام الجميع أن ابنه الذي يدرس بالمرحلة الابتدائية في إحدى المدارس الأجنبية ، لا يستطيع أن يتحدث باللغة العربية رغم أنه مصري الجنسية ، وأنهم لكي يتوصلوا لوسيلة للتفاهم معه في المنزل يستعينون إلى إحدى الصديقات التي تجيد التحدث باللغات الأجنبية ، وكان هذا الشخص يحكي هذه الرواية وكأنها قصة شيقة تدعو كل من حوله أن ينظر إليه نظرة حسد وغيرة ، وكان يتحدث بطريقة يملؤها الغرور والكبر . فتساءلت : هل هذا الشخص بالفعل محل حسد أم شفقة ؟ وهل عدم استيعابه لمدى خطورة أن يعيش ابنه على أرض وطن لا يملك التحدث بلغته لا يحتاج إلى شفقة الجميع عليه ؟! ومنذ متى ولغتنا العربية الجليلة وهي لغة القرآن الكريم ، وأرقى لغة في العالم ، والتي لو تحدثت عنها سأحتاج إلى سلسلة مقالات حتى تستوعبها ، منذ متى ونحن نتباهى بعدم قدرتنا على التحدث بها .
فبالفعل استرعى انتباهي في السنوات القليلة الماضية أن الكثيرين يحاولون تدمير هذه اللغة باستخدام ألفاظ ومصطلحات لا تمت لها بصلة ، وأصبحنا نتباهى بإجادتنا للغات أخرى دونها ، فأنا لا أنقد من يحاول تعلم لغات أخرى بجانب لغته ، بل على العكس ، فهذا منتهى الاجتهاد ، ووسيلة لتثقيف النفس ومحاولة للتواصل مع العالم بأكمله ، ولكن هل يمكن لأحد أن يبدأ بالحلوى قبل الطبق الرئيسي في الطعام . فلا مانع أن نتحدث بكل لغات العالم ، ولكن لابد لنا أن ندرك أولاً أنه علينا أن نجيد التحدث بلغتنا العربية الأصيلة ، فهل نعتقد أنه يمكن أن تحترمنا بقية الشعوب حينما نتبرأ من لغتنا بهذه الأساليب الرخيصة ، فمجرد محاولتنا تغيير معاني الكلمات باختيار مصطلحات غريبة عن اللغة ، وأيضًا التباهي بعدم قدرة النشء الجديد على ِإجادة اللغة العربية هو دليل على تبرأنا من لغتنا ، والغريب أننا بهذه التصرفات نظن أن الآخرين ينظرون إلينا بنظرات احترام وحسد ، والواقع أن من يدرك مدى خطورة هذه السلوكيات سيكتشف أنها تصرفات تضعه في الدرك الأسفل من المجتمع ، فلغة الوطن الذي ينتمي إليه الإنسان هي جزء من شرفه وكرامته واعتزازه بنفسه ، والتخلي عنها هو تخلي عن كل هذا .
لذا ، علينا أن ندرك أنه لكي يحترمنا الآخرون ولكي نقف في مصاف الدول المتقدمة ، علينا أن نعتز بكل ما هو متأصل بداخلنا ، ولا نفرط فيه بغية مجاراة الظواهر الجديدة التي اختلقناها اعتقادًا منا أننا بذلك نحاكي الغرب ، فالواثق من نفسه هو من يجعل الآخرين يقلدونه ، وليس العكس ، وعلينا أن نزرع في أبنائنا حب لغتهم واعتزازهم بها ، إلى جانب تعلمنا لكل اللغات الأخرى ؛ حتى نستطيع سباق الآخرين في التقدم والرقي والنجاح ، وعلينا ألا نتباهى بعجز أولادنا عن التحدث بلغتنا ، فهل يمكن التباهي بالخزي ؟!



