السبت 28 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : د. داليا مجدى عبدالغنى

لفت انتباهي مثل أمريكي يقول : "الغضب ريح قوية تطفئ مصباح العقل" ، فنحن جميعًا نعلم أن الغضب هو بداية الخسارة لأجمل ما حصلنا عليه في حياتنا ، ولكن ما الفائدة التي عادت علينا من وراء معرفتنا هذه ، فكل منا لا يعبأ بغضبه ، بل على العكس ، أحيانًا يتباهى به لدرجة التفاخر ، فأذكر أنني سمعت كثيرًا أشخاصًا يتحدثون عن أن أسوأ وأخطر عيب يواجهونه في أنفسهم ، وهو عصبيتهم الشديدة ، ولكني أكاد أُجْزِم أنهم يتحدثون عن هذا العيب بمنتهى التفاخر الداخلي ، رغم أنهم يحاولون إظهار الضيق منه ، فللأسف كثير من الناس يظنون أن العصبية فيها شيء من القوة وعدم الاكتراث بالآخرين ، ودليل شجاعتهم ، وأن لديهم القدرة على فعل أي شيء واتخاذ أي قرار في أي لحظة ، ويعتقدون أن في هذا نوع من العنجهية ، وأن الآخرين يهابونهم ويُقدرونهم ويخشون من غضبهم ، ولكني أريد إصلاح هذه المعلومات المغلوطة ، فالشخص العصبي سريع الغضب ، هو شخص منبوذ ، لا يحبه الآخرون ويتجنبونه تدريجيًا ؛ حتى يصلوا إلى درجة اللامبالاة من انفعاله ، علاوة على سخريتهم منه دون أن يعلم .

والآن أتساءل : لماذا نجعل من أنفسنا أسرى للحظات الغضب ، ونظن أننا بذلك نحافظ على كبريائنا المزعوم وكرامتنا الملفقة ، فما علاقة الكبرياء والكرامة بالغضب ، فلو ركزنا قد ينظر إلينا بعض ضعاف النفوس بنظرة خوف للحظات ، ولكننا فور جلوسنا مع أنفسنا وتفكرنا بتدبر ، سنكتشف أننا خسرنا الكثير ؛ حتى نحافظ على أشياء قليلة القيمة ، وربما تكون عديمة القيمة ، وبالطبع لا نتراجع عن قرارتنا ؛ حتى لا نخسر هيبتنا ، أو نظهر بمظهر ضعاف الشخصية ، الذين لا يملكون الكلمة ، ولا ينفذون قراراتهم ، ولكن هل الحياة تستحق كل هذا ، وهل النفس البشرية تتحمل كل هذه المعاناة والخسائر ؛ بسبب لحظة ظلام تجشم على النفس ، وتُطفئ نور العقل ؛ حتى تصل به إلى العتمة ، فانظروا يا سادة إلى كل من استسلم للحظات غضبـه ، فماذا جَنِي؟ دعوني أستعرض معكم بعض نتائج الغضب .

فالبعض وصل إلى الانتحار ، والبعض وصل إلى الانفصال الأسري ، الذي شتت عائلة بأكملها ، والآخر وصل إلى حد الثأر والدم ، وهناك من وصل إلى السجن ، وربما حبل المشنقة ، وأيضًا هناك من خسر أعز حبيب أو أخلص صديق ، علاوة على الخسائر المادية ، فهناك من خسر منصبه أو ماله ، فالخسائر لا يمكن أن تُعدّ أو تُحصى ، وكل هذا بسبب لحظة غضب تسيطر على النفس ، ويُغذيها كبرياء كاذب ، لا وجود له ، وهنا تكون كلمة العفو أو التسامح درب من دروب الضعف ، فحقًا ما أصعب النفس البشرية ، فهي دائمًا تُصارع حتى نفسها ، فتجلدها وتظلمها ، وتصل بها إلى حد السدود ، فيا ليت الإنسان يفكر قبل أن يترك نفسه عبدًا لنفسه ، ويا ليته ينظر إلى الغد كما ينظر إلى اللحظة التي استعبدته ، وسلبت منه كل قوته ، فهل ننكر أن الغضب قد يصل بصاحبه إلى الكفر ، وإلى ارتكاب الجرائم ، وإلى قتل النفس ، يا ليتنا ندرك هذا قبل أن نقع فريسة للحظة الغضب.

تم نسخ الرابط