بقلم : محمد يوسف العزيزى
في الذكري الثالثة لثورة 30 يونيو التي مرت منذ أيام قليلة تذكرت حرب العاشر من رمضان السادس من أكتوبر حيث جاء احتفالنا بالذكري الثالثة لثورة الشعب المصري في رمضان أيضا.. تاريخان عظيمان في حياة الأمة المصرية سيظل التاريخ يذكرهما لتفردهما في كل تفصيلة من تفاصيلهما الكثيرة التي أعجزت دول كبري وأجهزة مخابراتية عتيقة عن كشف أسرارهما حتى تحقق لهما النجاح ، وبقي السر وراءهما هو الشعب المصري بإرادته وعزيمته وصبره وعقيدته الوطنية التي تقدس الأرض كما تقدس العرض ، وتحفظ الوطن كما تحفظ الحياة ، وتكشف الخائن كما يكشف نور الصباح ظلام الليل .
وكما كانت حرب العبور العظيم فيها من الدروس والعبر ما جعل العالم يقف أمامها طويلا ويعتمدها في أكاديمياته العسكرية ويتخذها مادة في دراساته ورسائله العلمية في التخطيط والخداع الاستراتيجي ونموذج مثالي لتكاتف جبهة الدولة الداخلية قبل وأثناء الحرب حتى صارت علامة فارقة في تاريخ الحروب الحديثة حتى يومنا هذا ، فإن ثورة 30 يونيو .. ثورة الشعب المصري .. فيها من الدروس والعبر ما يجعلها أهم ثورة في التاريخ الحديث وستظل كذلك قرونا قادمة .
في اعتقادي - ومع كامل تقديري واحترامي لحرب أكتوبر العظيمة - أن ثورة 30 يونيو تفوق في التقدير والرؤية والهدف والنتائج حرب أكتوبر .. فبينما كانت حرب أكتوبر لاسترداد جزء من التراب الوطني ( سيناء ) احتله الكيان الصهيوني ليعود إلي حضن الوطن الأم .. كانت ثورة 30 يونيو لاسترداد الوطن بكامله بعد أن وقع رهينة في يد الجماعة الإرهابية التي قررت الحكم ل 500 سنه قادمة أو قتل الشعب المصري كله دون الأهل والعشيرة ، وبينما كانت حرب أكتوبر لاسترداد كرامة المقاتل المصري والمواطن المصري وكسر عنجهية وأسطورة جيش الكيان الصهيوني الذي لا يهزم .. كانت ثورة 30 يونيو ردا قاسيا ودرسا لا يمكن نسيانه علي محاولات تغيير الهوية الوطنية للمصريين وطمس الشخصية المصرية وتغيير معالمها ، ودفعها دفعا لأن تنسي تاريخها ومخزونها الحضاري الذي كان معينا لها في كل ما كانت تواجهه عبر تاريخها الطويل .
حرب أكتوبر كانت في مواجهة عدو غاصب لجزء من الأرض - هي أعز علي الشعب المصري لأنها أرض الرسالات ومسري الأنبياء -لكنه كان عدوا واضحا صريحا .. اغتصب سيناء في وضح النهار في صباح الخامس من يونيو 67 ، واستطعنا أن نحاربه ونسترد الأرض منه في عز الضهر والشمس في كبد السماء ، وكانت جبهتنا الداخلية علي قلب رجل واحد .. بينما في 30 يونيو كان الشعب المصري يخوض معركته مع أعداء كثر في الخارج والداخل وكلهم يلبسون ألف قناع وقناع ، وكان لا يدري من أين ستصيبه الضربة الموجعة .. ورغم سقوط بعض الأقنعة عن الوجوه إلا أن ما كان خلف الوجوه أقسي وأشد ، ورغم ذلك نجح الشعب المصري في إزاحة كابوس ضياع الوطن ، ونجح في هتك عرض جماعة ظلت تعمل لأكثر من ثمانين عام لتصل إلي حكم مصر وتحولها إلي كيان مسخ وتبيعها - بعد ذلك بعد أن يستتب الأمر لها - لتجار التجزئة قطعة تلو الأخرى .
عظمة حرب أكتوبر أنها غيرت في مفاهيم العالم العسكرية ووضعت المقاتل المصري – خير أجناد الأرض – علي مائدة البحث والدراسة وجعلته هدفا للوصول إليه والتعاون معه ومشاركته في العديد من المناورات مع جيوش دول كبري ، وعظمة 30 يونيو أنها غيرت الصورة الذهنية عن الشعب المصري التي كانت سائدة من قبل عند البعض كشعب مستكين لا يثور ولا يتحرك وسيظل مهموما بلقمة العيش فقط ، فأصبح شعبا حيا لا يعرف الخضوع أو الخنوع أو التبعية مهما كلفه ذلك وإن كان يصبر علي الأذى كثيرا ، لكنه لا يتواني عندما يتعلق الأمر بالوطن والهوية ، كما أنها قلبت موازين السياسة والعمل السياسي فتحول الشعب إلي نخبة وصار هو القائد والمعلم وتحولت النخبة إلي تابع يسير خلفه !
قبل فوات الأوان وقبل أن تتحول 30 يونيو إلي سطر في كتب التاريخ كما تحولت حرب أكتوبر المجيدة إلي عدد من الأفلام الدرامية ولم يعد يعرف عنها الكثير من الأجيال شيئا سوي يوم الأجازة وبانوراما أكتوبر وكوبري 6 أكتوبر .. يجب توثيقها وتوثيق كل تفاصيلها الإنسانية وأسرارها وشهودها أحياء لأن ذلك أمانة للأجيال القادمة ويجب أن يبرز دور الشعب المصري والجيش المصري بوضوح قبل أن يشوهها الحاقدون وكل الأعداء الذين يقفون لها بالمرصاد.. اللهم بلغت اللهم فاشهد



