السبت 28 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : د. داليا مجدى عبدالغنى

كثيرًا ما نشعر أننا فقدنا أنفسنا ، ولا نجدها بين خلجاتنا ، أو بين ثنايا ضلوعنا ، وكأنها شخص آخر انفصل عنا ، ولا نعرفه ، وربما لم نلتقيه من قبل ، فأسوا ما في النفس أن تهرب من صاحبها وتغادره ، فيشعر أنه قد تحول إلى امرئٍ آخر لا يُعرف منه إلا شكله الخارجي فقط ، والذي غالبًا ما يتغير ؛ لأن الملامح لها قدرة فائقة على التأثر بالنفس والروح ، والسؤال هو ، ما الذي يدفع النفس أن تغيب عن صاحبها وتتركه ؟! السبب باختصار أن الإنسان حينما يتحرر من أحلامه ومبادئه ، ويسعى للتكيف مع مجتمع غريب عنه محاولاً الاندماج مع طقوسه الغريبة عنه ، راغبًا في الامتزاج بكل ألوانه والتجانس معها ، حتى لو كان بعيدًا كل البعد عنه ، ولا يمت له بصلة ، فهنا تشعر نفسه المتمثلة في وجدانه وكيانه وسلوكه بالرغبة في الهروب والابتعاد عنه ؛ لأنه يصبح غريبًا عنها نقيضًا لها ، فإذا أردت أن تبحث عن ذاتك ، فابحث عنها بداخلك ، في ثنايا ضميرك ، بين طيات مبادئك .

أتساءل دائمًا ، لماذا لدينا القدرة على تغيير جلودنا بسرعة رهيبة ، فكلما واتتنا الفرصة للتغيير لا نتوانى عن الإقدام عليه دون تفكير ، فكم من مرة نُغير أسلوبنا في الحوار ، ظنًا منـا أن هذا هو التمدين ، فبِتنا نتحدث بلغة غريبة علينا ، ونستخدم مصطلحات منفرة ، لا ترتقي إلى الذوق ، وأيضًا هرولتنا نحو عمليات التجميـل ، والتي بها بدلنا ملامحنا بدعوى "الموضة" ، وكأن ما خلقه الله لا يتماشى مع طبيعة حياتنا ، وكذلك أحلامنا باتت باهتـة ، فهي أحلام روتينية ، ليس فيها إبداع أو ابتكار ، أليس في كل هذا أسباب لهروب النفس عن صاحبها ، فهي أصبحت لا تعرفه ، حتى ملامحه أضحت غريبة عليها .

فالنفس البشرية رغم أنها جزء لا يتجزأ عن صاحبها ، إلا أنها دائمًا تلعب دور "الطيف" في حياته ، فهي تحاوره وتنقده وتؤمِّن كثيرًا على أفكاره ، وأيضًا تهرب منه حينما يبتعد عنها ، وينفر منها ويسعى إلى تغييرها ، فإذا أردنا أن نتناغم مع أنفسنا ، علينا أن نرضى بها ونحبها كما هي ، وإذا سعينا إلى تقويمها فلابد أن نغيرها إلى الأفضل ، فلوا امتلكنا القدر اللازم من الثقة في النفس ما كنا تبدلنا مع كل موسم حسب الطراز السائد فيه ، ولو ركزنا قليلاً ، سنكتشف أن أسوأ غربة يعاني منها الإنسان هي غربته عن نفسه ، فالغربة في حد ذاتها قاسية ، سواءً كانت غربة الوطن أو الأصحاب والأحباب ، فما بالنا بغربة النفس ، ما أصعبها حينما تغادرنا وتتركنا تائهين لا نعرف من نكون ؟ وإلى أين نحن ذاهبين ؟ فهذه هي قمة غربة النفس .

تم نسخ الرابط