بقلم : د. داليا مجدى عبدالغنى
"النجاح" ، حُلم أم غاية أم وسيلة ، كلنا نتوق إلى النجاح ، نبحث عنه بكل الوسائل ، ونبتغيه ، وأحيانًا نتنازل عن أشياء ثمينة من أجل الوصول إليه ، ولكن لم يقف أحد منا ليتساءل ، هل النجاح هو مجرد حلم تتوق النفس إلى تحقيقه ، وتنظر إليه على أنه أمل بعيد المنال ، وربما يظل مجرد أمنية داخل النفس لا يخرج عن إطار الحلم ؟ أم أنه غاية بمعنى أنه نهاية المطاف ؟ فنحن نسعى ونبذل قصارى جهدنا من أجله ، ولا نكل أو نمل عن الوصول إليه ، أم أنه مجرد وسيلة للوصول لأهداف أخرى ، قد لا تمت له بصلة ، فكلمة النجاح في حد ذاتها كلمة مُبْهِرة ومُشْرِقة ، ولا يمكن لأحد مهما كانت طبيعته البشرية أن يرفضها أو يتجاهلها ، والنجاح يمكن أن يتحقق بأساليب بسيطة للغاية ، ويمكن أن نشعر به عندما نحقق أشياء بسيطة أيضًا للغاية ، فهو ليس له ميزان محدد ؛ لأنه يختلف من شخص لآخر ، والمضحك أنه حتى من يملك أهدافًا غير نبيلة حينما يحققها يشعر بالنجاح ؛ لأن النجاح نسبي ونوعي ، ولا يمكن الاتفاق على شكل محدد له ، فهو يختلف باختلاف المجال والأشخاص والنتائج ، والغريب في الأمر أن أغلب الناس تنظر إليه على أنه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعلم ، في حين أن المولى – عز وجل – عندما وهب العلم للبشر ومنحه لهم ، لم يكن يقصد قطعًا القراءة والكتابة فقط ، وإنما كان يبغي أيضًا أن يستغل الإنسان عقله في كل مواقف الحياة ، وأن يستغل كل إمكانياته وملكاته من أجل تحقيق النفع لنفسه وللآخرين .
لذا ، فأنا لا أرى أن هناك ارتباط بين التعليم المدرسي والجامعي وبين النجاح ، فكثير من الأشخاص لم تكن عقولهم تستوعب الكتب الدراسية ، ولكنهم نجحوا في الحِرف التي احترفوها ، وحققوا مكاسب مالية وشهرة بين الناس ، وكذلك هناك من حُرِمُوا من نعمة استكمال دراستهم ، ولكنهم نجحوا في تثقيف أنفسهم ، وأصبحوا بمثابة "المرجعية" بالنسبة لأصحاب الشهادات العالية ، فالنجاح ليس صورة محددة أو كتالوج يمكننا أن نسير على خطواته ، فهو يبدأ كحلم ، وحينما نسعى في تحقيقه يكون هدفًا ، وعندما نصل إليه يتحول إلى الوسيلة التي نحقق بها كل ما نتمناه ونرغب فيه ، وأظن أن ما يشبع منه فإنه يكون قد دخل دائرة الفشل ، فكل شيء في الحياة يمكننا أن نمله ونزهده ، وربما نتنازل عنه إلا هذا الشعور ، فهو متجدد باستمرار لا يمكننا أن نحيا بدونه ، وأندهش بشدة عندما أجد أغلب الشباب يُضيعون وقتهم في أشياء لا جدوى منها ، ويُصرحون أنهم يأتون بهذه التصرفات بغية مضيعة الوقت ، ولكنهم لو أدركوا أن كل لحظة تمر عليهم دون أن يتعلموا فيها شيئًا جديدًا أو يفعلوا شيئًا ينفعون به أنفسهم وغيرهم ، لندموا على كل لحظة أضاعوها في تفاهات لن تجني لهم سوى "الفراغ الفكري" .
ونصيحتي لهؤلاء ، ألا يُعلقوا تصرفاتهم على عدم توفير وظائف لهم ، فالنجاح يا سادة ليس مرتبطًا بوظيفة حكومية أو شهادة علمية ، ولكنه مرتبط برغبة حقيقية في تحقيق حلم بسيط وبإمكانيات بسيطة ، ومع مرور الوقت سيتحول الأمر إلى نجاح متكرر ، فلو كان "عباس العقاد" ربط نجاحه بالشهادة الدراسية ، ووقف مكتوف الأيدي ، ما كان أُطلق عليه "العملاق" ولما كان "والاس جونسون" بنى سلسلة فنادق "هوليداي إن" بعد أن طُرِدَ من عمله بورشة الأخشاب ؛ لذا فاسعوا إلى النجاح ولو بأبسط الإمكانيات وبأيسر السبل ، فهو الحلم والغاية والوسيلة .
بقلـــم



